عشتارتيفي كوم/
بغداد – تقرير
في قلب العاصمة العراقية بغداد يقف المتحف العراقي بوصفه واحداً من أبرز المؤسسات التي تختزن تاريخ بلاد الرافدين، حيث تمتد مجموعاته عبر آلاف السنين، وتروي من خلال آلاف القطع الأثرية قصة الحضارات التي نشأت في أرض العراق، من السومريين والأكديين إلى الآشوريين والبابليين، وصولاً إلى الحضارات الإسلامية.
وبحسب هيئة الآثار والتراث العراقية، تضم مقتنيات المتحف أكثر من مليوني قطعة أثرية، وتعد مجموعاته من بين الأهم عالمياً، فيما كانت معروضاته موزعة تاريخياً على 28 قاعة تقدم تسلسلاً زمنياً لحضارات بلاد الرافدين عبر آلاف السنين.
متحف بدأ بمبادرة ثقافية في عشرينيات القرن الماضي
ترجع بدايات المتحف إلى عشرينيات القرن العشرين، عندما أسهمت عالمة الآثار البريطانية غيرترود بيل في تأسيس المؤسسة المتحفية العراقية، قبل أن يُفتتح المتحف رسمياً عام 1926.
وتشير هيئة الآثار والتراث العراقية إلى أن المتحف أُسس بمساعدة غيرترود بيل عام 1926، فيما أصبح أول مدير عراقي له عام 1933، وهو المربي العراقي المعروف ساطع الحصري. وكان المتحف تابعاً في بداياته إلى وزارة الأشغال، ثم انتقل إلى وزارة المعارف في ثلاثينيات القرن الماضي، قبل أن يصبح ضمن وزارة الثقافة والسياحة والآثار من خلال هيئة الآثار والتراث.
وتذكر هيئة السياحة العراقية في دليلها الخاص بالمواقع الأثرية والتراثية في بغداد أن جمع الآثار العراقية بدأ قبل ذلك في مبانٍ حكومية، ثم نُقلت المجموعات إلى مبنى مخصص للمتحف في شارع المأمون بعد ازدياد أعداد القطع وضيق الأماكن السابقة.
أما مباني المتحف الموجودة في موقعه الحالي فقد شهدت مراحل مختلفة من الإنشاء والتوسع؛ ووفق المعلومات المنشورة على الموقع التعريفي للمتحف، شُيدت مجموعة من المباني الأساسية خلال ستينيات القرن الماضي، بينما أُضيف مبنى جديد للمتحف في ثمانينيات القرن الماضي، ثم مبنى للمجموعات في عام 2006.
سبعة آلاف عام تحت سقف واحد
تكمن أهمية المتحف العراقي في طبيعة مجموعاته التي تغطي فترة زمنية تمتد إلى نحو 7 آلاف عام، بحسب منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو».
وتضم المجموعات قطعاً مرتبطة بالحضارات السومرية والأكدية والآشورية والبابلية، إلى جانب آثار من العصور الإسلامية، وتشمل مواد متنوعة مثل الفخار والزجاج والمعادن والعاج والرق والمواد الطينية.
ومن أبرز القطع التي تشير إليها اليونسكو المزهرية السومرية المقدسة وقناع الوركاء العائد إلى الألف الرابع قبل الميلاد، إضافة إلى رأس لحاكم أكدي من نينوى يرجع تقريباً إلى الفترة بين 2250 و2200 قبل الميلاد، ولوح مسماري آشوري من نمرود، وأسد بابلي من الفخار، ولوحة جصية من سامراء تعود إلى القرن التاسع الميلادي.
وهكذا لا يقدم المتحف تاريخ حضارة واحدة فقط، بل يعرض طبقات متعاقبة من تاريخ العراق، بحيث يستطيع الزائر الانتقال زمنياً من المدن السومرية القديمة إلى الممالك والإمبراطوريات التي تعاقبت على بلاد الرافدين.
