قناة عشتار الفضائية
 

وسط الأزمات والهجرة… جامعة الروح القدس في الكسليك تحمي التراث المسيحيّ

 

عشتار تيفي كوم - آسي مينا/

بقلم : رومي الهبر

لا تُهدّد أزماتُ لبنان اقتصادَه ومؤسّساته فحسب، بل ذاكرته وهويّته أيضًا. ومع ازدياد الهجرة، وما تحمله من خطر على بقاء الجماعات المسيحيّة في وطنها ونقل إيمانها وتقاليدها إلى الأجيال المقبلة، أخذت جامعة الروح القدس في الكسليك بلبنان على عاتقها صون التراث المسيحيّ وحمايته.

لا تقتصر مهمّة الجامعة على حفظ الوثائق التاريخيّة، فهي تسعى أيضًا إلى إبقاء شهادة شعب متجذّر في هذه الأرض منذ نحو ألفَي عام حيّةً وفاعلةً في لبنان والكنيسة الجامعة.

رسالةٌ متجذّرة

قال رئيس الجامعة الأب جوزف مكرزل، في حديث لـ«آسي مينا»، إنّ الحفاظ على التراث المسيحيّ ليس مجرّد رسالة من رسالات الجامعة، بل هو في صميم هويّتها.

 

وتُعَدّ الجامعة أوّل جامعةٍ في لبنان أسَّسها لبنانيّون. وقد أنشأتها الرهبانية اللبنانية المارونية سنة 1950، لتُواصل الدور الذي اضطلعت به الأديرة المارونية على مدى قرون في حراسة الإيمان والمعرفة والثقافة. وعلى مرّ الأجيال، حافظت هذه الأديرة على المخطوطات والتقاليد الليتورجيّة والإرث الفكريّ للمسيحيّة في الشرق الأوسط، بما في ذلك في خلال بعض أصعب المراحل من تاريخ لبنان.

واليوم، تُواصل الجامعة هذه الرسالة من خلال الرقمنة والبحث والتعليم. وتضمُّ مكتبتها وأرشيفها آلاف المخطوطات والكتب النادرة والخرائط والصور والصحف وغيرها من المجموعات التي توثّق التاريخ الدينيّ والثقافيّ والفكريّ للبنان والمنطقة. ويبلغ عدد المخطوطات المكتوبة بالسريانيّة والعربيّة واليونانيّة واللاتينيّة نحو ألفَي مخطوطة، يعكس كثيرٌ منها الإرث الروحيّ واللاهوتيّ للكنيسة المارونيّة وغيرها من التقاليد المسيحيّة الشرقيّة. وفي محطة مفصليّة، سنة 2002، ائتمنت الرهبانيّة اللبنانيّة المارونيّة الجامعةَ على مخطوطات جُمعت من نحو 30 مكتبة رهبانيّة.

وشدّد مكرزل على أنّ عمل الجامعة يتجاوز المخطوطات؛ إذ يُعنى مركز الحفظ والترميم فيها بالأيقونات واللوحات والمنسوجات والقِطَع الأثريّة، فيما يحفظ متحف الجامعة مجموعات تروي مسيرة لبنان الروحيّة والثقافيّة. كذلك، يضمّ مركز فينيكس للدراسات اللبنانيّة أرشيفات سياسيّة وكنسيّة وفنّية وموسيقيّة وقانونيّة وتاريخيّة، تسلّط الضوء على تطوّر لبنان وجماعاته المسيحيّة.

وتُعِدّ الجامعة أيضًا باحثين ومرمّمين وأمناء أرشيف ولاهوتيّين ومتخصّصين في التراث، انطلاقًا من قناعة بأنّ التراث لا يبقى حيًّا ما لم ينتقل إلى جيل جديد. وتتعاون في هذا المجال مع الأديرة والأبرشيّات والرهبانيّات والمؤسّسات البطريركيّة وشركاء دوليّين لحفظ هذه المجموعات والتعريف بها.

ويرى مكرزل أنّ صون هذا التراث هو «فعل إيمان ورجاء»، في ظلّ ما تواجهه الجماعات المسيحيّة في الشرق الأوسط من نزوح وعدم يقين.

تحدّياتٌ متفاقمة

وأضاف مكرزل أنّ عدم الاستقرار الماليّ سبّبَ ضغوطًا كبيرة على المؤسّسات الثقافيّة والتربويّة، فمختبرات الترميم ومشروعات الرقمنة وحفظ الأرشيف والبنية التحتيّة المتخصّصة اللازمة لحماية المجموعات الهشّة، تتطلّب كلّها استثمارات مستدامة وطويلة الأمد.

لكنّ التحدّي الأكبر، حسب مكرزل، قد يكون بشريًّا لا مادّيًّا. ففي ظلّ تقلّص الجماعات المسيحيّة في أنحاء الشرق الأوسط، ومغادرة عائلات كثيرة بحثًا عن الأمان والفرص، بات استمرار الذاكرة والتقاليد مهدّدًا أيضًا.

 

ولفت إلى أنّ جزءًا كبيرًا من التراث المسيحيّ في الشرق الأوسط لا يزال غير معروف بما يكفي خارج المنطقة. لذلك، فإنّ نشره من خلال البحث الأكاديميّ والرقمنة ليس مسؤوليّة لبنانيّة فحسب، بل رسالة كنسيّة تستدعي تضامنًا دوليًّا.

جيلٌ جديد

وفي حديثه عن دور الشباب، شدّد مكرزل على أنّ التراث المسيحيّ ليس حبيس المتاحف والأرشيفات، بل إرث حيّ يتجسّد في الإيمان والليتورجيا واللغة والتقاليد. لذلك، تُشجّع الجامعة طلّابها على اكتشافه من خلال البحث والترميم والزيارات الميدانيّة، وعلى تعريف جمهور أوسع به عبر الأفلام الوثائقية والسّرد الرقميّ ومنصّات التواصل الاجتماعيّ.

ومن خلال مبادرات مثل برنامج «أجيال» للتربية على التراث اللبنانيّ، تربط الجامعة الشباب في لبنان وبلاد الانتشار بجذورهم الثقافيّة. وشدّد مكرزل على أنّ الشباب المسيحيّين ليسوا مجرّد ورثة لهذا التاريخ، بل هم من سيكتبون فصوله المقبلة، ويتحمّلون مسؤوليّة إغنائه ونقله. وسواء بقوا في لبنان أم بنوا حياتهم في الخارج، يُمكنهم أن يكونوا مؤتمنين على الذاكرة وسفراء لتراث يعود إلى لبنان والكنيسة الجامعة.

وعندما سُئل عن أهمّية الحفاظ على التراث المسيحيّ في بلد يُواجه أزمات عميقة، أجاب مكرزل أنّ تعافي لبنان لا يُقاس بإصلاح اقتصاده ومؤسّساته فحسب، بل إنّ إعادة بناء البلاد تتطلّب أيضًا حماية القيَم والتاريخ والإيمان.