تنقيبات عراقية إيطالية تكشف منشآت يُرجّح استخدامها لإنتاج الخبز والجعة، وبقايا تحصينات ومناطق صناعية ومدافن قديمة ضمن مشروع لإنشاء حديقة أثرية تحمي الموقع من التوسع العمراني
بغداد – عشتارتيفي كوم
كشفت أعمال التنقيب الأثري في موقع تل محمد جنوب شرقي بغداد عن معالم جديدة تعود إلى العصر البابلي القديم، من بينها منشآت يُرجّح أنها استُخدمت في إنتاج الخبز والجعة، إلى جانب بقايا تحصينات وبوابتين ومناطق مرتبطة بالأنشطة الحرفية والإنتاجية، وذلك في إطار تعاون بين الهيئة العامة للآثار والتراث العراقية وبعثة جامعة كاتانيا الإيطالية.
وأعلنت الهيئة العامة للآثار والتراث، يوم الاثنين 26 تشرين الأول 2026، عن اكتشافات معمارية مهمة في الموقع، بالتزامن مع عرض نظام للتغطية الوقائية ضمن مشروع إنشاء حديقة أثرية مستقبلية تهدف إلى حماية تل محمد وصون ما تبقى من معالمه التاريخية وإتاحته أمام الزوار.
تل محمد.. مدينة قديمة في قلب بغداد
يقع تل محمد في الضواحي الجنوبية الشرقية للعاصمة بغداد، ويُعد من المواقع المهمة لفهم تاريخ الاستيطان في بلاد الرافدين خلال الألفين الثالث والثاني قبل الميلاد.
وبحسب المعلومات المنشورة في الموقع الرسمي لـمشروع بغداد الأثري الحضري التابع لجامعة كاتانيا، يمتد التسلسل الأثري للموقع من فترة سلالة أور الثالثة، في أواخر الألف الثالث قبل الميلاد، وصولاً إلى العصر الكاشي، الذي امتد تقريباً من القرن السادس عشر إلى القرن الثالث عشر قبل الميلاد.
وتبرز أهمية تل محمد بصورة خاصة خلال العصر البابلي القديم، الذي شهد ازدهار مدينة بابل وتوسع نفوذ الملك حمورابي، أحد أبرز ملوك بلاد الرافدين.
منشآت محتملة لإنتاج الخبز والجعة
ومن أبرز ما كشفته التقارير الحديثة عن أعمال التنقيب العثور على منشآت يُرجّح أنها ارتبطت بإنتاج المواد الغذائية، ولا سيما الخبز والجعة، وهما من العناصر الأساسية في الحياة الاقتصادية والاجتماعية في بلاد الرافدين القديمة.
ووفق تقرير نشرته قناة المنار في 27 تشرين الأول 2026، استند تفسير إحدى المناطق بوصفها منشأة محتملة لإنتاج الجعة إلى لوح طيني عُثر عليه في الموقع، يتناول شخصاً يتلقى الشعير ويصنع الجعة. وما زالت ترجمة اللوح ودراسة تفاصيله جارية، لذلك يبقى تحديد وظيفة المنشآت بصورة نهائية مرتبطاً بنتائج البحث والتحليل الأثري.
وتشير هذه المكتشفات إلى أن تل محمد لم يكن مجرد مركز سكني محصّن، بل احتضن أيضاً أنشطة إنتاجية وحرفية تساعد على فهم كيفية توفير الغذاء وإدارة الموارد داخل المدينة القديمة.
بوابتان وسور دفاعي يعكسان التخطيط العمراني
كشفت أعمال التنقيب التي استأنفتها البعثة الإيطالية عام 2022 عن أجزاء من منظومة التحصينات، شملت سوراً دفاعياً يصل سمكه إلى نحو ستة أمتار وبوابة ضخمة.
وتشير المعلومات التي نشرها مشروع جامعة كاتانيا إلى أن أعمال التنقيب الحديثة كشفت عن بوابتين ضمن المناطق المرتبطة بالتحصينات، يُعتقد أن إحداهما كانت مدخلاً أصغر ربما استُخدم لأغراض عسكرية.
وتساعد هذه المنشآت على دراسة طبيعة التنظيم الدفاعي للمدينة، والعلاقة بين مداخلها والمناطق السكنية والإنتاجية، فضلاً عن فهم أساليب البناء والهندسة التي اعتمدها سكان بلاد الرافدين قبل نحو أربعة آلاف عام.
أفران ومواقع لصهر المعادن ومدافن تحت المباني
وتشير المعلومات التي نشرتها وزارة الخارجية الإيطالية في تقرير عن الموقع إلى أن مواسم التنقيب كشفت عن مناطق إنتاج واسعة داخل مبانٍ قريبة من التحصينات الشمالية، تضم غرفاً وأفراناً ومنشآت مرتبطة باستخدام النار، ويُرجّح أن بعضها كان مخصصاً لأعمال إنتاجية وحرفية.
ومن المكتشفات اللافتة بوتقة فخارية شبه مكتملة احتوت على بقايا مرتبطة بصهر المعادن، وهو ما يقدم دليلاً إضافياً على ممارسة أنشطة حرفية داخل المدينة.
