عشتارتيفي كوم/
من سومر وبابل إلى آشور ونينوى، لم يكن المرض في بلاد الرافدين مجرد ظاهرة غامضة، بل أصبح موضوعاً للملاحظة والتشخيص وتسجيل الأعراض ووصف العلاجات، في تقليد طبي امتد لقرون طويلة قبل ظهور الطب اليوناني الكلاسيكي.
ألواح الطين.. ذاكرة الطب العراقي القديم
عندما نتحدث عن تاريخ الطب، غالباً ما تتجه الأنظار إلى اليونان القديمة، وإلى أسماء مثل أبقراط. لكن الأدلة المسمارية القادمة من بلاد الرافدين تكشف عن تقليد طبي أقدم بكثير، جرى فيه تسجيل الأمراض والأعراض والمواد العلاجية على ألواح من الطين.
ويشير مشروع الطب في نينوى التابع للمتحف البريطاني، بالتعاون مع جامعة بنسلفانيا، إلى أن النصوص الطبية المسمارية تشكل المصدر الأساسي لمعرفة كيفية ممارسة الطب في بلاد الرافدين. وتشمل هذه النصوص وصفات علاجية، وقوائم للنباتات والمعادن، ونصوصاً تشخيصية، إضافة إلى تعاويذ وطقوس مرتبطة بالعلاج.
وكان الطبيب أو المعالج يدوّن العلامات التي يلاحظها على المريض، ثم يربط بينها وبين مسار محتمل للمرض والعلاج المناسب. وتُظهر الدراسات الحديثة أن هذا التقليد لم يكن مجموعة وصفات عشوائية، بل تطور تدريجياً إلى نظام معرفي واسع ومنظم.
من ملاحظة الأعراض إلى التشخيص
من أبرز ما يلفت الانتباه في الطب الرافديني القديم الاهتمام الكبير بالأعراض والعلامات الجسدية.
فالنصوص التشخيصية لم تكن تكتفي بذكر اسم مرض، بل كانت تسجل ما يراه المعالج أو يسمعه من المريض، ثم تقدم تفسيرات واحتمالات حول طبيعة الحالة ومسارها.
وتشير الدراسات المتخصصة إلى أن ما يعرف بـ «دليل التشخيص والتنبؤ» بدأ يتبلور في أواخر الألف الثاني قبل الميلاد، وكان يضع إطاراً منظماً لكيفية انتقال المعالج من ملاحظة العلامات الجسدية إلى الحكم التشخيصي والتنبؤ بمآل المرض.
وهنا تكمن أهمية النصوص الرافدينية: فهي لا تخبرنا فقط بأن سكان بلاد الرافدين كانوا يعالجون المرضى، وإنما تقدم لنا لمحات عن طريقة تفكير المعالج نفسه.
نباتات وزيوت ومواد من الطبيعة
اعتمد جانب كبير من العلاج على المواد المتوفرة في البيئة، ولا سيما النباتات.
ويذكر المتحف البريطاني أن الطب في بلاد الرافدين استخدم علاجات نباتية بصورة واسعة، إذ كانت النباتات تُستخدم منفردة أو في خلطات، وتُطبق على الجسم على هيئة ضمادات ومراهم، أو تؤخذ داخلياً على شكل مستحضرات علاجية.
كما تكشف النصوص عن وجود قوائم متخصصة للنباتات والمعادن والمواد الأخرى، مع معلومات تتعلق بمظهرها واستخداماتها الطبية. ويؤكد مشروع نينوى الطبي أن هذه القوائم كانت جزءاً من المعرفة التي بُني عليها النظام الطبي الرافديني.
وهذا يعني أن المعالج في بلاد الرافدين لم يكن يعتمد على مادة واحدة، بل كان يمتلك معرفة متراكمة بالمواد التي يمكن استخدامها منفردة أو ضمن تركيبات متعددة.
طبيب ومعالج وطقوس علاجية
لم يكن مفهوم «الطبيب» في بلاد الرافدين مطابقاً تماماً للمفهوم الحديث.
