عشتارتيفي كوم – تقرير ثقافي
من ألواح الطين التي خلّفتها حضارات بلاد الرافدين، وصلتنا حزورة أدبية لافتة تصوّر المدرسة بعبارات رمزية تجمع بين الخيال وقوة التعبير. وتكمن جمالية هذا النص في وصفه مكاناً يدخل إليه الإنسان بعينين مغلقتين، ثم يخرج منه بعينين مفتوحتين، في إشارة إلى التحوّل الذي تحدثه المعرفة في حياة الإنسان.
وتشير البيانات الأثرية المتاحة إلى أن الحزورة وردت في نص مسماري يعود إلى العصر البابلي القديم، أي إلى نحو أربعة آلاف عام، فيما لا تتوافر أدلة كافية للجزم بأن هذا هو التاريخ الذي ظهرت فيه الحزورة للمرة الأولى.
نص الحزورة.. ما هذا البيت؟
تقول الحزورة، وفق ترجمتها المتداولة:
«بيتٌ أساسه كالسماء، بيتٌ يبدو كأنه مغطّى بالكتان، بيتٌ كأنه إوزة واقفة على قاعدة متينة، بيتٌ يدخله الإنسان مغمض العينين ويخرج منه مفتوح العينين».
فما هذا البيت الذي تصفه هذه العبارات الغريبة؟
الجواب هو: المدرسة، أو مدرسة الكتبة في بلاد الرافدين القديمة، المعروفة باللغة السومرية باسم «إيدوبّا» (Edubba)، أي «بيت الألواح».
وقد أوردت قاعدة بيانات المبادرة الرقمية للمكتبة المسمارية (CDLI) نصاً مسمارياً لهذه الحزورة، وحدّدت حلّها بمدرسة الكتبة، ما يجعلها شاهداً على حضور الألغاز في التراث الأدبي الرافديني.
«إيدوبّا».. بيت الألواح والتعليم في بلاد الرافدين
لم تكن المدرسة في حضارة سومر مجرد مكان لتعليم الأطفال القراءة والكتابة، بل كانت مؤسسة لإعداد الكتبة الذين تحتاج إليهم المعابد والقصور والإدارات الاقتصادية والإدارية.
واسم «إيدوبّا» مشتق من مفردات سومرية تشير إلى البيت والألواح، في إشارة إلى ألواح الطين التي كان الطلاب يكتبون عليها باستخدام أدوات الكتابة المسمارية. وكانت هذه الألواح تُستخدم لتعلّم العلامات وتكرارها ونسخ الكلمات والقوائم والنصوص.
وشكّل الكتبة عنصراً مهماً في تنظيم الحياة اليومية في بلاد الرافدين، إذ أسهموا في تدوين المعاملات التجارية والسجلات الإدارية والوثائق القانونية والنصوص الدينية والأدبية.
وتساعد النصوص المدرسية المكتشفة في مدن رافدينية، مثل أور ونيبور، الباحثين على فهم طبيعة التعليم وأساليبه والمواد التي درسها المتعلمون.
لماذا يدخل الإنسان المدرسة مغمض العينين ويخرج مفتوح العينين؟
تشكّل العبارة الأخيرة جوهر الحزورة وأكثر أجزائها إثارة للتأمل. فالعينان المغلقتان والعينان المفتوحتان تقدّمان صورة رمزية عن الانتقال من عدم المعرفة إلى اكتسابها.
فالإنسان الذي يدخل المدرسة لا يمتلك بالضرورة المهارات والمعارف التي سيكتسبها لاحقاً، لكنه يتعلم تدريجياً القراءة والكتابة والحساب، ويكتسب القدرة على فهم النصوص والتعامل مع المعلومات.
ومن الممكن قراءة العبارة بوصفها تعبيراً عن أثر التعليم في توسيع إدراك الإنسان، إلا أن هذا التفسير يظل قراءة رمزية للنص، وليس بالضرورة شرحاً حرفياً موثقاً لمقصد كاتب الحزورة القديم.
