خطوة تاريخية تعزز التقارب بين الكنيسة الكاثوليكية وكنيسة إنجلترا، وتؤكد السعي إلى الوحدة المسيحية بعد قرون من الانقسام
الفاتيكان – عشتارتيفي كوم
في خطوة تاريخية تعكس تطور العلاقات بين الكنيسة الكاثوليكية وكنيسة إنجلترا، تبادل قداسة البابا لاون الرابع عشر والملك البريطاني تشارلز الثالث ألقاباً دينية فخرية، في مبادرة وصفت بأنها علامة على الأخوّة المسيحية والصداقة المسكونية، بعد نحو خمسة قرون على الانقسام الذي فصل الكنيسة الإنجليزية عن روما في القرن السادس عشر.
وأعلنت فاتيكان نيوز، في 23 تشرين الأول 2026، منح البابا لاون الرابع عشر لقب «الأخ البابوي» لكنيسة القديس جورج في قلعة وندسور، بموافقة الملك تشارلز الثالث ودعم رئيس أساقفة كانتربري. ويأتي ذلك استكمالاً لخطوة سابقة اتُخذت خلال زيارة الملك والملكة كاميلا إلى الفاتيكان في تشرين الأول 2025، حين مُنح تشارلز لقب «الأخ الملكي» في بازيليك القديس بولس خارج الأسوار في روما.
ألقاب فخرية تحمل رسالة روحية
بحسب الإعلان المنشور، فإن منح البابا لقب «الأخ البابوي» في كنيسة القديس جورج يعكس الروابط التاريخية بين الكنيسة والكرسي الرسولي، كما يعبّر عن التقدم الذي تحقق في العلاقات بين الكنيسة الكاثوليكية وكنيسة إنجلترا والجماعة الأنغليكانية.
وأكد الإعلان أن التبادل الرمزي للألقاب يجسد التقدير المتبادل بين البابا والملك، والتزامهما المشترك بتعزيز الوحدة المسيحية في عالم يشهد انقسامات وتحديات متزايدة.
وتُعد هذه الألقاب تكريمية وروحية، ولا تعني تغييراً في الانتماء الكنسي أو توحيد المؤسستين، لكنها تحمل دلالة مهمة على تطور الحوار والتعاون بينهما.
من روما إلى وندسور.. خطوة متبادلة
تعود الخطوة الأولى إلى 23 تشرين الأول 2025، عندما زار الملك تشارلز الثالث والملكة كاميلا الفاتيكان والتقيا البابا لاون الرابع عشر. وخلال الزيارة، مُنح الملك لقب «الأخ الملكي» في بازيليك القديس بولس خارج الأسوار، بموافقة البابا، في إشارة إلى الروابط التاريخية بين التاج البريطاني والمجمع الرهباني المرتبط بالبازيليك.
وفي المقابل، وجّه عميد وكهنة كلية القديس جورج في وندسور دعوة إلى البابا ليصبح «الأخ البابوي» للكلية والكنيسة، بموافقة الملك ودعم رئيس أساقفة كانتربري، وقَبِل البابا الدعوة في تشرين الأول 2026.
ووفقاً لما نشرته فاتيكان نيوز باللغة الإنجليزية، فإن هذه الخطوة المتبادلة تمثل تعبيراً ملموساً عن الأخوّة الروحية والصداقة المسكونية، وتؤكد الرغبة في التركيز على ما يجمع الكنيستين بدلاً مما فرّق بينهما.
جذور الانقسام تعود إلى القرن السادس عشر
يرتبط الانقسام التاريخي بين كنيسة إنجلترا والكنيسة الكاثوليكية بمرحلة حكم الملك هنري الثامن في القرن السادس عشر، عندما انفصلت الكنيسة الإنجليزية عن سلطة البابا في روما، وأصبحت الملكية البريطانية صاحبة السلطة العليا في كنيسة إنجلترا.
ومنذ ذلك الحين، استمرت الاختلافات اللاهوتية والمؤسسية بين الكنيستين، رغم تطور الحوار بينهما خلال العقود الماضية، ولا سيما منذ النصف الثاني من القرن العشرين، مع تنامي الجهود المسكونية الرامية إلى تعزيز التفاهم والتعاون بين التقاليد المسيحية المختلفة.
وفي هذا السياق، اكتسبت زيارة الملك تشارلز الثالث إلى الفاتيكان في تشرين الأول 2025 أهمية خاصة، إذ شهدت صلاة مسكونية مشتركة في كنيسة سيستينا، شارك فيها البابا والملك وقيادات كنسية أنغليكانية، في سابقة تاريخية من نوعها منذ عصر الإصلاح الديني.
وذكرت وكالة الأنباء الكاثوليكية الأمريكية أن الزيارة تضمنت أيضاً تبادل الأوسمة والهدايا، إلى جانب الصلاة المشتركة التي ركزت على العناية بالخليقة، في إطار تعزيز العلاقات بين الكنيستين.
الوحدة المسيحية في مواجهة الانقسامات
تأتي هذه المبادرة في وقت تتزايد فيه الدعوات إلى تعزيز الحوار بين الكنائس المسيحية، والعمل المشترك في القضايا الإنسانية والبيئية والاجتماعية. ورغم أن الألقاب الفخرية لا تنهي الخلافات التاريخية واللاهوتية، فإنها تقدم إشارة واضحة إلى الرغبة في توسيع مساحات التعاون والاحترام المتبادل.
ويؤكد التبادل بين البابا لاون الرابع عشر والملك تشارلز الثالث أن الروابط الروحية والتاريخية يمكن أن تشكل أساساً لمواصلة الحوار بين الكنيسة الكاثوليكية وكنيسة إنجلترا، بما يخدم قضية الوحدة المسيحية ويعزز فرص التعاون بين مختلف التقاليد الكنسية.
وبعد نحو خمسة قرون من الانقسام، تحمل هذه الخطوة رمزية خاصة، إذ تضع الأخوّة المسيحية والتقارب في صدارة العلاقة بين المؤسستين، وتفتح المجال أمام مواصلة مسار المصالحة والتفاهم، من دون تجاهل الاختلافات التي لا تزال قائمة بينهما.
|