عشتار تيفي كوم - وكالات/
قد يكون تجنب الخلافات سلوكاً مفيداً في بعض المواقف، إذ يساعد أحياناً على احتواء المشكلات ومنع تصاعدها. لكن بعض الأشخاص يتعلمون منذ طفولتهم أن الصمت وعدم الاعتراض هما الطريق الأكثر أماناً، حتى يصبح التعبير عن الرأي أمراً صعباً مع مرور الوقت.
وغالباً ما تبدأ هذه القناعة في سنوات العمر الأولى. فالطفل الذي يعيش وسط نزاعات متكررة قد يلاحظ أن الأمور تصبح أكثر هدوءاً عندما يمتنع عن الشكوى أو الاختلاف. كما يمكن أن يتعزز هذا الدرس في المدرسة أو بين الأصدقاء، عندما يحظى الطفل "المطيع" بالقبول، بينما يتعرض صاحب الرأي المختلف للتجاهل أو الانتقاد.
ومع تكرار هذه الخبرات، يتعلم الطفل أن مسايرة الآخرين تجلب له الهدوء وتجنب المشكلات، فيربط بين الامتثال والشعور بالأمان.
الهدوء يعني الأمان
لا يتلقى الأطفال عادة تعليمات مباشرة تطلب منهم كتمان آرائهم، لكنهم يستخلصون هذه الرسالة من التجارب اليومية. فكل مرة يتجنبون فيها الخلاف ويحصلون على القبول أو يتفادون التوتر، تترسخ لديهم قناعة بأن الصمت أكثر أماناً من التعبير عن الذات. ومع الوقت، لا يعود الشخص يؤجل إظهار رأيه الحقيقي فحسب، بل قد ينسى تدريجياً ما يريده فعلاً، بعدما اعتاد التركيز على توقعات الآخرين بدلاً من احتياجاته الشخصية.
توضح عالمة النفس إنغريد كلايتون -بحسب ما نقل عنها موقع "بولد" Bolds للأبحاث النفسية- أن سلوك "إرضاء الآخرين" لدى الأطفال الذين ينشأون في بيئات غير مستقرة يمثل نوعاً من التكيف مع الظروف المحيطة، وليس علامة على الضعف. فالطفل يتعلم مراقبة مزاج الآخرين والاستجابة له بطريقة تقلل احتمالات التعرض للرفض أو الصراع.
وتكمن المشكلة في أن هذه الاستراتيجية الناجحة في الطفولة قد تستمر لاحقاً، رغم أن الظروف التي أوجدتها لم تعد قائمة.
تعبيرية عن تربية الأطفال - آيستوك
أهمية الاختلاف في بناء الهوية
يرى مختصون أن النضج لا يقتصر على اكتساب المعرفة، بل يشمل أيضاً اختبار التفضيلات الشخصية والتعبير عنها. فالآراء لا تتشكل بصورة مكتملة، وإنما تنضج عبر النقاش والخلاف والتجربة.
ولهذا يعد الاختلاف مع الوالدين أو الأصدقاء خلال مرحلة المراهقة جزءاً طبيعياً من بناء الهوية وتطوير الاستقلالية. أما المراهق الذي يتجنب كل أشكال الاحتكاك، فقد يفقد فرصة اكتشاف صوته الحقيقي والتعبير عن ذاته.
مرونة أم عجز عن الاختلاف؟
هناك فرق واضح بين المرونة الصحية وبين العجز عن قول "لا". فالشخص المرن يستطيع الاعتراض لكنه يختار التنازل عند الحاجة، بينما يميل الساعي دائماً إلى إرضاء الآخرين إلى الموافقة بدافع الخوف من العواقب أو الرفض.
ومع مرور السنوات، يتحول هذا السلوك إلى رد فعل تلقائي، فيصبح إبداء الرأي المخالف مصدراً للقلق حتى في المواقف البسيطة.
"تكلفة إسكات الذات"
تصف المعالجة النفسية آنا إلتون هذا الأمر بـ"تكلفة إسكات الذات"، مشيرة إلى أن كبت التفضيلات الشخصية للحفاظ على السلام لا يقوي العلاقات كما يعتقد البعض، بل قد يضعفها على المدى الطويل.
فالأشخاص الذين يكرسون جهودهم لراحة الآخرين غالباً ما يطورون قدرة استثنائية على فهم احتياجات المحيطين بهم، لكنهم يجدون صعوبة في الإجابة عن سؤال بسيط: ماذا يريدون هم؟
وهنا تكمن المفارقة؛ فبينما يعرفون الآخرين جيداً، تصبح صورتهم عن أنفسهم أقل وضوحاً، بعد سنوات من تقديم احتياجات الغير على احتياجاتهم الشخصية. |