قناة عشتار الفضائية
 

مدرسة شمعون الصفا في الموصل.. أكثر من 170 عاماً من التعليم وحضور راسخ في تاريخ المدينة

 

عشتارتيفي كوم/

الموصل – تقرير:

 

تُعد مدرسة شمعون الصفا الابتدائية في مدينة الموصل واحدة من أقدم المؤسسات التعليمية التي ارتبط اسمها بتاريخ التعليم في المدينة، إذ يعود تأسيسها إلى عام 1855، عندما بادر القس الموصلي جرجس خياط إلى تأسيسها برعاية البطريرك الكلداني مار يوسف أودو، لتتحول المدرسة على مدى العقود التالية إلى مؤسسة تربوية بارزة خرّجت أجيالاً من أبناء الموصل ومناطقها.

ولا تقتصر أهمية المدرسة على قدم تأسيسها، بل ترتبط أيضاً بتاريخ التعليم المسيحي والكلداني في الموصل، وبالحياة الثقافية والاجتماعية للمدينة، بعدما أصبحت عبر تاريخها جزءاً من ذاكرة أحياء الموصل القديمة، ومكاناً للتعليم وإقامة الاحتفالات والنشاطات الثقافية والمسرحية.

 

البداية عام 1855

تشير الدراسات والوثائق التاريخية إلى أن مدرسة شمعون الصفا تأسست سنة 1855 على يد القس جرجس خياط، الذي عاد إلى الموصل من روما عام 1853 حاملاً تحصيلاً علمياً وثقافة أكاديمية، وذلك في عهد البطريرك الكلداني مار يوسف أودو.

وبحسب الباحث والمؤرخ الموصلي بهنام سليم حبابة، الذي نشر دراسة عن تاريخ المدرسة في مجلة «بين النهرين» عام 1976، بدأت المدرسة نشاطها في غرف مجاورة لكنيسة شمعون الصفا، وحملت اسمها من اسم الكنيسة. كما توثق البوابة العراقية للمعرفة وجود دراسة مستقلة بعنوان «مدرسة شمعون الصفا في التاريخ» ألّفها حبابة ونشرت في الموصل عام 1976.

وتشير المصادر التاريخية إلى أن المدرسة مرت خلال العقود الأولى من وجودها بمراحل من الانتقال والتوقف بسبب الظروف السياسية والاقتصادية والأمنية التي شهدتها الموصل، قبل أن تستقر في مبنى خاص بها.

 

من كنيسة شمعون الصفا إلى المبنى الحالي

بدأت المدرسة في غرف بيعة شمعون الصفا، ثم انتقلت إلى مبنى قريب عُرف باسم «بيت المطبعة»، قبل أن تنتقل لاحقاً إلى بيت أنطوان الصراف بالقرب من منطقة الساعة.

أما المبنى الذي ارتبط باسم المدرسة لعقود طويلة، فقد أُنشئ في منطقة الرابعية – الساعة، بعد أن اشترت الكنيسة أرضاً كانت تعرف باسم «حوش الجمال»، وانتقل التلاميذ إلى المبنى الجديد عام 1927.

وتشير المصادر إلى أن موقع المدرسة أصبح لاحقاً من الأماكن المهمة للنشاطات المدرسية والثقافية في المدينة، إذ احتضن حفلات ومسرحيات ومناسبات عامة، الأمر الذي منح المدرسة حضوراً يتجاوز حدود العملية التعليمية التقليدية.

 

مدرسة ارتبطت بالحياة الثقافية للموصل

لم تكن شمعون الصفا مجرد مدرسة لتعليم القراءة والكتابة والمواد الدراسية، بل لعبت، وفق المصادر التاريخية، دوراً في الحياة الثقافية والاجتماعية للمدينة.

فقد شهدت المدرسة إقامة عروض مسرحية، من بينها مسرحية «عاقبة الغدر والخيانة» عام 1930، كما احتضنت أعمالاً مسرحية أخرى، منها «الأمير الحمداني» عام 1937، إلى جانب عروض مرتبطة بقصص وشخصيات تاريخية ودينية.

