تهديدات بالقتل وإهانات عنصرية وجنسية واعتداءات تستهدف مسؤولين منتخبين.. والشرطة الفيدرالية تدعو إلى تعزيز الإبلاغ عن التهديدات وتشديد إجراءات الحماية
أستراليا – عشتارتيفي كوم
تصاعدت المخاوف في أستراليا بشأن سلامة السياسيين والموظفين العاملين في مكاتبهم الانتخابية، عقب سلسلة من التهديدات والاعتداءات التي طالت مسؤولين منتخبين، وفي مقدمتها الاعتداء الخطير على النائبة المستقلة هيلين هاينز في ولاية فيكتوريا. وأعادت هذه التطورات فتح النقاش بشأن تنامي العداء في الخطاب السياسي، وتأثير التهديدات عبر الإنترنت في أمن المسؤولين وعائلاتهم وقدرتهم على التواصل المباشر مع المواطنين.
تهديدات بالقتل واستهداف أفراد العائلات
ونقلت هيئة الإذاعة الأسترالية ABC، في تقرير نشرته يوم 25 أكتوبر/تشرين الأول 2026، شهادات لعدد من السياسيين في إقليم العاصمة الأسترالية كانبيرا بشأن تعرضهم للتهديد والترهيب والإساءة.
وقالت إليزابيث لي، النائبة في برلمان الإقليم عن الحزب الليبرالي، إنها اضطرت إلى الاتصال بالشرطة مرتين بسبب تهديدات وصفتها بالخطيرة. وأوضحت أن أحد التهديدات وصل إلى منزلها، وتضمن ذكر ابنتها وشريك حياتها، الأمر الذي أثار مخاوفها بشأن سلامة أفراد أسرتها، ودفعها إلى التساؤل عن الثمن الشخصي الذي قد يترتب على استمرارها في العمل السياسي.
كما تحدثت وزيرة الصحة في الإقليم، ماريسا باترسون، عن تعرضها للبصق خلال لقاء مع المواطنين في أحد المتاجر، فيما أشارت لي إلى تلقيها على مدى سنوات تعليقات مسيئة تتعلق بجنسها ومظهرها ووزنها.
ووفقاً لتقرير ABC، شدد سياسيون آخرون، بينهم لورا ناتول وتوماس إيمرسون، على أهمية استمرار التواصل المباشر مع المواطنين، رغم المخاطر التي باتت ترافق العمل السياسي.
الاعتداء على هيلين هاينز يعيد القضية إلى الواجهة
جاءت هذه الشهادات في أعقاب الاعتداء الذي تعرضت له النائبة المستقلة هيلين هاينز خارج مكتبها الانتخابي في بلدة وانغاراتا بولاية فيكتوريا، عندما صدمتها سيارة في حادث قالت السلطات إنه يخضع للتحقيق.
وأثار الحادث صدمة واسعة في الأوساط السياسية الأسترالية، خصوصاً بعدما أفادت التقارير بأن إصابات النائبة استدعت بتر ساقيها. وأُلقي القبض على رجل يبلغ 43 عاماً ووجهت إليه اتهامات مرتبطة بالحادث، فيما لم يُعلن عن دافع مؤكد وراء الاعتداء.
ولا يعني تزامن هذا الحادث مع تهديدات أخرى أن الوقائع مرتبطة ببعضها؛ إذ لم تثبت السلطات وجود صلة مباشرة بينها. لكن تكرار الحوادث دفع سياسيين ومسؤولين أمنيين إلى التحذير من المخاطر التي تواجه العاملين في الحياة العامة.
ارتفاع التهديدات أربعة أضعاف منذ عام 2020
وأشارت تقارير ABC إلى أن بيانات الشرطة الفيدرالية الأسترالية تظهر ارتفاعاً ملحوظاً في التهديدات والمضايقات الموجهة إلى السياسيين. وذكرت الهيئة أن عدد البلاغات المتعلقة بالسلوكيات المسيئة والمضايقات والتهديدات ارتفع أربعة أضعاف منذ عام 2020.
