قناة عشتار الفضائية
 

الشرق الأوسط المسيحي يتراجع.. هل تختفي المسيحية من الأرض التي وُلدَت فيها؟

 

عشتارتيفي كوم/

 

الشرق الأوسط – حذّر تقرير جديد نشرته منظمة International Christian Concern (ICC) من التراجع المتواصل في أعداد المسيحيين في الشرق الأوسط، متسائلاً عمّا إذا كانت بعض أقدم الجماعات المسيحية في العالم ستتمكن من الحفاظ على وجودها في المنطقة التي شهدت ولادة المسيحية وانتشارها الأول.

ونشر التقرير، الذي أعدته زميلة ICC ليزا نافاريتي في 30 أيلول/سبتمبر 2026، ضمن سلسلة بعنوان «الشرق الأوسط المسيحي المتلاشي»، ويركز في جزئه الأول على الأسباب الديموغرافية والاقتصادية والأمنية التي تدفع المسيحيين إلى الهجرة من المنطقة.

 

كنائس باقية ومجتمعات تتقلص

يبدأ التقرير بمشهد من كنيسة قديمة في الشرق الأوسط، حيث لا تزال أجراس الكنائس تدق وتستمر الصلوات بالعربية والسريانية، وهي لغة مرتبطة بالآرامية التي كانت مستخدمة في زمن المسيح.

لكن التقرير يلفت إلى مفارقة متزايدة: الكنائس لا تزال قائمة، بينما تتقلص المجتمعات المحيطة بها.

فالمقاعد التي كانت تستوعب أجيالاً متعاقبة من العائلات أصبحت أكثر فراغاً، فيما غادر كثير من الشباب إلى أوروبا وأستراليا وكندا والولايات المتحدة، بينما بقي كبار السن في منازل عاشت فيها عائلاتهم لأجيال.

ويرى التقرير أن هذا النوع من التراجع لا يحدث دائماً من خلال هجوم مسلح أو حرق كنيسة أو مجزرة جماعية، بل قد يحدث بصورة تدريجية، عندما تغادر عائلة واحدة ثم أخرى، إلى أن تبدأ الجماعة المسيحية التي صمدت أمام الحروب والإمبراطوريات والغزوات على مدى قرون في الاختفاء تدريجياً.

 

الشرق الأوسط.. مهد المسيحية

يشير التقرير إلى أن النظرة المعاصرة إلى الشرق الأوسط باعتباره منطقة تضم أقلية مسيحية صغيرة تختلف جذرياً عن الواقع التاريخي.

فبين القرنين الرابع والسابع الميلاديين، كانت المسيحية منتشرة على نطاق واسع في أجزاء كبيرة من الشرق الأوسط، قبل صعود الإسلام. كما نشأت جماعات مسيحية مبكرة في القدس وأنطاكية ودمشق والإسكندرية وبلاد الرافدين وآسيا الصغرى.

ويشير التقرير إلى أن بعض أقدم الجماعات المسيحية في العالم نشأت في هذه المنطقة، وأن بعض المسيحيين في الشرق الأوسط لا يزالون يتحدثون لغات تنحدر من اللغات التي استخدمها المسيحيون الأوائل. كما أن كنائس عدة في المنطقة تعود بجذورها التاريخية إلى القرون الأولى للمسيحية.

ومن هنا، بحسب التقرير، لم يعد السؤال يقتصر على تعرض المسيحيين للتمييز أو الاضطهاد في دول معينة، بل أصبح يتعلق أيضاً بما إذا كانت بعض أقدم الجماعات المسيحية ستبقى كبيرة بما يكفي للاستمرار.

 

الهجرة تستنزف الوجود المسيحي

ينقل التقرير عن بطريرك الموارنة الكاردينال بشارة الراعي تحذيراً صدر عام 2025 من استمرار الهجرة في تقليص أعداد المسيحيين في الشرق الأوسط، مع تأكيده أن وجود المسيحيين يشكل جزءاً من التعددية والتنوع في المنطقة.

لكن التقرير يرى أن الأمن ليس العامل الوحيد وراء الهجرة، فالمجتمعات لا تستطيع الاستمرار اعتماداً على التاريخ وحده.

وتحتاج العائلات إلى فرص عمل، ومساكن، ومدارس، ومستشفيات، وبنية تحتية فاعلة، وشعور بأن أبناءها يمتلكون مستقبلاً في بلدانهم.

