عشتارتيفي كوم/
بغداد- كشفت دراسة علمية حديثة، نشرتها جامعة كلية لندن عبر مستودعها الرقمي المعتمد (UCL Discovery)، عن معطيات تاريخية وجيولوجية غير مسبوقة تقلب الموازين حول العمارة الطقسية في حضارة بلاد الرافدين، وذلك بعد العثور على طبقة رملية اصطناعية غامضة وُضعت عمدًا أسفل أساسات معبد الآلهة "عشتار" الشهير في مدينة آشور الأثرية (محافظة صلاح الدين الحالية).
ووفقًا للتقرير البحثي المعنون "The sand deposit underneath the Ishtar Temple in Assur, Iraq" والمنشور في المجلة الأكاديمية العالمية المختصة (Journal of Archaeological Science: Reports)، فإن هذا الاكتشاف يُمثل الدليل المادي الأول على انتقال التقاليد الهندسية والدينية من جنوب العراق القديم (سومر وبابل) إلى شماله (آشور) خلال العصر البرونزي المبكر.
طقوس هندسية عابرة للجغرافيا
وأوضح الفريق البحثي، بقيادة البروفيسور مارك الطويل والباحثين أندريا سكويتيري وكارين رادنر في متن دراستهم المنشورة عبر (UCL Discovery)، أن استخدام فَرشات الرمال النقية أسفل المعابد الصرحية كان تقليدًا بابلّيًا وسومريًّا خالصًا يُراد به التطهير الديني وحماية المنشآت من الرطوبة والاهتزازات.
إلا أن الفحوصات الجيولوجية الدقيقة التي أوردتها (Journal of Archaeological Science) أثبتت أن الأشوريين القدماء لم يستوردوا هذه الرمال من الجنوب، بل قاموا بتأمينها محليًا من رواسب نهر الزاب الأسفل المنحدرة من جبال زاغروس (وتحديدًا من تكوين إنجانة الجيولوجي)، مما يعكس محاكاة ذكية للثقافة الجنوبية باستخدام موارد الشمال المتاحة.
حسم تاريخي بالكربون المشع
وفي تطور حسم جدلاً تاريخيًا طويلًا، ذكر الباحثون في وثيقة البحث المتاحة على (UCL Discovery) أنهم أخضعوا المواد العضوية المستخرجة من الأرضية القائمة فوق الرمال مباشرة لتحليل الكربون المشع الدقيق (Radiocarbon dating).
وجاءت النتائج المخبرية المسجلة في متن الدراسة لتؤكد باحتمالية علمية بلغت 95.4% أن تأسيس هذا المعبد يعود إلى الفترة ما بين 2896 و 2702 قبل الميلاد، وهو ما يثبت أصالة وعمق عبادة الآلهة عشتار في آشور منذ مطلع الألف الثالث قبل الميلاد.
وتكمن الأهمية الكبرى لهذا البحث، بحسب ما وثقته (Journal of Archaeological Science: Reports)، في كونه أول دراسة علمية منهجية تحلل الخصائص المعدنية للرمال في سياق أثري داخل العراق، مما يمنح علماء الآثار مستقبلاً أداة معيارية جديدة لفهم طرق البناء وحركة التجارة والتبادل الثقافي بين ممالك بلاد النهرين القديمة. |