قناة عشتار الفضائية
 

التعليم السرياني في إقليم كوردستان ودعوات لإحياء اللغة الأم وتعزيز حضورها في المدارس

 

عشتار تيفي كوم - سيرياك برس/

عاد واقع تدريس اللغة السريانية في إقليم كردستان العراق إلى الواجهة، خلال زيارة أجراها وفد من اتحاد الأدباء والكتّاب السريان إلى المديرية العامة للتربية في إدارة سوران المستقلة، حيث برزت قضايا المناهج الدراسية، ومتابعة المدارس السريانية، ومعالجة أوجه القصور في العملية التعليمية بوصفها مسائل أساسية لضمان استمرارية اللغة الأم بين الأجيال الجديدة.

وترأس الوفد رئيس اتحاد الأدباء والكتّاب السريان، أكد مراد، يرافقه نائبه نمرود قاشا وعدد من أعضاء الهيئة الإدارية، في زيارة إلى المدير العام للتربية في إدارة سوران المستقلة، إيفان جاني كورئيل، في ناحية ديانا، لتهنئته بتوليه منصبه، ومناقشة واقع التعليم والتطلعات المتعلقة بتطويره، مع اهتمام خاص بالتعليم السرياني.

وخلال اللقاء، استعرض مراد واقع تعليم اللغة السريانية في العراق وإقليم كردستان، مستنداً إلى خبرته التي امتدت لأكثر من أربعة عقود مشرفاً على اللغة السريانية في وزارة التربية بإقليم كردستان العراق. وتناول التحديات المرتبطة بتدريس اللغة، وضرورة إحيائها وتعزيز مكانتها في المؤسسات التعليمية، إلى جانب القضايا المتعلقة بالمناهج السريانية المعتمدة في العراق والإقليم.

ولا يقتصر تعليم السريانية على تدريس لغة إضافية داخل الصفوف الدراسية، بل يرتبط باستمرار تراث لغوي وثقافي عريق، وبقدرة الأجيال الجديدة على التواصل مع تاريخها وأدبها وهويتها. ومن هذا المنطلق، يشكل حضور اللغة في المدارس أحد المسارات الأساسية لضمان انتقالها من جيل إلى آخر، بدلاً من أن تبقى معرفتها محصورة في نطاق الأسرة أو المؤسسات الثقافية.

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ظل التحديات التي تواجه تعليم اللغات الأم، بما فيها الحاجة إلى تطوير المناهج، وتوفير بيئة تعليمية مناسبة، ومتابعة مستوى التدريس في المدارس، وضمان حصول الطلاب على فرص حقيقية لتعلم لغتهم واستخدامها.

وقد أكد المدير العام للتربية في إدارة سوران المستقلة، إيفان جاني كورئيل، أنه سيعمل، خلال توليه مسؤولياته، على معالجة التحديات التي تواجه التعليم السرياني ضمن نطاق صلاحياته، مشيراً إلى أهمية متابعة المدارس السريانية والوقوف على أوجه القصور فيها والعمل على تحسين أدائها، بما يسهم في الارتقاء بتعليم اللغة الأم إلى المستوى المنشود.

وتعكس هذه التعهدات أهمية الانتقال من الاهتمام باللغة السريانية بوصفها جزءاً من التراث الثقافي إلى اتخاذ خطوات عملية تعزز حضورها في المؤسسات التعليمية. فاستمرارية التعليم باللغة الأم تتطلب متابعة منتظمة للمدارس، وتقييماً لاحتياجاتها، واهتماماً بالمناهج والكوادر التعليمية، فضلاً عن توفير الظروف التي تساعد الطلاب على اكتساب اللغة وتطوير مهاراتهم فيها.

وفي هذا السياق، تبرز المدارس السريانية بوصفها مؤسسات أساسية في الحفاظ على اللغة ونقلها إلى الأجيال القادمة. ولا تتوقف مسؤوليتها عند تعليم القراءة والكتابة، بل تشمل أيضاً تعريف الطلاب بأدبهم وتاريخهم وإرثهم الثقافي، بما يعزز الصلة بين التعليم والهوية.

غير أن تطوير هذا القطاع يحتاج إلى متابعة مستمرة تتجاوز الزيارات الرسمية والتعهدات العامة، من خلال تحديد الاحتياجات الفعلية للمدارس، ومعالجة الصعوبات التي تواجه المعلمين والطلاب، والعمل على تحسين جودة المناهج والمواد التعليمية. كما أن التنسيق بين الجهات التربوية المختصة والمؤسسات الثقافية المعنية باللغة السريانية يمكن أن يسهم في تعزيز حضورها داخل المدرسة وخارجها.

وعقب اللقاء، زار الوفد، برفقة عدد من موظفي المديرية العامة للتربية، المدرسة الابتدائية السريانية في ديانا، حيث استقبلتهم مديرة المدرسة، ريتا روميو خوشابا، وقدمت عرضاً موجزاً عن المدرسة وواقع التعليم السرياني فيها، قبل أن ترافقهم في جولة داخل أحد الصفوف الدراسية.

وأتاحت الزيارة الاطلاع على البيئة التعليمية في المدرسة، في خطوة تعكس أهمية ربط النقاشات المتعلقة بتطوير التعليم بالواقع اليومي للطلاب والمعلمين، والتعرف إلى احتياجات المؤسسات التي تتولى مسؤولية تدريس اللغة السريانية.

وقبيل اختتام الزيارة، قدم الشاعر يوسف قابو، عضو الهيئة الإدارية للاتحاد، درع الاتحاد إلى المدير العام للتربية، فيما أهدى الشاعر غبريئيل ماموكا مجموعة من أحدث إصدارات الاتحاد، في بادرة تؤكد الصلة بين المؤسسات التربوية والحركة الأدبية والثقافية السريانية.

ديانا وإدارة سوران المستقلة

وتُعد ناحية ديانا إحدى نواحي قضاء سوران في محافظة أربيل بإقليم كردستان العراق، وتشكل جزءاً أساسياً من إدارة سوران المستقلة. وقد استُحدثت الناحية عام 1962، وتُعرف بتنوعها القومي والديني وبنموذجها في التعايش السلمي والتسامح بين مكوناتها المختلفة.

وكان إيفان جاني كورئيل قد تسلّم مهامه رسمياً في أيار/مايو 2026. وهو باحث وأكاديمي شارك في مؤتمرات وندوات ثقافية وتاريخية تتعلق بتاريخ شعبنا وتراثه.

وبينما تظل الزيارات الرسمية مناسبة لطرح القضايا التعليمية وتأكيد الالتزام بمعالجتها، فإن مستقبل التعليم السرياني سيعتمد بدرجة كبيرة على ترجمة هذه الالتزامات إلى إجراءات ملموسة داخل المدارس، تضمن تطوير المناهج، ومعالجة أوجه القصور، وتعزيز فرص التعلم باللغة الأم.

فحماية اللغة السريانية لا تتحقق بمجرد الاحتفاء بتاريخها أو التأكيد على أهميتها، بل تتطلب أن تظل حاضرة في الصفوف الدراسية، وأن يمتلك الأطفال الأدوات اللازمة لتعلمها واستخدامها، وأن تحظى المدارس التي تدرّسها بالاهتمام الذي تحتاج إليه. ومن هنا، فإن تطوير التعليم السرياني يمثل استثماراً في مستقبل اللغة واستمراريتها، وفي حق الأجيال الجديدة في التعرف إلى إرثها الثقافي واللغوي والحفاظ عليه.