فالمصادر تميز بين متخصصين رئيسيين، أحدهما asû، وهو المعالج الذي ارتبط بالعلاج العملي واستخدام الأدوية والمواد الطبية والعناية بالجروح، والآخر āšipu، الذي ارتبط بالتعاويذ والطقوس ومحاولة معالجة ما كان يُعتقد أنه أسباب فوق طبيعية للمرض.
ويشرح المتحف البريطاني أن هذين الاختصاصين كانا جزءاً من منظومة علاجية واحدة، وأن العلاج في بلاد الرافدين لم يفصل بصورة صارمة بين الجانب الجسدي والجانب الديني أو الطقوسي كما يفعل الطب الحديث.
ولا ينبغي إسقاط مفاهيم الطب الحديث على تلك الفترة؛ فالمعالج الرافديني كان يعمل ضمن تصور للعالم يربط المرض أحياناً بقوى خارجة عن الجسد، وفي الوقت نفسه يستخدم مواد وعلاجات عملية للتعامل مع الأعراض.
نينوى.. عندما أصبح الطب موسوعة
بلغ هذا التقليد مرحلة متقدمة في العصر الآشوري، وخصوصاً في القرن السابع قبل الميلاد، عندما جُمعت نصوص طبية واسعة في مكتبة الملك آشوربانيبال في نينوى.
ويصف المتحف البريطاني «موسوعة نينوى الطبية» بأنها واحدة من أكثر مجموعات الأدبيات الطبية تنظيماً ومنهجية التي وصلت إلينا من العالم القديم قبل جالينوس، وقد تشكلت نتيجة قرون من تراكم المعرفة الطبية.
وتتكون الموسوعة من 12 رسالة أو مجموعة رئيسية مرتبة وفق أجزاء الجسم، بدءاً من الرأس وصولاً إلى القدمين. وتضم النصوص آلاف الأسطر التي تتناول الأمراض والأعراض والعلاجات.
واللافت أن العديد من الوصفات تبدأ بوصف تشخيصي للأعراض، ثم تذكر المواد العلاجية وطريقة تحضيرها وكيفية استخدامها، وقد تنتهي بتوقع لمسار المرض أو فرص الشفاء.
آلاف السنين.. وما زالت الألواح تتحدث
عندما تعرضت نينوى للسقوط عام 612 قبل الميلاد، تحطمت أجزاء كبيرة من مكتبة آشوربانيبال، وبقيت النصوص الطبية في صورة آلاف الشظايا والقطع الطينية.
لكن العلماء يعملون منذ عقود على إعادة جمع هذه الأجزاء وربطها ببعضها. ويشير مشروع المتحف البريطاني وجامعة لندن إلى أن الباحثين تمكنوا من إجراء عشرات عمليات الربط بين الشظايا وإعادة بناء أجزاء كبيرة من الموسوعة الطبية، ثم ترجمتها وإتاحتها للباحثين والجمهور.
وهكذا، فإن قصة الطب في بلاد الرافدين لا تبدأ مع كتاب طبي واحد أو طبيب واحد، وإنما مع تراكم طويل للمعرفة والملاحظة والتجربة والتدوين.
فمن ألواح الطين الصغيرة التي حملت وصفاً لمرض أو وصفة علاجية، إلى الموسوعة الطبية الضخمة في نينوى، يظهر أمامنا تاريخ طويل لمحاولة الإنسان الرافديني فهم جسده ومرضه والبحث عن وسيلة للشفاء.
البداية فقط
ما وصل إلينا حتى اليوم لا يمثل سوى جزء من المعرفة الطبية التي كانت موجودة في بلاد الرافدين. فالكثير من الألواح ما زال مجزأً، وبعض النصوص لم تتم دراسة جميع أجزائها بعد.
ولهذا تستمر المشاريع العلمية في إعادة بناء النصوص المسمارية، إذ يمكن لكل جزء جديد من لوح طبي أن يضيف معلومة إلى صورة الطب في العراق القديم.
وفي الجزء المقبل من هذه السلسلة، نقترب أكثر من الشخص الذي مارس هذه المهنة، لنتعرف إلى «الآسو» و«الآشيبو».. طبيبي بلاد الرافدين، وكيف كان كل منهما يتعامل مع المرض والمريض.
|