وبحسب الشرطة الفيدرالية، وُجهت اتهامات إلى 41 شخصاً خلال العام السابق بجرائم تتعلق بتهديد أعضاء في البرلمان أو مسؤولين كبار. كما حذرت مفوضة الشرطة الفيدرالية، كريسي باريت، من أن التحقيق في التهديدات التي تستهدف المسؤولين المنتخبين أصبح جزءاً مهماً ومتزايداً من عمل الشرطة.
وتشير هذه الأرقام إلى أن المشكلة لا تقتصر على خلافات سياسية عابرة، بل تشمل تهديدات قد تستدعي تحقيقات جنائية وإجراءات أمنية لحماية السياسيين وعائلاتهم وموظفيهم.
الشرطة تدعو إلى الإبلاغ وتغيير الروتين اليومي
وفي أعقاب الاعتداء على هاينز، قدمت الشرطة الفيدرالية إحاطات أمنية للنواب، وحثتهم على الإبلاغ عن التهديدات وعدم التقليل من خطورتها، إلى جانب مشاركة جداول تحركاتهم وفعالياتهم العامة مع الجهات الأمنية عند الحاجة.
كما تضمنت التوصيات اتخاذ احتياطات شخصية، من بينها تغيير الطرق المعتادة إلى أماكن العمل والوجهات المتكررة، والانتباه إلى المحيط أثناء الوجود في المكاتب الانتخابية أو المشاركة في الفعاليات العامة.
لكن بعض النواب أعربوا عن عدم رضاهم عن مستوى الحماية المتاح، ولا سيما في المكاتب الانتخابية المحلية التي قد يعمل فيها موظفون بمفردهم، مطالبين بتوضيح الإجراءات الأمنية الأساسية وتوفير دعم أكثر انتظاماً للسياسيين على مستوى الولايات والأقاليم.
وسائل التواصل الاجتماعي والخطاب السياسي تحت المجهر
ويرى باحثون وخبراء نقلت عنهم ABC أن انتشار المعلومات المضللة وتراجع الثقة بالمؤسسات، إلى جانب تصاعد الخطاب العدائي على الإنترنت، عوامل تسهم في تهيئة بيئة أكثر خطورة على المسؤولين المنتخبين.
كما أن الإساءة لا تقتصر على التهديدات المباشرة، بل تشمل حملات تحرش إلكتروني وتعليقات عنصرية وجنسية واستهدافاً لأفراد العائلات. وتثير هذه الممارسات مخاوف من أن تؤدي إلى إحجام بعض الأشخاص عن دخول الحياة السياسية، أو إلى تقليص قدرة النواب على استقبال المواطنين والاستماع إلى مشكلاتهم بصورة مباشرة.
ومع ذلك، لا يمكن اعتبار كل انتقاد سياسي تهديداً أمنياً؛ فالنقاش والاعتراض على السياسات جزء أساسي من الديمقراطية، بينما تتحول المسألة إلى قضية أمنية وقانونية عندما تتضمن تهديدات بالعنف أو الملاحقة أو الترهيب.
تحدٍّ أمام الديمقراطية الأسترالية
تضع التطورات الأخيرة السلطات الأسترالية أمام معادلة صعبة: حماية السياسيين وموظفيهم من التهديدات، مع الحفاظ على تقليد التواصل المباشر بين النواب والمجتمعات التي يمثلونها.
وتتطلب معالجة المشكلة، وفق ما تطرحه التقارير، تحسين إجراءات الحماية، وتشجيع الإبلاغ عن التهديدات، والتعامل الجدي مع العنف والتحرش الإلكتروني، إلى جانب الحد من الخطاب الذي يحول الخلاف السياسي إلى استهداف شخصي.
وتبقى دوافع بعض الحوادث موضع تحقيق، لكن تزايد التهديدات المبلغ عنها واتساع نطاقها يجعلان أمن المسؤولين المنتخبين قضية عامة تتجاوز الانتماءات الحزبية، وتمس قدرة المواطنين على المشاركة في الحياة الديمقراطية بأمان. |