من آثار تعود إلى عصور ما قبل التاريخ إلى شواهد من العهدين الآشوريين الوسيط والحديث.. موقع أثري ينتظر مزيداً من التنقيب لكشف أسرار الاستيطان القديم في عنكاوا
عنكاوا – عشتارتيفي كوم
في قلب عنكاوا، وعلى مقربة من كنيسة مار كوركيس، يقف تل قصرا الأثري شاهداً على عمق التاريخ الحضاري الذي تختزنه هذه البلدة الواقعة شمال مدينة أربيل. فهذا التل، الذي تحيط به اليوم المباني والشوارع الحديثة، يمثل واحداً من أقدم المواقع الأثرية المعروفة في عنكاوا، ويقدم دليلاً مهماً على تعاقب مراحل الاستيطان البشري والحضارات القديمة في سهل أربيل وبلاد الرافدين.
وتتجاوز أهمية تل قصرا حدود كونه مرتفعاً ترابياً أو موقعاً أثرياً محلياً، إذ تكشف طبقاته ولقى التنقيب فيه عن تاريخ يمتد إلى آلاف السنين، وتفتح المجال أمام الباحثين لإعادة قراءة تاريخ المنطقة وعلاقتها بالمراكز الحضارية الآشورية والسومرية.
تل قصرا.. موقع أثري يعود إلى آلاف السنين
يقع تل قصرا في عنكاوا، على مسافة تقارب ستة كيلومترات من قلعة أربيل، ويتخذ شكلاً بيضوياً تبلغ محيطاته نحو 186.75 متراً، بحسب دراسة نشرها معهد الثقافة الآشورية.
وجرى مسح الموقع أثرياً عام 1945 من قبل فريق من الآثاريين، ثم أُدرج ضمن المواقع المسجلة لدى دائرة الآثار والتراث العراقية. وأظهرت الدراسات وجود طبقات متعددة من الاستيطان، يعود أحدثها إلى العهدين الآشوريين الوسيط والحديث، الممتدين تقريباً بين 1365 و609 قبل الميلاد.
كما عُثر في الموقع على شظايا جرار فخارية وأوانٍ ومصابيح ومباخر تحمل زخارف تتشابه مع نماذج معروفة من مواقع أثرية آشورية أخرى. وطرح بعض الباحثين احتمال أن يكون الموقع قد أدى وظيفة مقر رسمي أو مسكن لحاكم آشوري محلي، إلا أن هذا التفسير يبقى احتمالاً بحثياً يحتاج إلى أدلة إضافية.
التنقيبات الأثرية وطبقات الاستيطان
حظي تل قصرا باهتمام أكاديمي من جامعة صلاح الدين في أربيل، حيث نُفذت فيه أعمال تنقيب تدريبية بإشراف قسم الآثار خلال الفترة من تشرين الأول إلى تشرين الثاني 2005، ثم في نيسان 2006، بمشاركة مختصين وطلبة في مجال الآثار.
وتشير الدراسات المنشورة التي تناولت الموقع إلى أن اللقى الأثرية المكتشفة في تل قصرا ومحيطه لا تقتصر على مرحلة تاريخية واحدة، بل تشمل آثاراً تعود إلى حقب مختلفة، من بينها فترات قديمة سبقت ظهور الكتابة، إلى جانب شواهد من العصور الآشورية.
ويذكر الباحث برنارد يوسف عاشور، مدير التراث والمتحف السرياني، في دراسته المنشورة عام 2023، أن المواقع الأثرية في عنكاوا، ومنها تل قصرا وخربة عنكاوا وروما دقطما، كشفت عن آثار تعود إلى فترة العبيد، التي يؤرخ لها تقريباً بين 5300 و4000 قبل الميلاد، وعصر الوركاء الذي شهد بدايات ظهور الكتابة نحو 3500 قبل الميلاد، فضلاً عن لقى من العهدين الآشوري القديم والوسيط.
وتستند الدراسة في هذا الجانب إلى تقارير بعثة التنقيب التابعة لجامعة صلاح الدين للأعوام 2004 و2005 و2006 و2008.
فاروق حنا عتو: جذور عنكاوا تعود إلى فترة العبيد
وفي كتابه «عنكاوا في ذاكرة أبنائها»، الصادر عام 2017، تناول المؤرخ فاروق حنا عتو أهمية التنقيبات التي أُجريت في تل قصرا، مستنداً إلى نتائج أعمال المختصين والآثاريين وطلبة قسم الآثار في جامعة صلاح الدين.
