عشتار تيفي كوم - سيرياك برس/
جمعت مؤسسة الصليب السرياني في بلجيكا ست جوقات تمثّل كنائس وتقاليد موسيقية مختلفة، في حفل أُقيم في بروكسل يوم الأحد، للاحتفاء بتراث الشعب السورويو (السرياني الكلداني الآشوري الآرامي)،
وتسليط الضوء على الجهود الإنسانية الرامية إلى دعم المجتمعات في أنحاء الشرق الأوسط.
تناوبت جوقات الكنائس الكلدانية والسريانية الأرثوذكسية واليونانية الأرثوذكسية والسريانية المارونية والأرمنية على أداء ثلاث تراتيل لكل منها بلغاتها الخاصة.
وأُقيم الحفل في 11 تشرين الأول 2026، في كنيسة مار أداي ومار ماري الكلدانية، بمشاركة رجال دين وعائلات وأطفال وقادة جوقات وممثلين عن المجتمع، في أمسية جمعت الموسيقى والتضامن.
ورحّبت سارة أفرام، ممثلة مؤسسة الصليب السرياني في بلجيكا، بالحضور، واستعرضت أنشطة المنظمة في سوريا والعراق ولبنان وتركيا، مؤكدة التزامها بمساعدة المجتمعات على إعادة بناء حياتها والحفاظ على مستقبلها.
وفي كلمتها الافتتاحية، شكرت أفرام، الأب موسى ياراميس والكنيسة على استضافة اللقاء، كما وجّهت الشكر إلى رجال الدين والجوقات الست المشاركة وقادتها والمتطوعين والعائلات التي حضرت الحفل.
وقالت إن الحفل عكس قوة المجتمعات التي تحافظ على تقاليدها الكنسية ولغاتها وهوياتها الثقافية المتميزة، رغم اشتراكها في تراث واحد.
وأضافت أفرام في كلمتها: “هويتنا المسيحية لا تحدد مَن نساعد، بل تحدد مسؤوليتنا في تقديم المساعدة”.
وأكدت هذه العبارة نهج المنظمة في تقديم المساعدات الإنسانية، الذي يستند إلى روابطها بالمجتمعات المسيحية في الشرق الأوسط، مع تجاوز الانتماء الديني عند تحديد المستفيدين من دعمها.
وألقى مطران السريان الأرثوذكس في بلجيكا ولوكسمبورغ وفرنسا، مار جورج كورية، إحدى الكلمات الرئيسية خلال الأمسية، سلّط فيها الضوء على أهمية الحدث، مؤكداً ضرورة تعزيز الوحدة والأخوة والتضامن بين المسيحيين. كما دعا إلى تقديم مزيد من الدعم للمحتاجين وتجديد الالتزام بالتكافل الاجتماعي.
وفي وقت لاحق من البرنامج، ألقت رئيسة المؤسسة الصليب السرياني، راحيل فيرغيلي، كلمة شكرت فيها جميع من ساهموا في تنظيم الحدث، بمن فيهم قادة الجوقات والمؤدون والمشاركون والداعمون.
جهود إنسانية تتجاوز الإغاثة الطارئة
تندرج مؤسسة الصليب السرياني في بلجيكا ضمن شبكة دولية أوسع تعمل بالتعاون مع المنظمات الشقيقة والشركاء المحليين لمساعدة المجتمعات في أنحاء المنطقة. وتشمل مهام المنظمة في بلجيكا حشد الموارد المالية، وبناء الشراكات، والمساهمة في تسهيل تنفيذ البرامج الإنسانية على الأرض.
واستعرضت أفرام، في حديثها عن أكثر من عقد من النشاط، مبادرات لا تقتصر على تلبية الاحتياجات العاجلة، بل تهدف أيضاً إلى استعادة سبل العيش، ودعم التعافي، ومساعدة العائلات على إعادة بناء مستقبلها.
ساهمت شبكة المؤسسة في إنشاء أكثر من 120 مشروعاً صغيراً وفي العراق، وفقاً لأفرام. وصُممت هذه المبادرات لمساعدة العائلات على استعادة مصادر دخلها بعد عودتها إلى مدنها وبلداتها الأصلية، عقب غزو تنظيم الدولة الإسلامية (تنظيم داعش الإرهابي) والدمار الذي ألحقه بالمجتمعات في مختلف أنحاء البلاد.
ومن خلال مساعدة العائلات على إنشاء مشاريع تجارية، سعى البرنامج إلى استعادة استقلالها الاقتصادي وتمكينها من إعادة بناء حياتها بكرامة.
كما دعمت المؤسسة الأطفال المتضررين من الصدمات النفسية الناجمة عن أعمال العنف التي ارتكبها تنظيم الدولة الإسلامية. وعلى مدى السنوات التسع الماضية، قدّمت المنظمة دعماً للصحة النفسية وعلاجاً بالفن للأطفال في سهل نينوى، حيث تستفيد نحو أربع مجموعات من هذا الدعم سنوياً.