الآثار الآشورية.. حضور بارز في المتحف
يحظى التراث الآشوري بمكانة مهمة داخل مجموعات المتحف، ولا سيما القطع المرتبطة بمواقع ومدن آشورية بارزة مثل نمرود ونينوى.
وتشير اليونسكو، في وصفها للمتحف الوطني العراقي، إلى وجود لوح مسماري آشوري من نمرود ضمن القطع المهمة في مجموعاته. كما أن المتحف يحتفظ بمجموعات تعكس الحضارة الآشورية إلى جانب السومرية والأكدية والبابلية.
وتمنح هذه المقتنيات المتحف أهمية خاصة في دراسة تاريخ شمال بلاد الرافدين، حيث كانت نينوى ونمرود وآشور مراكز سياسية وثقافية رئيسية في العصور الآشورية.
محطات صعبة.. من حرب الخليج إلى نهب عام 2003
لم يكن تاريخ المتحف خالياً من الأزمات. فقد تعرض للإغلاق خلال حرب الخليج عام 1991، قبل أن يعاد افتتاحه عام 2000، وفق المعلومات المنشورة على موقع المتحف.
لكن المنعطف الأكثر خطورة جاء عقب الحرب التي اندلعت عام 2003، عندما تعرض المتحف للنهب، وفُقد عدد كبير من القطع الأثرية.
وتشير اليونسكو إلى أن إدارة المتحف قدرت عدد القطع التي تعرضت للنهب بنحو 15 ألف قطعة، بينها نحو 5 آلاف ختم أسطواني ذي قيمة، فيما استعادت السلطات العراقية لاحقاً آلاف القطع. وبحسب بيانات اليونسكو، كان نحو 4300 قطعة من أصل العدد المقدر للمفقودات قد عادت إلى المتحف بحلول عام 2015.
وأصبح ملف استعادة الآثار العراقية المهربة واحداً من أهم الملفات المرتبطة بحماية التراث العراقي خلال العقود الأخيرة.
آلاف القطع تعود إلى بغداد
وفي تطور حديث، أعلنت هيئة الآثار والتراث العراقية في يناير/كانون الثاني 2026 استعادة نحو 11 ألف قطعة أثرية خلال العامين السابقين، مشيرة إلى أن القطع المستعادة جاءت من دول عدة، من بينها اليابان وسويسرا وألمانيا وبريطانيا ولبنان والأردن، وأن عدداً كبيراً منها استقر في المتحف العراقي.
وقال رئيس الهيئة علي عبيد شلغم، بحسب ما نقلته وكالة الأنباء العراقية «واع»، إن العراق استعاد نحو 6 آلاف قطعة من بريطانيا وحدها، فيما تتواصل المفاوضات مع دول أخرى لاستعادة قطع أثرية خرجت من العراق بصورة غير قانونية.
ويمثل وصول هذه القطع إلى المتحف جانباً مهماً من عملية استعادة التراث العراقي، ليس فقط باعتبارها مقتنيات أثرية، وإنما بوصفها وثائق مادية مرتبطة بتاريخ العراق ومجتمعاته وحضاراته المتعاقبة.
اليونسكو ودعم حماية مقتنيات المتحف
لم تقتصر الجهود الدولية على استعادة القطع المسروقة، بل شملت أيضاً دعم المتحف في مجالات الحفظ والترميم والتوثيق.
وفي عام 2021 أعلنت اليونسكو تقديم معدات ومواد خاصة بالحفظ والخزن إلى المتحف الوطني العراقي، لمساعدته في حماية مجموعاته وتطوير عمليات جرد المقتنيات وتحديث قاعدة بياناتها وتحسين إدارة التخزين والتوثيق.
وكانت اليونسكو قد أشارت في تقرير سابق إلى أن الدعم الدولي ساهم أيضاً في إعادة تأهيل مختبر المتحف وتوفير التدريب المتخصص للعاملين فيه، ضمن الجهود الرامية إلى حماية مجموعاته بعد الأضرار التي لحقت به خلال العقود السابقة.