كما عُثر على مدافن تحت أرضيات بعض المباني، في سياق يكشف عن تداخل أماكن العمل والسكن مع طقوس دفن الموتى وتكريمهم. وشملت المكتشفات مدافن لأطفال وراشدين، فضلاً عن غرفة مرتبطة بطقوس إحياء ذكرى المتوفين، احتفظت بمذبح يحمل بقايا مواد سائلة يُعتقد أنها استُخدمت في طقوس تقديم القرابين.
وتوضح هذه المكتشفات كيف يمكن للتنقيب في مبنى واحد أن يكشف جوانب متعددة من حياة سكان المدينة، من الإنتاج اليومي إلى المعتقدات والطقوس الجنائزية. وقد عرضت وزارة الخارجية الإيطالية تفاصيل هذه النتائج.
ما علاقة الموقع بالملك حمورابي؟
ترتبط شهرة تل محمد بالعصر البابلي القديم، ومن بين الأدلة التاريخية المهمة قطع اكتُشفت في الموقع خلال القرن التاسع عشر، بينها رأسا هراوتين مجوّفتان من سبيكة النحاس تحملان نقشاً أكادياً يُقرأ بمعنى «قصر حمورابي».
وتعزز هذه القطع احتمال وجود صلة ملكية بالموقع خلال عهد حمورابي، الذي حكم بابل تقريباً بين عامي 1792 و1750 قبل الميلاد وفق التأريخ الأوسط المتداول.
لكن هذا الارتباط لا يعني أن جميع المنشآت والمكتشفات تعود بالضرورة إلى فترة حكمه المباشرة؛ فالتسلسل الطبقي للموقع يشمل مراحل تاريخية متعددة، ويعمل الباحثون على تحديد تواريخ المباني ووظائفها من خلال الأدلة المعمارية واللقى والنصوص المسمارية.
وكانت التنقيبات العراقية التي أُجريت بين عامي 1978 و1985 قد كشفت عن منطقة دينية ومئات الألواح المسمارية التي يُرجّح أن قسماً منها يعود إلى أواخر العصر البابلي القديم.
تعاون عراقي إيطالي لحماية الموقع
أكد رئيس الهيئة العامة للآثار والتراث، علي عبيد شلغم، أهمية التعاون بين الخبرات العراقية والبعثات الأجنبية في دراسة المواقع الأثرية وحمايتها، مشيراً إلى أن بعثة جامعة كاتانيا، برئاسة عالم الآثار نيكولا لانيري، أسهمت في الكشف عن معالم معمارية مهمة في تل محمد.
وجاء الإعلان الأخير خلال فعالية عُرض فيها نظام للتغطية الوقائية ضمن مشروع الحديقة الأثرية المستقبلية، بحضور السفير الإيطالي لدى العراق نيكولو فونتانا، الذي أكد أهمية التعاون بين الخبراء العراقيين والإيطاليين، معرباً عن أمله في أن يصبح الموقع متاحاً أمام السياح في المستقبل القريب.
ويهدف مشروع بغداد الأثري الحضري (BUAP) إلى توثيق الموقع وترميم الأجزاء المعمارية المحفوظة، إلى جانب إنشاء حديقة أثرية تسهم في حماية الموقع من التوسع العمراني وتعزيز الوعي بتاريخ بغداد القديم.
حماية ما تبقى من الموقع
تواجه المواقع الأثرية الواقعة داخل المدن الحديثة تحديات متزايدة بسبب التوسع العمراني وتغير استخدامات الأراضي. وفي حالة تل محمد، تشير بيانات المشروع إلى أن مساحة الموقع الأصلية كانت تُقدّر بنحو 25 هكتاراً، في حين تقلصت المساحة المتبقية إلى نحو خمسة هكتارات.
ويجعل هذا التراجع حماية الموقع وتوثيقه أمراً مهماً، خصوصاً أن طبقاته الأثرية تحفظ معلومات عن تطور المدن في بلاد الرافدين، وأنماط الإنتاج، والأنشطة الاقتصادية، والممارسات الدينية والجنائزية.
ومن شأن إنشاء الحديقة الأثرية، إذا اكتملت مراحلها، أن يتيح عرض أجزاء من هذه المكتشفات وتقديمها للجمهور ضمن إطار ثقافي وتعليمي، بدلاً من أن يبقى الموقع بعيداً عن الحياة العامة في العاصمة.
تل محمد.. نافذة على تاريخ بغداد قبل آلاف السنين
تؤكد المكتشفات المتعاقبة في تل محمد أن تاريخ بغداد لا يبدأ مع تأسيس المدينة في العصر العباسي، بل إن المنطقة المحيطة بها احتضنت مستوطنات ومدناً ذات أهمية قبل ذلك بآلاف السنين.
وتوفر أعمال التنقيب العراقية الإيطالية فرصة لفهم أعمق للحياة في العصر البابلي القديم، من تحصينات المدن ومرافق الإنتاج إلى المعتقدات الجنائزية والعلاقات الاقتصادية.
ومع استمرار البحث الأثري وخطط الحماية، يمكن أن يتحول تل محمد إلى محطة مهمة في مسار السياحة الثقافية في بغداد، وموقع يتيح للأجيال الجديدة التعرف إلى جانب من الإرث الحضاري الذي أسهم في تشكيل تاريخ بلاد الرافدين.
|