وبحسب التقرير، حذرت منظمات خلال عام 2025 من أن البطالة المرتفعة وتراجع فرص العمل يدفعان مزيداً من المسيحيين إلى الهجرة، فيما بدأت المؤسسات الكنسية تولي اهتماماً متزايداً بمشاريع التوظيف والتنمية المحلية إلى جانب إعادة بناء الكنائس.

ويشير التقرير إلى أن إعادة بناء كنيسة مدمرة لا تعني بالضرورة إعادة بناء المجتمع، إذا كانت المنازل المحيطة بها خالية من السكان، أو إذا لم يعد هناك أطفال ليلتحقوا بالمدارس المسيحية.

 

الاضطهاد لا يقتصر على العنف

يشدد التقرير على أن تراجع المسيحية في الشرق الأوسط لا يمكن تفسيره فقط من خلال إحصاءات الهجمات على الكنائس أو الاعتداءات على المسيحيين.

فالعوامل التي تدفع إلى الهجرة تشمل، بحسب التقرير، عدم الاستقرار الاقتصادي، والإقصاء السياسي، والتمييز، وتدمير الممتلكات، وانخفاض معدلات الولادة، وانفصال أفراد العائلات، إضافة إلى الذاكرة النفسية للأحداث العنيفة السابقة.

وبذلك، فإن عملية التراجع السكاني قد تستمر حتى عندما لا تكون هناك هجمات مسلحة يومية.

 

ماذا يخسر الشرق الأوسط برحيل المسيحيين؟

يؤكد التقرير أن اختفاء المجتمعات المسيحية لن يكون خسارة للمسيحيين وحدهم، بل سيؤثر أيضاً في هوية الشرق الأوسط نفسه.

فالمسيحيون، وفق التقرير، شاركوا على مدى قرون في مجالات التعليم والطب والتجارة والأدب والصحافة والسياسة والحرف وبناء المجتمعات.

كما يؤكد التقرير أن الكنائس والأديرة المسيحية ليست مؤسسات دخيلة على المنطقة، بل جزء من تاريخ الشرق الأوسط وثقافته.

ويحذر من أن رحيل المسيحيين يمكن أن يقلل من مساحات التعايش الديني اليومي؛ مثل الجيران الذين يحتفلون بأعياد مختلفة، والمسلم الذي يعمل إلى جانب المسيحي، والعائلات التي تتبادل التهاني في المناسبات الدينية.

ويرى التقرير أن اختفاء هذه العلاقات اليومية قد يجعل إعادة بناء التعددية الدينية أكثر صعوبة.

 

خطر تحول الكنائس إلى آثار

ومن أبرز التحذيرات التي يطرحها التقرير أن الشرق الأوسط قد يحتفظ في المستقبل بالكنائس والأديرة والآثار المسيحية، لكنه يفقد المجتمعات الحية التي أعطت تلك الأماكن معناها.

وقد تبقى قرية مسيحية محتفظة باسمها التاريخي بعد رحيل سكانها، بينما تتحول الكنيسة إلى موقع أثري أو يصبح الدير وجهة سياحية.

وبذلك، قد يبقى التاريخ، لكن الأشخاص الذين صنعوا هذا التاريخ ويواصلونه قد لا يبقون.

 

العراق.. المثال الأكثر وضوحاً

يؤكد التقرير أن بعض المسيحيين لا يزالون مصممين على البقاء، وأن عائلات تواصل إعادة بناء منازلها، فيما تستمر الكنائس في إدارة المدارس والمستشفيات والمؤسسات الخيرية والبرامج الإنسانية، ويواصل رجال الدين خدمة مجتمعات تراجعت أعدادها بشكل كبير.

لكن التقرير يحذر من الخلط بين القدرة على الصمود وضمان الاستمرار.

ويشير إلى أن المسيحية بقيت في الشرق الأوسط قرابة ألفي عام لأن أجيالاً متعاقبة من المسيحيين واصلت العيش هناك، بينما يكمن الخطر الحالي، وفق التقرير، في ألا تختفي المسيحية بصورة مفاجئة، وإنما «عائلة بعد عائلة» مع استمرار الهجرة.

ويختتم الجزء الأول من السلسلة بالإشارة إلى العراق باعتباره نموذجاً واضحاً لهذه الأزمة، معلناً أن الجزء الثاني سيتناول العراق وسهل نينوى، حيث صمد الوجود المسيحي قرابة ألفي عام قبل أن يخسر جزءاً كبيراً من سكانه خلال جيل واحد.