كما شهد مبنى المدرسة عام 1947 إقامة حفل تأبيني للبطريرك مار عمانوئيل الثاني، وهو ما يعكس المكانة التي اكتسبها المبنى كموقع للاجتماعات والفعاليات العامة في الموصل.

 

تحولت إلى مدرسة رسمية مع احتفاظها بخصوصيتها

بعد تأسيس الدولة العراقية الحديثة، أصبحت المدرسة مؤسسة رسمية ترتبط بمديرية المعارف، مع احتفاظها بخصوصية طائفية تمثلت، بحسب المصادر التاريخية، في تدريس الدين المسيحي والالتزام بالعطل الرسمية المرتبطة بالأعياد المسيحية.

ومع توسع المدرسة أضيف طابق ثانٍ إلى مبناها، لتصبح أكثر قدرة على استيعاب التلاميذ والصفوف الدراسية. وتذكر رواية المؤرخ بهنام سليم حبابة أن عدد تلاميذ المدرسة بلغ خلال فترة إدارته نحو 520 تلميذاً موزعين على 12 شعبة، كما كان للمدرسة دوامان صباحي ومسائي في مراحل لاحقة.

وتكشف سجلات المدرسة، وفق المصادر التي تناولت تاريخها، عن أعداد كبيرة من التلاميذ الذين مروا على صفوفها. وتذكر إحدى الدراسات أن سجل القيد العام كان قد ضم منذ عام 1926 أسماء نحو 4760 تلميذاً.

 

معلمون ومديرون تركوا بصمتهم

تعاقب على إدارة شمعون الصفا عدد من رجال التعليم المعروفين في الموصل، ومن أبرز الأسماء التي تذكرها المصادر القس جبرائيل نعمو والقس سليمان صائغ.

كما يورد أرشيف المدرسة أسماء عدد من المديرين الذين تولوا إدارتها منذ انتقالها إلى مبناها الحالي، من بينهم شكري عبد الأحد خضر بين عامي 1927 و1941، وسعيد ججاوي بين 1941 و1959، وإسحق حنا عيسكو بين 1959 و1965/1966، ثم بهنام سليم حبابة الذي تولى إدارتها حتى عام 1972، قبل أن يتعاقب عليها مديرون آخرون في العقود التالية.

كما ارتبط بالمدرسة عدد من المعلمين الذين درّسوا مواد مختلفة، ومن بينهم رجال دين ومدرسون متخصصون في اللغة العربية والكلدانية والدين المسيحي وغيرها من المواد.

 

خريجون أصبحوا شخصيات بارزة

تظهر أهمية المدرسة أيضاً في أسماء عدد من الشخصيات التي تلقت تعليمها فيها.

وتذكر المصادر أن من بين أبرز خريجيها البطريرك الكلداني مار لويس روفائيل الأول ساكو، الذي أمضى أربع سنوات في المدرسة قبل انتقاله إلى مدرسة أخرى في الموصل.

كما ارتبطت المدرسة تاريخياً بعدد من رجال الدين والشخصيات الأكاديمية والمهنية. وتذكر المصادر أن خريجيها أصبحوا في مراحل لاحقة أطباء ومهندسين ومحامين ومدرسين ورجال دين وإعلاميين وموظفين وشخصيات في مجالات مختلفة.

ويقدم المؤرخ بهنام حبابة المدرسة باعتبارها مؤسسة أسهمت في تخريج أجيال متعددة من أبناء الموصل، وهو ما يفسر استمرار حضور اسمها في الذاكرة التعليمية للمدينة حتى بعد مرور عقود طويلة على تأسيسها.

 

مدرسة استقبلت مسيحيين ومسلمين

ومن الجوانب اللافتة في تاريخ شمعون الصفا أن المصادر لا تقدمها باعتبارها مؤسسة اقتصر تلاميذها على المسيحيين فقط.

