قناة عشتار الفضائية
 

حريق دمّر نينوى وأنقذ ذاكرة آشور.. كيف حفظت مكتبة آشوربانيبال آلاف النصوص للأجيال؟

 

عشتار تيفي كوم/

نينوى – العراق: قبل أكثر من 2600 عام، اجتاح حريق هائل مدينة نينوى، عاصمة الإمبراطورية الآشورية، بعد سقوطها أمام تحالف من البابليين والميديين عام 612 قبل الميلاد. وبينما أسهمت النيران في تدمير المدينة وقصورها، تحولت النار بصورة غير متوقعة إلى عامل ساعد على حفظ جزء بالغ الأهمية من ذاكرة الحضارة الآشورية: مكتبة الملك آشوربانيبال.

وتشير مادة نشرها موقع SyriacPress في 21 حزيران/يونيو 2026 إلى أن آلاف الألواح الطينية التي كانت محفوظة في مكتبة آشوربانيبال بقيت بعد سقوط نينوى، بينما اختفت مواد أكثر هشاشة كانت تُكتب على وسائط أخرى. وقد ساعدت الحرارة الناتجة عن الحريق في زيادة صلابة العديد من الألواح الطينية، ما جعلها قادرة على الصمود لآلاف السنين.

مكتبة ملكية جمعت علوم العالم القديم

تعود المكتبة إلى عهد الملك الآشوري آشوربانيبال، الذي حكم الإمبراطورية الآشورية في القرن السابع قبل الميلاد، وكان معروفاً باهتمامه بالقراءة والكتابة وجمع النصوص.

وبحسب المتحف البريطاني، عُثر في أطلال نينوى على أكثر من 30 ألف لوح وقطعة طينية مسمارية مرتبطة بمجموعات المكتبة الملكية، فيما شملت النصوص مجالات واسعة من المعرفة، بينها الأدب والطب والفلك والدين والقانون والمراسلات والإدارة.

وتوضح بيانات مشروع مكتبة آشوربانيبال التابع للمتحف البريطاني أن الباحثين لا يزالون يعملون على تحديد حجم المكتبة الأصلية، ومصدر النصوص، وكيفية تنظيمها والوظائف التي كانت تؤديها داخل المؤسسة الملكية. كما كشفت الدراسات الحديثة أن المجموعة لم تكن مجرد مخزن عشوائي للألواح، بل كانت منظمة وفق نظام معقد تديره طبقة من الكتبة والعلماء.

«ملحمة جلجامش» بين أشهر كنوز المكتبة

ومن أبرز ما حفظته مكتبة آشوربانيبال نصوص أدبية وعلمية ودينية مهمة، ومن بينها أجزاء من ملحمة جلجامش، إحدى أقدم الأعمال الأدبية الكبرى المعروفة في تاريخ البشرية.

وتشير موسوعة غينيس للأرقام القياسية إلى أن مكتبة آشوربانيبال، التي جُمعت خلال فترة حكمه بين 668 و631 قبل الميلاد، ضمت نحو 30 ألف لوح طيني، وكانت من أقدم المكتبات المعروفة التي سعت بصورة منهجية إلى جمع وتنظيم النصوص الأدبية والمعرفية.

ولم تقتصر محتويات المكتبة على الأدب؛ فقد ضمت نصوصاً تتعلق بالطب والعرافة والدين واللغة والسحر والطقوس والتاريخ والفلك، الأمر الذي جعلها مصدراً استثنائياً لفهم الحياة الفكرية والعلمية في بلاد الرافدين القديمة.

النار التي ساعدت على بقاء الألواح

وعلى خلاف الكتب الحديثة المصنوعة من الورق، لم تؤد النيران بالضرورة إلى القضاء على الألواح الطينية. ويوضح المتحف البريطاني أن حريق نينوى أدى في كثير من الحالات إلى خبز الألواح الطينية وجعلها أكثر صلابة، وهو ما ساعد على بقائها حتى العصر الحديث.

وهكذا أصبحت الكارثة التي أنهت الإمبراطورية الآشورية جزئياً سبباً في حفظ سجلها المكتوب؛ فالنار التي التهمت القصور والمباني ساعدت، بصورة غير مقصودة، في تثبيت آلاف النصوص التي كان يمكن أن تضيع لولا ذلك.

المكتبة لا تزال موضوعاً للبحث العلمي

ورغم مرور أكثر من قرنين ونصف على سقوط نينوى، لا تزال مكتبة آشوربانيبال موضوعاً لأبحاث أثرية ولغوية متواصلة.

ويؤكد المتحف البريطاني أن مشروعاً بحثياً متخصصاً درس المكتبة بصورة شاملة، بما في ذلك الألواح التي تحمل علامات ملكية أو ما يعرف بـالكولوفون، بهدف تحديد النصوص التي كانت جزءاً من مكتبة آشوربانيبال وفهم كيفية وصولها إلى نينوى وتنظيمها.

كما تشير المصادر الأكاديمية إلى أن نحو 31 ألف لوح وقطعة عُثر عليها في منطقة كويونجق في نينوى، حيث كانت تقع القصور والمعابد الرئيسية، وأن مكتبات آشوربانيبال ضمت نصوصاً من مناطق مختلفة من بلاد الرافدين.

ذاكرة آشورية ما زالت حية في نينوى

ولا تقتصر أهمية المكتبة على كونها مجموعة أثرية قديمة؛ فهي واحدة من أهم المصادر التي أعادت بناء صورة الحضارة الآشورية في الدراسات الحديثة.

وبفضل هذه الألواح، تمكن الباحثون من دراسة جوانب واسعة من الإدارة والدين والعلوم والأدب واللغة والمجتمع في الإمبراطورية الآشورية، بينما لا تزال مواقع نينوى تخفي مواد أثرية أخرى يمكن أن تضيف إلى معرفة الباحثين بتاريخ المدينة.

وفي هذا السياق، شهدت نينوى خلال عام 2026 اكتشافات آشورية جديدة، من بينها نصب رخامي يعود إلى عهد آشوربانيبال اكتشفته بعثة عراقية-أميركية في موقع بوابة شمش، ويحمل نقوشاً مسمارية ونقوشاً بارزة مرتبطة بمشاريع البناء التي نفذها الملك في نينوى.

وهكذا، بعد أكثر من 2600 عام على سقوط نينوى، لا تزال المدينة تكشف عن طبقات جديدة من تاريخ الإمبراطورية الآشورية، فيما تواصل مكتبة آشوربانيبال أداء دورها بوصفها واحدة من أهم المصادر المكتوبة التي حفظت جانباً كبيراً من ذاكرة بلاد الرافدين.