عشتارتيفي كوم – متابعة أوروبية
باريس – 19 تشرين الأول 2026
شهدت فرنسا موجة من الاحتجاجات والاضطرابات العنيفة خلال عطلة نهاية الأسبوع، على خلفية ارتفاع تكاليف المعيشة وتدهور الخدمات العامة وأوضاع المدارس، في تطورات امتدت تداعياتها إلى الأسواق المالية وأعادت المخاوف بشأن الاستقرار السياسي والاقتصادي في البلاد، قبل نحو ستة أشهر من الانتخابات الرئاسية المقررة عام 2027.
وأعلنت السلطات الفرنسية توقيف نحو 2400 شخص على خلفية أعمال العنف والنهب التي رافقت التظاهرات، فيما تعرّضت مبانٍ عامة ومتاجر للتخريب والحرق في عدد من المدن، وأُصيب مئات من أفراد الشرطة والأمن. وفي المقابل، تحركت الحكومة لاحتواء الموقف عبر تعزيز الإجراءات الأمنية ودراسة فرض حظر تجول محدود في المناطق الأكثر تضرراً.
وبحسب تقرير لوكالة رويترز نُشر في 19 تشرين الأول، جاءت هذه التطورات في وقت تواجه فيه الحكومة ضغوطاً متزايدة بسبب ضعف النمو الاقتصادي وارتفاع الدين العام وصعوبة التوصل إلى موازنة تحظى بالدعم السياسي اللازم.
احتجاجات شارك فيها مئات الآلاف
خرجت مظاهرات واسعة في مدن فرنسية عدة يوم السبت 17 تشرين الأول، استجابة لدعوات نقابات عمالية ومنظمات طلابية وناشطين، وسط مطالب تتعلق بغلاء المعيشة ونقص المدرسين وتراجع مستوى الخدمات العامة.
وقدّرت وزارة الداخلية الفرنسية عدد المشاركين بنحو 550 ألف شخص في مختلف أنحاء البلاد، بينما رفع منظمو الاحتجاجات تقديراتهم إلى نحو 800 ألف مشارك، وفق ما نقلته وكالة أسوشيتد برس في تقريرها المنشور في 18 تشرين الأول.
وبدأت موجة الاحتجاجات من تحركات طلابية ركزت على نقص الكوادر التعليمية وسوء تجهيز المدارس، قبل أن تتسع لتشمل مطالب اجتماعية واقتصادية أوسع، من بينها ارتفاع أسعار الوقود وتراجع القدرة الشرائية ومخاوف المواطنين بشأن الإنفاق العام.
ورغم أن قسماً كبيراً من التظاهرات جرى بصورة سلمية، تحولت بعض التجمعات إلى مواجهات مع الشرطة، ووقعت أعمال تخريب ونهب وإضرام للنيران في عدد من المدن.
وتعيد هذه الاحتجاجات إلى الأذهان حركة «السترات الصفراء» التي انطلقت عام 2018 احتجاجاً على تكاليف المعيشة والسياسات الضريبية، قبل أن تتحول إلى أزمة سياسية واجتماعية واسعة خلال الولاية الأولى للرئيس إيمانويل ماكرون.
حرق مبانٍ عامة ونهب متاجر في عدة مدن
شهدت العاصمة باريس ومدن ليون ومرسيليا وبوردو وليموج أعمال عنف وتخريب بدرجات متفاوتة، شملت تحطيم واجهات المتاجر وإتلاف الممتلكات العامة والاشتباك مع قوات الشرطة.
وكانت مدينة ليموج من أبرز المواقع التي شهدت أضراراً كبيرة، بعدما اندلعت النيران في مبنى البلدية التاريخي العائد إلى القرن التاسع عشر، ما أدى إلى انهيار أجزاء من سقفه وتهديد المبنى بأضرار جسيمة.
وفي باريس، تجددت التوترات يوم الأحد في ساحة الجمهورية، حيث استخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع لتفريق تجمعات شهدت مواجهات متقطعة ومحاولات لإشعال الحرائق وإتلاف الممتلكات. كما سُجلت أعمال تخريب ونهب في مناطق تجارية وسياحية.
وفي مرسيليا، تدخلت شرطة مكافحة الشغب لمنع محاولات اقتحام متاجر، بينما تعرضت مبانٍ عامة ومقار بلدية في مدن أخرى للتخريب والكتابة على الجدران.
وذكرت رويترز أن أعمال العنف أثارت انتقادات من مسؤولين محليين، طالب بعضهم بتعزيز الانتشار الأمني وتوفير دعم مالي لإصلاح الأضرار. كما أعلنت الحكومة استعدادها لمساعدة أصحاب الأعمال الذين تكبدوا خسائر نتيجة التخريب والنهب.
نحو 2400 موقوف وإصابات في صفوف قوات الأمن
أعلنت السلطات الفرنسية توقيف نحو 2400 شخص على خلفية أحداث العنف التي رافقت الاحتجاجات، في واحدة من أكبر موجات التوقيف المرتبطة بالاضطرابات خلال السنوات الأخيرة.
