من جذور النباتات وأوراقها إلى الزيوت والمراهم والمستحضرات العلاجية، تكشف الألواح المسمارية عن معرفة طبية متراكمة نظّمت وصفات العلاج وطرائق تحضيرها واستخدامها.
عشتارتيفي كوم – إعداد تاريخي
لم تكن بلاد الرافدين موطناً للمدن والكتابة والقوانين فحسب، بل شهدت أيضاً تطور تقاليد طبية تركت لنا سجلاً مهماً عن كيفية فهم الأمراض ومعالجتها قبل آلاف السنين. فقد دوّن المعالجون السومريون والبابليون والآشوريون وصفات استخدموا فيها النباتات والمواد الحيوانية والمعدنية، إلى جانب الزيوت والسوائل والضمادات، في محاولة لتخفيف آلام المرضى ومواجهة الأمراض المختلفة.
وتتيح الألواح المسمارية التي وصلتنا اليوم فرصة نادرة للتعرف على هذه الممارسات من خلال نصوص أصلية، لا من خلال روايات متأخرة فقط. ويشير مشروع الطب في نينوى، الذي يعمل باحثون فيه على جمع النصوص الطبية المسمارية ودراستها وترجمتها، إلى أن التراث الطبي في بلاد الرافدين اشتمل على مئات الوصفات العلاجية، فضلاً عن نصوص التشخيص والأدلة الخاصة بالمواد الطبية.
النباتات.. أساس الصيدلة في بلاد الرافدين
احتلت النباتات مكانة أساسية في العلاج، إذ استخدم المعالجون أجزاء مختلفة منها، مثل الجذور والأوراق والسيقان والبذور والثمار، كما حضّروا منها مساحيق ومستخلصات ومراهم وخلطات علاجية.
وتشير الدراسات الحديثة للنصوص المسمارية إلى أن المعالجين امتلكوا معرفة واسعة بالنباتات، وأنهم ميّزوا بين مواد مختلفة وفق خصائصها واستعمالاتها. وتكشف الوصفات عن استخدام مواد نباتية منفردة في بعض العلاجات، وخلط عدة مكونات في وصفات أخرى.
وقد بدأ توثيق الوصفات العلاجية منذ الألفية الثالثة قبل الميلاد، ثم تطورت النصوص الطبية في العصر البابلي القديم، خلال النصف الأول من الألفية الثانية قبل الميلاد، لتصبح أكثر تنظيماً وتنوعاً.
كيف حُضّرت الأدوية في بلاد الرافدين؟
لم تقتصر المعرفة الطبية على جمع النباتات، بل شملت طرائق إعدادها وتقديمها للمريض. وتوضح النصوص المسمارية أن المعالجين استخدموا أساليب متعددة، منها:
- المساحيق والخلطات: تقطيع بعض المواد النباتية أو سحقها وخلطها بمكونات أخرى.
- المراهم والضمادات: وضع مستحضرات علاجية على الجلد أو على مواضع الإصابة.
- السوائل العلاجية: مزج المواد الطبية بالسوائل لاستخدامها بطرق مختلفة.
- الزيوت والدهون: إدخالها في بعض المستحضرات التي تُستخدم خارجياً.
- الحقن الشرجية: وردت في النصوص الطبية القديمة ضمن طرائق إعطاء بعض العلاجات.
وكان اختيار طريقة الاستعمال مرتبطاً بنوع المرض والوصفة الطبية. ولا ينبغي افتراض أن كل وصفة كانت فعالة وفق المعايير الطبية الحديثة؛ فالنصوص توثق ما اعتقد المعالجون أنه مفيد وما مارسوه بالفعل.
نباتات عرفها سكان بلاد الرافدين واستخدموها
- الثوم والبصل
كان الثوم والبصل من النباتات المعروفة في البيئة الغذائية لبلاد الرافدين، وتندرج هذه النباتات ضمن الأنواع التي يبحث العلماء في حضورها ضمن المعارف النباتية والطبية القديمة. لكن لا يجوز اعتبار كل استعمال غذائي دليلاً على وصفة علاجية محددة من دون الاستناد إلى نص مسماري واضح.
- الرمان
يُعد الرمان من النباتات المعروفة في تاريخ المنطقة الزراعي، ويظهر ضمن النباتات التي تناولتها الدراسات الحديثة عند إعادة تقييم المعرفة النباتية في الشرق الأدنى القديم. ويحتاج تحديد الجزء المستخدم منه والغرض العلاجي إلى مراجعة الوصفة القديمة المعنية.
- عرق السوس
يُدرج عرق السوس ضمن النباتات التي بحثها المختصون في إعادة تحديد النباتات الطبية القديمة. غير أن تحديد وصفة بعينها ونسبتها إلى طبيب بابلي أو آشوري يتطلب دليلاً نصياً، لأن أسماء النباتات في اللغة الأكدية لا تتطابق دائماً بصورة مؤكدة مع الأسماء العلمية الحديثة.