فبحسب رواية المؤرخ بهنام حبابة، استقبلت المدرسة في القرن الماضي أيضاً عدداً من أبناء العائلات المسلمة في المنطقة، إلى جانب التلاميذ المسيحيين، وهو ما يعكس جانباً من طبيعة الحياة التعليمية والاجتماعية في الموصل خلال فترات مختلفة من تاريخها.

وبذلك تحولت المدرسة، في جزء من تاريخها، إلى مساحة تعليمية جمعت أبناء أحياء الموصل ومناطقها المحيطة، رغم ارتباطها التاريخي بالمؤسسات الكلدانية.

 

اسم المدرسة مرّ بمرحلة من التغيير

شهد اسم شمعون الصفا أيضاً مرحلة من التغيير خلال تاريخها الحديث.

فوفق المصادر التاريخية، أُصرّ خلال ستينيات القرن الماضي على تغيير اسم المدرسة، كما جرى تغيير اسم مدرسة مار توما في الموصل، واقترح في حينه اسم «مدرسة بابل» بديلاً عن شمعون الصفا.

لكن بعد عام 2003 عاد الاسم التاريخي للمدرسة، واستعادت المؤسسة اسم «شمعون الصفا» الذي لا يزال مرتبطاً بها.

 

المدرسة في الموصل المعاصرة

ولا يقتصر حضور المدرسة على المصادر التاريخية. فهناك ما يشير إلى استمرار نشاط مدرسة شمعون الصفا الابتدائية في السنوات الأخيرة.

وتظهر منشورات مرتبطة بالمدرسة للعام الدراسي 2024-2025 إعلانات عن تسجيل التلاميذ الجدد في الصف الأول، إلى جانب جداول الامتحانات وإعلانات متعلقة بالعام الدراسي، ما يشير إلى استمرار عملها كمؤسسة تعليمية ابتدائية.

كما توجد مادة مصورة من عام 2018 تتحدث عن افتتاح مدرسة شمعون الصفا في المنطقة القديمة من الجانب الأيمن للموصل بعد إعادة إعمارها وتأهيلها، وهو ما يمثل مرحلة مهمة في عودة المؤسسة التعليمية إلى العمل بعد الأضرار التي لحقت بالبنية التعليمية في المدينة.

 

شمعون الصفا.. ذاكرة تعليمية موصلية

بعد أكثر من 170 عاماً على تأسيسها، تبدو مدرسة شمعون الصفا جزءاً من طبقات متعددة من تاريخ الموصل: فهي في الوقت نفسه مؤسسة تعليمية، وشاهد على تاريخ التعليم المسيحي والكلداني، ومكان ارتبط بالأنشطة الثقافية والمسرحية، وذاكرة لأجيال من التلاميذ والمعلمين.

ويمنح استمرار المدرسة ونشاطها التعليمي في الموصل المعاصرة اسمها التاريخي بعداً إضافياً، إذ لم تعد شمعون الصفا مجرد عنوان في سجلات التعليم القديمة، بل مؤسسة تحمل إرثاً تعليمياً يعود إلى منتصف القرن التاسع عشر، وتواصل حضورها في مدينة شهدت خلال تلك الفترة تحولات سياسية واجتماعية وثقافية عميقة.

 

تنبيه حول التسمية

من المهم التفريق بين مدرسة شمعون الصفا الابتدائية ومعهد شمعون الصفا الكهنوتي. فالمعهد الكهنوتي مؤسسة مختلفة، تعود جذورها أيضاً إلى القرن التاسع عشر، وارتبط بتكوين الكهنة في الكنيسة الكلدانية. وتشير المصادر إلى تأسيسه في سياق محاولات البطريرك مار يوسف أودو إنشاء مؤسسة كهنوتية، ثم تطور لاحقاً وانتقل من الموصل إلى بغداد، قبل انتقاله إلى عنكاوا في أربيل في القرن الحادي والعشرين.