كما أُصيب ما يقرب من ألف من عناصر الشرطة والأمن، وفق الأرقام التي نقلتها رويترز عن المسؤولين الفرنسيين. وأفادت الشرطة في باريس بتوقيف مئات الأشخاص في العاصمة ومحيطها، فيما واصلت السلطات التحقيق في الاعتداءات على المباني العامة والمتاجر.
وأشارت تقارير إعلامية إلى وفاة شخص إثر أزمة قلبية خلال الأحداث، فيما لم تتضح جميع ملابسات الوفاة بصورة مستقلة عند نشر التقارير الأولية.
وفي أعقاب أعمال العنف، شدد الرئيس ماكرون على ضرورة محاسبة المتورطين في التخريب والنهب، مؤكداً أن الحق في التظاهر لا يبرر الاعتداء على الممتلكات العامة أو الخاصة.
واتهم مسؤولون حكوميون مجموعات من اليسار المتطرف ومجموعات إجرامية بالوقوف وراء جانب من أعمال العنف. في المقابل، طالب سياسيون معارضون الحكومة بتقديم أدلة واضحة على مسؤولية الجهات التي اتهمتها، وانتقدوا طريقة تعاملها مع المطالب الاجتماعية التي دفعت المواطنين إلى الشوارع.
الحكومة تدرس حظر تجول محلياً
في محاولة للحد من تجدد أعمال العنف، أعلن رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو، الاثنين 19 تشرين الأول، أنه وجّه ممثلي الحكومة في المناطق إلى اتخاذ إجراءات لفرض حظر تجول محدود ومحلي في المناطق التي تستدعي أوضاعها الأمنية ذلك.
ويهدف الإجراء إلى الحد من عمليات النهب والتخريب وحماية المباني العامة والمتاجر، من دون أن يعني فرض حظر تجول شامل على جميع أنحاء فرنسا.
وجاء القرار بعد ليلة من التوترات والاشتباكات، وفي ظل مطالب من مسؤولين محليين بتعزيز الإجراءات الأمنية لحماية السكان والممتلكات.
كما كلف ماكرون الحكومة بمراجعة أوجه القصور في الاستعدادات الأمنية والتقديرات الاستخبارية التي سبقت الاحتجاجات، والعمل على منع تكرار المشاهد التي شهدتها المدن الفرنسية.
ماكرون يرفض استقالة وزير الداخلية
ترافقت الأزمة الأمنية مع ضغوط سياسية على الحكومة، بعدما عرض وزير الداخلية لوران نونييز استقالته على خلفية الانتقادات الموجهة إلى أداء الأجهزة الأمنية خلال الاحتجاجات.
لكن الرئيس إيمانويل ماكرون رفض الاستقالة، وطلب من الوزير مواصلة عمله والتركيز على إنهاء أعمال النهب والتخريب، إلى جانب تقديم توضيحات بشأن أوجه القصور في المعلومات الاستخبارية والاستعدادات الأمنية.
وأقر مسؤولون فرنسيون بوجود إخفاقات في تقدير حجم التهديدات والاستعدادات اللازمة لمواجهة أعمال العنف. وأثارت هذه التصريحات تساؤلات بشأن كيفية تمكن مجموعات من المخربين من استهداف مبانٍ عامة ومتاجر رغم الانتشار الأمني الواسع.
وتواجه الحكومة تحدياً يتمثل في استعادة الأمن من جهة، والتعامل مع الأسباب الاجتماعية والاقتصادية التي غذّت الاحتجاجات من جهة أخرى. كما تتزايد الضغوط السياسية في ظل الانقسامات داخل البرلمان والصعوبات المرتبطة بتمرير الموازنة.
تراجع مؤشر كاك 40 وارتفاع عوائد السندات الفرنسية
امتدت تداعيات الاضطرابات إلى الأسواق المالية الأوروبية، إذ تراجعت الأسهم الفرنسية في التعاملات المبكرة يوم الاثنين، وسط مخاوف المستثمرين من اتساع الأزمة السياسية وتأثيرها في الاقتصاد.
وانخفض مؤشر كاك 40 (CAC 40)، الذي يضم أبرز الشركات المدرجة في بورصة باريس، بنحو 1.38%، وفق رويترز، بينما تراجع مؤشر ستوكس 600 الأوروبي الأوسع بنحو 0.79%.
كما انخفضت أسهم عدد من المصارف الفرنسية الكبرى، بينها بي إن بي باريبا وسوسيتيه جنرال وكريدي أغريكول، بنسب تراوحت بين نحو 2.2% و2.6% خلال التعاملات التي تناولها التقرير.
وفي سوق السندات، ارتفع العائد على السندات الحكومية الفرنسية لأجل عشر سنوات إلى نحو 4.86%، بزيادة ثماني نقاط أساس، في حين استقر العائد الألماني المرجعي عند نحو 3.41%.