- الكتان وبذوره
كان الكتان من النباتات المعروفة في اقتصادات الشرق الأدنى القديم، وتُدرج بذوره ضمن المواد النباتية التي تستحق الدراسة في تاريخ الصيدلة القديمة. ويجب التفريق بين استعمال النبات في الغذاء أو الصناعة وبين إثبات استعمال محدد له في وصفة طبية مسمارية.
ترد هذه النباتات ضمن الأنواع التي يناقشها كتاب An Ancient Mesopotamian Herbal، الذي أعدّه الباحثون باربرا بيك وشاهينا غزانفار ومارك نِسبِت، بهدف إعادة تقييم الأدلة المتعلقة بالنباتات الطبية القديمة وتحديد هوياتها بصورة علمية.
هل امتلك البابليون والآشوريون علم الصيدلة؟
لا يمكن مساواة الصيدلة في بلاد الرافدين بالصيدلة الحديثة، لكنها لم تكن مجرد جمع عشوائي للنباتات. فقد حفظت الألواح المسمارية وصفات منظمة، وقوائم للمواد الطبية، ونصوصاً تساعد على التعرف إلى النباتات ومكوناتها واستخداماتها.
ويشير الباحثون إلى أن المعالجين البابليين والآشوريين ميّزوا بين عدد كبير من الأنواع النباتية، وأن بعض الوصفات تعكس معرفة بخصائص مثل التأثير القابض أو المسهل أو المدر للبول. ومع ذلك، فإن التعرف إلى النبات الذي يشير إليه اسم أكدي قديم يظل تحدياً، كما أن تدوين وصفة لا يثبت وحده فعاليتها أو سلامتها.
ومن أهم المراجع في هذا المجال كتاب Sourcebook for Ancient Mesopotamian Medicine، الذي جمعته الباحثة جوان سكَرلوك، ويضم ترجمات ودراسات للنصوص التشخيصية والعلاجية والصيدلانية من بلاد الرافدين.
الطبيب والمعالج في المجتمع الرافديني
لم تكن معالجة المرض مقتصرة على شخص واحد أو طريقة واحدة. فقد عرفت بلاد الرافدين اختصاصات مختلفة، من بينها المعالج المعروف بالأكدية باسم آسو (Ašû)، الذي ارتبط عمله بالأدوية والعلاجات العملية، وآشيبو (Āšipu)، الذي ارتبط بالتعاويذ والطقوس العلاجية.
ولا يعني هذا الفصل أن الممارستين كانتا متعارضتين دائماً؛ إذ تداخلت المعالجة الدوائية والمعتقدات الدينية في التصور القديم للمرض والشفاء. فقد كان المرض يُفسر أحياناً بأسباب جسدية ظاهرة، وأحياناً بأسباب خارقة وفق معتقدات ذلك العصر.
وتساعد هذه النصوص الباحثين اليوم على فهم تاريخ الطب، لكنها تكشف أيضاً عن اختلاف كبير بين التصورات القديمة والمعرفة الطبية القائمة على الاختبارات السريرية والعلوم الحديثة.
من ألواح نينوى إلى تاريخ الصيدلة العالمي
تُعد مكتبة الملك الآشوري آشوربانيبال في نينوى من أهم مصادر دراسة الطب الرافديني. فقد عُثر ضمن مجموعاتها على ألواح طينية تتضمن نصوصاً طبية تتناول الأعراض والتشخيص والوصفات العلاجية، ويعود قسم مهم منها إلى القرن السابع قبل الميلاد، مع أن التقاليد التي تحفظها أقدم من ذلك بكثير.
ويعمل مشروع الطب في نينوى، بمشاركة باحثين من المتحف البريطاني وكلية لندن الجامعية، على إعادة تركيب الألواح المجزأة ونشر نصوص الموسوعة الطبية الآشورية وترجمتها. ويساعد هذا العمل على استعادة أجزاء من المعرفة الطبية التي كانت موزعة على ألواح متضررة أو متفرقة في المجموعات المتحفية.
خلاصة
تكشف دراسة الأدوية والنباتات الطبية في بلاد الرافدين عن تقليد علاجي تطور عبر قرون طويلة، اعتمد على الملاحظة والتجربة المتراكمة وتدوين الوصفات، وتداخلت فيه المعرفة النباتية بالمعتقدات الدينية والتصورات القديمة عن أسباب المرض.
وتكمن أهمية هذا التراث في أنه يتيح لنا تتبع مراحل مبكرة من تاريخ العلاج والصيدلة، وفهم كيفية انتقال المعرفة الطبية وتطويرها في المجتمعات القديمة، من دون إسقاط المفاهيم الطبية الحديثة على نصوص كُتبت في سياق تاريخي مختلف.
الحلقة التالية من السلسلة: الجراحة والضمادات وعلاج الجروح والكسور في بلاد الرافدين، وما تكشفه النصوص المسمارية عن مهارات المعالجين وحدود الطب في العصور القديمة.
|