وتتيح هذه البرامج للأطفال فرصاً للتعبير عن التجارب الصعبة التي مروا بها، واستعادة ثقتهم بأنفسهم، وتجديد شعورهم بالأمل.
وفي لبنان، يواصل الصليب السرياني وشركاؤه تقديم المساعدات الطبية والغذائية ومستلزمات النظافة للعائلات المحتاجة. وقالت أفرام إن المساعدات توسّعت مؤخراً لتشمل الأسر الأكثر ضعفاً في جنوب لبنان.
أما في تركيا، فقد بدأت استجابة المؤسسة عقب الزلازل المدمرة، من خلال تقديم المساعدات الطارئة وتوفير حاويات جرى تجهيزها لاستخدامها كمساكن مؤقتة. ثم توسّع نطاق عملها ليشمل دعم استعادة سبل العيش، بما في ذلك إنشاء أكثر من 15 مشروعاً صغيراً بالتعاون مع الشركاء المحليين.
وفي الآونة الأخيرة، وزّعت الشبكة قسائم غذائية على العائلات في أنطاكية وسمنداغ والمجتمعات المحيطة بهما.
وقالت أفرام إن الهدف يظل واحداً في جميع هذه البلدان، وهو الوقوف إلى جانب المجتمعات خلال الأزمات ومساعدتها على استعادة استقلالها وإعادة بناء حياتها.
التزام طويل الأمد تجاه المنطقة
إلى جانب الإغاثة الطارئة، تشمل أنشطة المنظمة المساعدات الطبية والتعليم والدعم النفسي والاجتماعي وبرامج سبل العيش والتعافي وإعادة الإعمار.
وأكدت أفرام أن الحفاظ على صمود المجتمعات يتطلب أكثر من الاستجابة للأزمات الآنية، إذ يشمل أيضاً مساعدة العائلات على بناء حياة مستقرة، وتوفير الفرص للأجيال الشابة، وتعزيز قدرة المجتمعات على التطلع إلى المستقبل.
ويعكس هذا النهج قلقاً أوسع لدى المجتمعات السورويو في المنطقة والمهجر إزاء التحديات التي تواجه المكونات التاريخية في الشرق الأوسط، حيث أدت النزاعات والنزوح والصعوبات الاقتصادية إلى زيادة الضغوط على هذه المجتمعات العريقة.
ويظل الحفاظ على الروابط بين مجتمعات المهجر في أوروبا وأبناء المنطقة محوراً أساسياً في عمل المؤسسة.
وجاء اللقاء الذي استضافته بروكسل تعبيراً ثقافياً عن هذه الروابط، إذ مثّلت الجوقات الست كنائس ولغات وتقاليد مختلفة، وجمعت مشاركين يرتبط تراثهم بالمجتمعات في الشرق الأوسط، وبأجيال حافظت على تقاليدها الموسيقية والدينية في بلدان المهجر.
ووصفت أفرام اللقاء بأنه تعبير عن إرث مشترك تناقلته الأجيال، في الشرق الأوسط وأوروبا على حد سواء.
إطلاع الجمهور على واقع العمل الإنساني في سوريا
وأتاح الحفل أيضاً للحضور الاطلاع على جانب من عمل المنظمة داخل سوريا.
وعرضت أفرام مقطع فيديو قصيراً صُوّر خلال زيارة ميدانية أجرتها مؤخراً، التقت خلالها بزملائها وشركائها المحليين وأبناء المجتمعات المستفيدة، للاطلاع عن كثب على الأنشطة الإنسانية.
وهدف المقطع إلى إظهار أوجه التعاون بين مؤسسة الصليب السرياني في بلجيكا المؤسسة الشقيقة لها في سوريا، وتسليط الضوء على كيفية ترجمة جهودهما المشتركة إلى مساعدات ملموسة للمجتمعات.
ووصفت أفرام سوريا بأنها جزء من الالتزام الإنساني الأوسع للمنظمة تجاه الشرق الأوسط، مؤكدة أهمية الحفاظ على وجود المنظمة في المجتمعات المتضررة ودعم انتقالها من مرحلة المساعدات الطارئة إلى التعافي وإعادة الإعمار.
وهكذا، جمع الحفل بين بُعدين من رسالة المنظمة: الحفاظ على التراث الثقافي والروحي المشترك، وتقديم الدعم العملي للأشخاص الذين يواجهون تداعيات النزاعات وعدم الاستقرار.
ومع اجتماع الجوقات الست تحت سقف واحد، تجاوزت رسالة الأمسية حدود الموسيقى، لتؤكد أن التضامن مع مجتمعات الشرق الأوسط لا يقتصر على الحفاظ على تقاليدها، بل يشمل أيضاً المساهمة في ضمان حصول العائلات على الموارد والفرص والثقة اللازمة لبناء مستقبل لها في أوطانها.
وقالت أفرام إن هذا الالتزام يظل في صميم عمل منظمة الصليب السرياني في بلجيكا. |