وتكشف هذه الصورة عن قدرة الأدب الرافديني على التعبير عن الأفكار المعقدة من خلال مشاهد قصيرة وأوصاف مألوفة، بدلاً من تقديمها في صيغة مباشرة.
ماذا كان يتعلم الطلاب في مدارس بلاد الرافدين؟
توضح الألواح المسمارية والنصوص المدرسية أن التعليم شمل مجموعة من المهارات التي احتاج إليها الكتبة في حياتهم العملية والثقافية، ومن أبرزها:
- الكتابة المسمارية: تعلّم رسم العلامات على ألواح الطين ونسخها مراراً.
- اللغة والمفردات: حفظ قوائم الكلمات والتدرّب على المفردات السومرية والأكدية.
- الحساب: اكتساب المهارات الرياضية اللازمة للمعاملات التجارية والإدارية.
- الأدب والحكمة: نسخ الأمثال والحكايات والنصوص الأدبية، إلى جانب نصوص تدريبية أخرى.
وكان التدريب يعتمد على النسخ والتكرار والحفظ، وهي أساليب ساعدت الطلاب على إتقان الكتابة المسمارية المعقدة. ومع تقدّمهم في الدراسة، أصبح بإمكانهم التعامل مع نصوص أكثر صعوبة وتنوعاً.
وتكشف هذه المناهج أن المدرسة كانت جزءاً من منظومة أوسع لحفظ المعرفة ونقلها بين الأجيال، فضلاً عن إعداد المتخصصين في الكتابة والتدوين.
هل عمر الحزورة خمسة آلاف عام؟
تنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي منشورات تصف الحزورة بأنها تعود إلى خمسة آلاف عام، لكن من الضروري التمييز بين تاريخ النص المسماري الموثّق وتاريخ نشأة الحزورة نفسها.
فالبيانات المرتبطة بالشاهد المسماري تشير إلى العصر البابلي القديم، الذي امتد تقريباً بين 1900 و1600 قبل الميلاد، أي قبل نحو أربعة آلاف عام، وليس خمسة آلاف عام بالمعنى الدقيق.
ولا يعني ذلك استحالة أن تكون فكرة الحزورة أقدم من النسخة المكتوبة التي وصلت إلينا، وإنما يعني أن تحديد تاريخ أقدم يتطلب دليلاً أثرياً أو نصياً إضافياً.
لذلك، فإن الصياغة الأكثر دقة هي: «حزورة رافدينية موثّقة في نص مسماري يعود إلى نحو أربعة آلاف عام».
حكمة من بلاد الرافدين لا تزال حاضرة
تمنحنا هذه الحزورة لمحة عن جانب من الحياة الفكرية في بلاد الرافدين القديمة، حيث لم يقتصر التراث المكتوب على القوانين والسجلات والمعاملات، بل شمل أيضاً النصوص الأدبية والألغاز التي تعتمد على الذكاء والخيال والقدرة على التأويل.
وفي وصف المدرسة بأنها بيت يخرج منه الإنسان مفتوح العينين، نجد صورة تختصر قيمة التعليم في كل عصر: فالمعرفة لا تقتصر على تعلّم الحروف والأرقام، بل تساعد الإنسان على فهم العالم من حوله.
وبعد نحو أربعة آلاف عام على الشاهد المسماري الذي وثّق هذه الحزورة، ما زالت فكرتها مفهومة وقريبة من حياتنا؛ فالمدرسة ليست مجرد جدران وأبواب، وإنما مكان تتفتح فيه العقول وتتسع فيه آفاق المعرفة.
إنها رسالة من تراث بلاد الرافدين، تختصرها الحزورة في صورة واحدة: يدخل الإنسان طالباً للمعرفة، ويخرج وقد انفتحت أمامه أبواب الفهم.
|