عشتارتيفي كوم/
بغداد – 25 سبتمبر/أيلول 2026: خفّض البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية توقعاته للاقتصاد العراقي بصورة حادة، متوقعاً انكماش الناتج المحلي الإجمالي للعراق بنسبة 12% خلال عام 2026، في ظل الاضطرابات التي طالت صادرات النفط عبر مضيق هرمز، وما ترتب عليها من تراجع في عائدات التصدير وإيرادات الحكومة والاحتياطيات من العملات الأجنبية.
وقال البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية في أحدث تقرير له عن الآفاق الاقتصادية الإقليمية إن الاقتصاد العراقي يواجه واحدة من أشد حالات التراجع بين الاقتصادات التي يغطيها التقرير، مشيراً إلى أن اضطراب صادرات النفط عبر مضيق هرمز كان العامل الرئيسي وراء خفض توقعات النمو.
وبحسب التقرير، يتوقع البنك أن ينكمش الاقتصاد العراقي بنسبة 12% في 2026، قبل أن يسجل نمواً قوياً بنسبة 14% في 2027، إذا عادت صادرات النفط إلى مستوياتها الطبيعية.
النفط في قلب الأزمة الاقتصادية
ويعتمد الاقتصاد العراقي بدرجة كبيرة على قطاع النفط، ولذلك انعكس اضطراب حركة تصدير الخام عبر مضيق هرمز بصورة مباشرة على النشاط الاقتصادي والمالية العامة.
وأوضح البنك الأوروبي أن طرق التصدير البديلة لم تتمكن من نقل سوى أقل من ربع الكميات المعتادة من الصادرات العراقية، الأمر الذي أدى إلى انخفاض كبير في إيرادات التصدير، وبالتالي تراجع الموارد التي تعتمد عليها الحكومة في تمويل الإنفاق العام.
وأشار البنك إلى أن هذا الاضطراب كان له تأثير كبير على النمو الاقتصادي والمالية العامة واحتياطيات النقد الأجنبي في العراق.
وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة بالنسبة للعراق، الذي يعتمد على عائدات النفط كمصدر رئيسي للإيرادات العامة والنقد الأجنبي، ما يجعل أي اضطراب طويل في حركة تصدير الخام ذا انعكاسات واسعة على الاقتصاد المحلي.
مضيق هرمز.. نقطة اختناق لصادرات العراق
ويُعد مضيق هرمز ممراً رئيسياً لصادرات الطاقة من منطقة الخليج، ولذلك فإن استمرار الاضطرابات فيه يفرض تحديات مباشرة على الدول التي تعتمد على الممر البحري لتصدير النفط.
وبحسب تقرير البنك الأوروبي، فإن الاضطرابات المرتبطة بالمضيق أدت إلى خفض كبير في توقعات الاقتصاد العراقي لعام 2026.
وقال البنك إن التوقعات الخاصة بعام 2027 تستند إلى افتراض عودة صادرات النفط إلى طبيعتها، وهو ما يفسر الانتقال المتوقع من انكماش بنسبة 12% في 2026 إلى نمو بنسبة 14% في العام التالي.
ويعني ذلك أن توقعات التعافي القوي في 2027 مرتبطة بدرجة كبيرة بتطورات سوق النفط وقدرة العراق على استعادة مستويات التصدير السابقة.
تراجع واسع في توقعات النمو
ولم يكن العراق الدولة الوحيدة التي خفض البنك الأوروبي توقعاته بشأنها، إذ قال البنك إن النمو يتباطأ في عدد من الاقتصادات الناشئة نتيجة تداعيات الحروب وارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف الاقتراض والاضطرابات التجارية.
ووفق التقرير، يتوقع البنك نمو اقتصادات المناطق التي يغطيها بمعدل 2.5% خلال 2026، وهو أقل بنحو 0.6 نقطة مئوية من توقعاته السابقة الصادرة في يونيو/حزيران، في ثاني خفض متتالٍ للتوقعات.
وكان العراق ولبنان من أكثر الدول التي تعرضت توقعاتها للتخفيض، إذ توقع البنك انكماش الاقتصاد اللبناني بنسبة 5% خلال العام الحالي، في حين خفض توقعاته لاقتصادات أخرى من بينها أوكرانيا وتركيا بسبب تداعيات الحرب وارتفاع تكاليف التمويل والضغوط التضخمية.
أسعار الطاقة والقمح والاقتراض تزيد الضغوط
ولا تقتصر المخاطر التي تواجه الاقتصاد العراقي على صادرات النفط، إذ أشار البنك الأوروبي إلى مجموعة أوسع من الضغوط التي تؤثر على اقتصادات المنطقة، بينها ارتفاع أسعار الطاقة والقمح وتكاليف الاقتراض.