ويعكس ارتفاع العائد زيادة العائد الذي يطلبه المستثمرون مقابل الاحتفاظ بالسندات الفرنسية، وهو ما قد يرفع تكلفة الاقتراض الحكومي إذا استمرت الضغوط.
ونقلت رويترز عن محللين ماليين تحذيرات من أن المخاطر السياسية قد تزيد تقلبات الأسواق في الأجل القريب، مع الإشارة إلى أن عوامل أخرى، بينها وضع المالية العامة والنمو الاقتصادي، تؤثر أيضاً في نظرة المستثمرين إلى فرنسا.
آلاف المتاجر تضررت والخسائر الاقتصادية تتسع
لم تقتصر آثار الاضطرابات على الأسواق المالية، بل امتدت إلى قطاع التجارة، حيث أفادت تقارير إعلامية بتضرر نحو ثلاثة آلاف متجر خلال أحداث العنف، بين متاجر تعرضت للنهب وأخرى لحقت بها أضرار مادية.
وأثارت الخسائر مخاوف أصحاب الأعمال، خصوصاً في المناطق التجارية التي شهدت تحطيم واجهات المحال وتخريب الممتلكات. كما تعهدت الحكومة بمساعدة المتضررين ومحاسبة الأشخاص الذين تثبت مسؤوليتهم عن التخريب.
ويأتي ذلك في وقت تواجه فيه الشركات الفرنسية ضغوطاً ناتجة عن تكاليف التشغيل وضعف القدرة الشرائية وتقلبات أسعار الطاقة. وقد يؤدي استمرار الاضطرابات إلى زيادة الأعباء على قطاع التجزئة والتأثير في ثقة المستثمرين والمستهلكين.
أزمة اجتماعية في ظل ضغوط اقتصادية وديون متزايدة
تأتي الاضطرابات في مرحلة حساسة للاقتصاد الفرنسي، الذي يواجه تحديات مرتبطة بضعف النمو وارتفاع الدين العام وصعوبة خفض العجز المالي. وتحتاج الحكومة إلى تمرير موازنة تتضمن إجراءات لضبط الإنفاق وتحسين وضع المالية العامة، وسط انقسامات سياسية بشأن الخيارات الاقتصادية والاجتماعية.
وتزيد الأزمة الحالية صعوبة التوفيق بين المطالب الشعبية بتحسين الخدمات العامة وحماية القدرة الشرائية، وبين مساعي الحكومة للحد من العجز وتكاليف الاقتراض.
كما تراقب الأسواق تطورات المشهد السياسي قبل الانتخابات الرئاسية المقررة عام 2027، إذ يمكن أن تؤثر حالة عدم اليقين في قرارات الاستثمار وفي كلفة تمويل الحكومة.
ولا تعني التحركات المسجلة في يوم واحد بالضرورة حدوث أزمة مالية شاملة، لكنها تشير إلى حساسية الأسواق تجاه أي تطورات سياسية قد تزيد المخاطر على الاقتصاد الفرنسي.
الاحتجاجات تمتد إلى قضايا أوروبية أوسع
لم تقتصر المطالب المرتبطة بغلاء المعيشة وأسعار الوقود على فرنسا، إذ أشار تقرير رويترز إلى احتجاجات وتحركات اجتماعية شهدتها إيطاليا وبلجيكا وألبانيا خلال عطلة نهاية الأسبوع.
وتواجه دول أوروبية عدة تحديات تتعلق بارتفاع تكاليف الطاقة والضغوط على الأسر والخدمات العامة، وهي عوامل تضع الحكومات أمام مطالب اجتماعية متزايدة في وقت تسعى فيه إلى ضبط الموازنات العامة.
ومع ذلك، تختلف ظروف الاحتجاجات من دولة إلى أخرى، ولا يمكن اعتبار التحركات في هذه البلدان جزءاً من حركة موحدة أو افتراض أن أسبابها متطابقة.
بين استعادة الأمن واحتواء الغضب الاجتماعي
تواجه الحكومة الفرنسية اختباراً مزدوجاً يتمثل في احتواء أعمال العنف وحماية الممتلكات، بالتزامن مع معالجة المطالب المتعلقة بالمعيشة والتعليم والخدمات العامة.
وفي حين تؤكد السلطات ضرورة محاسبة المتورطين في التخريب، تبقى معالجة الأسباب الاقتصادية والاجتماعية للاحتجاجات عاملاً أساسياً في احتواء التوتر على المدى الأبعد.
وتتجه الأنظار إلى الإجراءات التي ستتخذها الحكومة خلال الأيام المقبلة، ومدى قدرتها على إعادة الهدوء إلى المدن الفرنسية، واحتواء التداعيات على الأسواق وثقة المستثمرين، في وقت تستمر فيه الضغوط السياسية والمالية على البلاد.
|