ويشير عتو، في المقطع الذي نقله الباحث برنارد يوسف عاشور من الصفحة 22 من الكتاب، إلى أن نتائج التنقيبات تدعم عودة تاريخ التل إلى فترة العبيد، أي إلى نحو 4000–5000 قبل الميلاد، مع العثور على لقى أثرية تنتمي إلى حقب تاريخية متعددة.
وتكتسب هذه الإشارة أهمية خاصة لأنها تربط تاريخ عنكاوا الحالي بجذور استيطانية موغلة في القدم، وتضع الموقع ضمن السياق الأوسع لتاريخ التجمعات البشرية القديمة في منطقة أربيل.
ويُعد كتاب «عنكاوا في ذاكرة أبنائها» من الأعمال التوثيقية المهمة التي تناولت تاريخ البلدة وجغرافيتها وتراثها الاجتماعي والثقافي ومواقعها الأثرية، وقد صدر عن مطبعة أكيلا إينك في أربيل عام 2017.
من الموقع الأثري إلى الذاكرة المسيحية
لم تتوقف أهمية تل قصرا عند العصور القديمة، إذ تشير الدراسات إلى أن الموقع شهد إعادة استخدام خلال المراحل المسيحية المبكرة، وأُدمج ضمن محيط ديني مرتبط بالكنيسة، كما استُخدم مقبرة لأبناء المجتمع الآشوري المحلي.
ويكتسب هذا الجانب أهمية إضافية بسبب قرب التل من كنيسة مار كوركيس، التي تمثل أحد المعالم الدينية والتاريخية البارزة في عنكاوا، ما يجعل المنطقة مجالاً مهماً لدراسة التداخل بين الاستيطان القديم والتحولات الدينية والاجتماعية التي شهدتها البلدة عبر القرون.
وتوضح دراسة معهد الثقافة الآشورية أن الشارع الذي يفصل اليوم بين التل والكنيسة حديث نسبياً، وهو ما يعكس التغيرات العمرانية التي طرأت على الموقع ومحيطه.
تسمية قصرا.. بين الدلالة اللغوية والفرضيات التاريخية
ترتبط تسمية «قصرا» في التداول المحلي بمعنى القصر أو المنشأة المحصنة، وقد طُرحت فرضيات بشأن احتمال استخدام الموقع مقراً إدارياً أو عسكرياً في مرحلة من مراحله التاريخية.
لكن تحديد الوظيفة الأصلية للموقع بصورة قاطعة يتطلب المزيد من التنقيبات والتحليلات الأثرية، ولا سيما أن طبيعة المباني والمنشآت التي ربما كانت قائمة فيه لم تُحسم بصورة نهائية.
ومن هنا تبرز أهمية عدم تحويل الفرضيات المتعلقة بوظيفة التل أو تسميته إلى حقائق تاريخية ثابتة قبل توفر أدلة أثرية ونصوص موثقة تؤيدها.
حماية تل قصرا مسؤولية ثقافية وحضارية
إن تل قصرا ليس مجرد موقع أثري محاط بالتوسع العمراني، بل يمثل جزءاً من الذاكرة التاريخية لعنكاوا وأربيل، وشاهداً على تعاقب الحضارات التي تركت بصماتها في هذه المنطقة من بلاد الرافدين.
وتتطلب المحافظة عليه دعم أعمال التنقيب العلمي، وتوثيق المكتشفات والطبقات الأثرية، وإجراء دراسات متخصصة، فضلاً عن وضع خطط لحمايته من تأثير التوسع العمراني والعوامل التي قد تهدد سلامته.
كما أن إتاحة نتائج الأبحاث للباحثين والجمهور، وتعريف الأجيال الجديدة بقيمة هذا الموقع، من شأنهما تعزيز الوعي بأهمية التراث الأثري المحلي.
وبينما لا تزال طبقات تل قصرا تخفي جوانب من تاريخها، تبقى عنكاوا شاهداً على أن ذاكرتها الحضارية أقدم بكثير من ملامحها العمرانية المعاصرة، وأن حماية هذا الإرث مسؤولية مشتركة للحفاظ على تاريخ المنطقة وهويتها الثقافية.
المصادر والمراجع:
- معهد الثقافة الآشورية – تل قصرا والأسرار الأثرية التي يخفيها.
- برنارد يوسف عاشور – عنكاوا AN-KA'WA: دراسة تحليلية لاسم عنكاوا في ضوء العلامات المسمارية، الثقافة السريانية، 21 كانون الثاني 2023.
- جامعة صلاح الدين – أعمال التنقيب التدريبية في تل قصرا، 2005–2006.
- فاروق حنا عتو هبي، عنكاوا في ذاكرة أبنائها، أربيل، مطبعة أكيلا إينك، 2017، ص 22.
- فهرس مكتبة جامعة UKH – بيانات الكتاب.
|