وقالت كبيرة الاقتصاديين في البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، بياتا يافورشيك، إن الضغوط تتراكم عبر عدة قنوات، من أسعار وقود الديزل إلى تكاليف القمح والاقتراض، محذرة من وجود مخاطر سلبية كبيرة على التوقعات الاقتصادية.
كما أشار التقرير إلى أن أسعار القمح العالمية ارتفعت بنحو 30% منذ فبراير/شباط، في ظل اضطرابات أثرت على صادرات الحبوب من منطقة البحر الأسود.
وهذه التطورات قد تفرض ضغوطاً إضافية على الدول المستوردة للغذاء، في وقت ترتفع فيه تكاليف الطاقة والنقل والتمويل.
انعكاسات محتملة على المالية العامة
ويثير تراجع صادرات النفط مخاوف خاصة بالنسبة إلى المالية العامة العراقية، نظراً إلى الدور المحوري الذي تؤديه عائدات النفط في تمويل الموازنة.
وأشار البنك الأوروبي صراحة إلى أن اضطراب صادرات النفط أدى إلى انخفاض كبير في الإيرادات الحكومية والاحتياطيات الأجنبية، ما يجعل استمرار الأزمة لفترة أطول عاملاً يمكن أن يزيد الضغوط على قدرة الحكومة على تمويل الإنفاق العام.
وفي حال استمرار القيود على تصدير النفط، فإن العراق قد يواجه ضغوطاً أكبر على تدفقاته النقدية الخارجية وعلى قدرته على الحفاظ على مستويات الإنفاق الحكومي، بينما يرتبط حجم التأثير النهائي بمدة الاضطرابات وحجم النفط الذي يمكن تصديره عبر المسارات البديلة.
الدولار والأسواق المحلية تحت المراقبة
وتأتي توقعات البنك الأوروبي في وقت تشهد فيه أسواق الصرف العراقية تحركات في سعر الدولار.
وأفادت بيانات شفق نيوز بأن سعر صرف الدولار في بورصتي الكفاح والحارثية ببغداد بلغ عند إغلاق تداولات الخميس نحو 157,100 دينار لكل 100 دولار، مقارنة بـ156,800 دينار صباح اليوم نفسه.
وفي أربيل، بلغ سعر البيع نحو 157,150 ديناراً لكل 100 دولار، فيما بلغ سعر الشراء 157,100 دينار، وفق بيانات السوق التي نقلتها الوكالة.
ولا يعني تحرك سعر الصرف في السوق المحلية، بحد ذاته، أن توقعات البنك الأوروبي هي سبب مباشر لهذه الحركة، لكن تطورات إيرادات النفط والتدفقات الخارجية تبقى من العوامل الأساسية التي تراقبها الأسواق العراقية.
العراق أمام اختبار اقتصادي في 2026
ويضع تقرير البنك الأوروبي الاقتصاد العراقي أمام اختبار مزدوج خلال العام الحالي: الحفاظ على تدفقات النفط والإيرادات الحكومية من جهة، وتقليل آثار اضطرابات التجارة والطاقة العالمية من جهة أخرى.
ويعتمد السيناريو المتفائل نسبياً للبنك لعام 2027 على عودة صادرات النفط إلى مستوياتها الطبيعية، وهو ما يعني أن سرعة تعافي الاقتصاد العراقي ستبقى مرتبطة بدرجة كبيرة بالتطورات في أسواق الطاقة وقدرة البلاد على استعادة قنوات التصدير.
وفي المقابل، فإن استمرار اضطراب الملاحة أو بقاء صادرات النفط دون مستوياتها المعتادة لفترة أطول قد يفرض ضغوطاً إضافية على الاقتصاد والمالية العامة والاحتياطيات الأجنبية.
خلاصة
وتشير أحدث توقعات البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية إلى أن الاقتصاد العراقي مرشح لانكماش حاد بنسبة 12% خلال 2026، مع توقع تعافٍ قوي بنسبة 14% في 2027 إذا عادت صادرات النفط إلى طبيعتها.
ويبرز التقرير بذلك مدى ارتباط الاقتصاد العراقي بالتطورات الإقليمية ومسارات تصدير النفط، ولا سيما في ظل اضطرابات مضيق هرمز، فيما ستظل قدرة العراق على الحفاظ على صادراته وإيراداته النفطية عاملاً رئيسياً في تحديد مسار الاقتصاد خلال الأشهر المقبلة.
|