المتحف يدخل مرحلة جديدة من التطوير
وفي عام 2026، أعلنت دائرة المتاحف التابعة لوزارة الثقافة والسياحة والآثار العراقية عن خطة شاملة لتأهيل المتحف العراقي، تشمل تطوير القاعات وأساليب العرض المتحفي.
وقالت مديرة دائرة المتاحف العامة لمى ياس، في تصريحات نقلتها وكالة الأنباء العراقية «واع» في فبراير/شباط 2026، إن المتحف يخضع لأعمال صيانة وتطوير، تشمل القاعات وطرق العرض، مع إعادة تأهيل القاعة السومرية التي كانت مغلقة منذ عام 2019.
وتتضمن خطة التطوير إضافة عرض خاص لقارب سومري نادر يبلغ طوله نحو سبعة أمتار ويعود إلى نحو 3200 قبل الميلاد، عُثر عليه في منطقة الوركاء.
وبحسب دائرة المتاحف، تجري أعمال ترميم القارب بالتعاون مع الجانب الألماني وفريق عراقي، مع اعتماد أسلوب يتيح للزوار مشاهدة مراحل الترميم خلف حواجز زجاجية، في محاولة لربط عملية حفظ القطعة الأثرية بالتجربة التعليمية للزائر.
من قاعات الآثار إلى المتحف الحديث
ولا تقتصر عملية تطوير المتحف على المبنى أو ترميم القطع، بل تشمل أيضاً تحديث طريقة تقديم التاريخ العراقي للجمهور.
وفي يونيو/حزيران 2026، شارك العراق للمرة الأولى في برنامج «Sawa» الدولي لدراسات المتاحف، من خلال مشاركة مدير شعبة قاعدة البيانات في المتحف العراقي عبد الرحمن إياد حسين في البرنامج المتخصص بالمتحف والتراث الثقافي.
وقالت دائرة المتاحف العامة، بحسب «واع»، إن المشاركة تهدف إلى تبادل الخبرات والاطلاع على الممارسات الحديثة في إدارة المتاحف وحفظ المقتنيات وتطوير البرامج الثقافية والتعليمية.
وتعكس هذه المشاركة توجهاً نحو تطوير العمل المتحفي من مجرد حفظ القطع إلى بناء مؤسسات قادرة على توثيق المجموعات وإدارتها رقمياً وتقديمها للجمهور بأساليب تعليمية حديثة.
ذاكرة العراق في مواجهة الزمن
لا تكمن أهمية المتحف العراقي في عدد القطع الموجودة داخله فقط، وإنما في كونه مؤسسة تجمع تحت سقف واحد آثار حضارات شكلت جانباً أساسياً من تاريخ الشرق الأدنى القديم.
فمن الوركاء وأور ونينوى ونمرود، إلى الآثار الإسلامية، يقدم المتحف سلسلة زمنية طويلة تساعد على قراءة تاريخ العراق من خلال اللقى الأصلية والوثائق المادية، بدلاً من الاقتصار على الكتب والمصادر المكتوبة.
وبحسب الهيئة العامة للآثار والتراث، فإن مجموعات المتحف تتجاوز مليوني قطعة، بينما تؤكد اليونسكو أن مقتنياته تغطي نحو سبعة آلاف عام من تاريخ العراق والمنطقة.
ومع استمرار أعمال التأهيل واستعادة الآثار العراقية من الخارج، يبدو أن المتحف العراقي لا يؤدي وظيفة حفظ الماضي فحسب، بل يتحول تدريجياً إلى مساحة لإعادة تقديم هذا الماضي للأجيال الجديدة، وإلى نقطة اتصال بين البحث الأثري الحديث وذاكرة بلاد الرافدين.
المتحف العراقي في بغداد ليس مجرد مبنى يضم آثاراً قديمة؛ إنه سجل مادي لتاريخ بلاد الرافدين، من أقدم المدن والكتابات إلى الإمبراطوريات الآشورية والبابلية وما تلاها من عصور، ولذلك فإن حماية مقتنياته واستعادتها وتطوير طريقة عرضها ترتبط مباشرة بحماية جزء أساسي من الذاكرة الحضارية للعراق.
|