عشتارتيفي كوم – سوريا
تثير التطورات الأمنية المتصاعدة في مدينة الحسكة شمال شرقي سوريا مخاوف بشأن سلامة السكان واستقرار المكونات الدينية والقومية، وفي مقدمتها المجتمعات المسيحية التاريخية التي تضم السريان والآشوريين، في ظل تقارير عن اعتداءات على ممتلكات مدنية وتوترات شهدتها أحياء المدينة خلال تشرين الأول الجاري.
وذكرت وكالة أنباء فرات (ANF)، في تقرير نشرته يوم 15 تشرين الأول 2026 بعنوان «الاستفزازات في الحسكة وأهمية الدفاع عن النفس»، أن المدينة شهدت مظاهرات وحوادث أمنية تخللتها أضرار بممتلكات عامة وخاصة، إلى جانب استهداف رموز كوردية. وأثار التقرير تساؤلات بشأن الجهات المسؤولة عن هذه الأحداث، موجهاً اتهامات إلى جهات مرتبطة بدمشق، وهي اتهامات لم تُتحقق منها بصورة مستقلة.
الحسكة.. موطن تاريخي للمسيحيين السريان والآشوريين
تُعد الحسكة من المناطق السورية التي تحتضن تنوعاً دينياً وقومياً غنياً، وتضم مجتمعات مسيحية متجذرة تاريخياً، بينها السريان والآشوريون، الذين حافظوا على تقاليدهم الكنسية ولغاتهم وتراثهم الثقافي عبر أجيال متعاقبة.
وتضم المنطقة كنائس ومؤسسات دينية واجتماعية ارتبطت بتاريخ المسيحية في بلاد ما بين النهرين، فيما واجهت مجتمعاتها خلال العقود الماضية تحديات متراكمة نتيجة الاضطرابات الأمنية والهجرة وتراجع أعداد السكان.
وفي ظل أي تصعيد أمني، تبرز مخاوف هذه المجتمعات من انعكاس عدم الاستقرار على الحياة اليومية، وسلامة العائلات، واستمرار المؤسسات الكنسية والتعليمية والاجتماعية التي تؤدي دوراً أساسياً في الحفاظ على الهوية المسيحية المحلية.
حوادث أمنية وأضرار في الأحياء السكنية
وبحسب تقرير وكالة أنباء فرات، شهدت الحسكة تحركات احتجاجية في أحياء غويران والنشوة، كما وقعت أحداث في ساحة السلام يوم 8 تشرين الأول، تخللتها أضرار بممتلكات عامة وخاصة، قبل تدخل قوات الأمن الداخلي «الأسايش».
وأشار التقرير إلى وقوع اعتداءات على منازل ومحال تجارية في منطقة السوق خلال مظاهرة أُقيمت في 9 تشرين الأول، فضلاً عن محاولات للتوجه نحو أحياء أخرى في المدينة.
ورغم أن التقرير ركز بصورة أساسية على استهداف الرموز الكوردية، فإن استمرار الحوادث الأمنية يثير مخاوف أوسع بشأن أمن السكان المدنيين بمختلف انتماءاتهم، بمن فيهم أبناء المجتمعات المسيحية الذين يحتاجون إلى بيئة مستقرة تضمن حرية العبادة وحماية الممتلكات والمؤسسات الدينية.
اعتداءات متفرقة تزيد القلق على سلامة السكان
وتناول التقرير حوادث أمنية أخرى شهدتها المنطقة، بينها هجوم مسلح قرب جامعة قرطبة على طريق القامشلي–الحسكة في 20 أيلول، أسفر، بحسب الوكالة، عن مقتل عبد العزيز فيصل حسن وإصابة موظفين اثنين في شركة نفطية.
كما أفاد بإصابة شقيقين بجروح خطيرة إثر هجوم مسلح قرب التقاطع الصناعي، إلى جانب تعرض فريق إذاعة «راديوفا إف إم» لهجوم في حي الصالحية يوم 10 تشرين الأول، أُصيب خلاله أحد العاملين.
وتؤكد هذه الحوادث، وفق ما أورده التقرير، حجم التحديات الأمنية التي تواجه المدينة، والحاجة إلى إجراءات فعالة لحماية المدنيين ومنع تكرار الاعتداءات.
حماية الوجود المسيحي وتعزيز التعايش
يشكل الحفاظ على الوجود المسيحي التاريخي في محافظة الحسكة جزءاً مهماً من حماية التنوع الثقافي والديني في سوريا. فالسريان والآشوريون ليسوا مجرد مكونات دينية في المنطقة، بل يمثلون امتداداً لتراث لغوي وثقافي وكنسي عريق أسهم في تشكيل تاريخ الجزيرة السورية.
ومن هنا، تبرز أهمية ضمان أمن الكنائس والأديرة والمؤسسات المسيحية، وحماية السكان من التهديدات والاعتداءات، إلى جانب توفير الظروف التي تسمح للعائلات بالبقاء في مناطقها وعدم الاضطرار إلى الهجرة بسبب الخوف أو انعدام الاستقرار.
كما تظل التحقيقات الشفافة في الحوادث الأمنية ومحاسبة المسؤولين عنها، أياً كانت الجهات التي ينتمون إليها، من الخطوات الضرورية لتعزيز الثقة وحماية حقوق جميع السكان.
وفي ظل هذه التطورات، تبقى حماية المكونات المسيحية في الحسكة، وصون حريتها الدينية والثقافية، وضمان مشاركتها الآمنة في الحياة العامة، من القضايا المهمة للحفاظ على التعددية التاريخية في المنطقة ومنع تراجع الوجود المسيحي فيها.
|