غبطة البطريرك يدعو أبناء الجالية الكلدانية في السويد إلى صون الإيمان واللغة والطقوس، وتعزيز ارتباط الأجيال الجديدة بجذورها المشرقية
سوديرتاليا – عشتارتيفي كوم
احتفل غبطة البطريرك مار بولس الثالث نونا، عقب وصوله إلى السويد يوم 29 تشرين الأول 2026، بالقداس الإلهي في كنيسة مريم العذراء بمدينة سوديرتاليا، وسط استقبال من أبناء الجالية الكلدانية، تقدّمه سيادة المطران مار سعد سيروب، وبمشاركة سيادة المطران مار آزاد صبري.
وفي كلمته التي ألقاها بعد الإنجيل، وجّه غبطته رسالة إلى أبناء الرعية، مؤكداً أن المسيحيين الكلدان في أوروبا ليسوا ضيوفاً على مسيحية القارة، بل يحملون إليها إيماناً متجذراً في الشرق، وذاكرة مسيحية مرتبطة بلغة قريبة من لغة المسيح.
وأشار البطريرك إلى أن كنيسة مريم العذراء في سوديرتاليا تُعد أول كنيسة كلدانية مملوكة في السويد منذ عام 2017، لافتاً إلى أن البلاد تحتضن واحدة من أكبر الجماعات الكلدانية في أوروبا، يقدّر عدد أبنائها بنحو 25 إلى 35 ألف شخص يتوزعون على اثنتي عشرة مدينة.
الإيمان والهوية في بلاد الاغتراب
وأعرب غبطته عن امتنانه لأبناء الجالية، ليس فقط لحفاوة استقبالهم، بل أيضاً لتمسكهم بإيمانهم وهويتهم المشرقية بعيداً عن أرض الوطن.
وأكد أن الحفاظ على الإيمان في بلاد الاغتراب يمثل خياراً واعياً وقراراً يومياً تتخذه الأجيال، مشيراً إلى أن الهوية التي يختار الإنسان التمسك بها بإرادته تحمل قيمة كبيرة.
وتناول البطريرك ثلاثة أبعاد أساسية يمنحها الإيمان الحي للمهاجر، تتمثل في إعطاء الحياة معنى يتجاوز النجاح المادي، وصون كرامة الإنسان، وتوفير ضمير أخلاقي ووازع داخلي يوجهان سلوكه.
ولفت إلى أن أبناء الجالية اجتازوا في الشرق امتحان الخوف، بينما يواجهون في الغرب تحدياً مختلفاً وصفه بـ«امتحان الراحة والانشغال»، محذراً من أن الانغماس في متطلبات الحياة اليومية قد يؤدي إلى إضعاف الارتباط بالإيمان والهوية.
اللغة والطقوس ذاكرة حية للأجيال
وفي حديثه عن صون الهوية المسيحية الكلدانية، شدد غبطته على أن اللغة والطقوس الليتورجية ليست متاحف جامدة، بل أوعية حية تنقل الإيمان الحقيقي عبر الأجيال.
ودعا إلى تحويل هذا الاهتمام إلى خطوات عملية، من بينها تأسيس مدارس ثنائية اللغة، وتعليم الألحان الكنسية للأطفال، وتوثيق تاريخ العائلات وتضحيات الشهداء، حفاظاً على الذاكرة الجماعية والتراث المشرقي.
وفي المقابل، حذر من الانغلاق على الذات، مؤكداً أهمية التمسك بمعادلة «جذور راسخة وأبواب مفتوحة»، بحيث تحافظ الجالية على هويتها وإيمانها، مع انفتاحها الإيجابي على المجتمع الذي تعيش فيه.
كما أعرب عن شكره للسويد لما وفرته من أمن وخدمات، داعياً أبناء الرعية إلى احترام القوانين، وإتقان العمل، وحسن الجوار، باعتبارها ممارسات تعكس جوهر الإيمان المسيحي.
وشدد على ضرورة التمييز بين الاحترام والذوبان، رافضاً أن تتحول الكنيسة إلى جزيرة معزولة، ومؤكداً أن الحضور الكلداني في أوروبا يحمل رسالة تتجاوز الحفاظ على الهوية، ليكون إسهاماً في تجديد الشهادة المسيحية القادمة من الشرق.
ثلاث نصائح لحماية هوية الأجيال الجديدة
ووجّه البطريرك نونا ثلاث نصائح عملية إلى العائلات لحماية الجيلين الثاني والثالث من خطر فقدان الهوية، دعا فيها إلى مرافقة الأبناء والعيش معهم بوصف الوالدين قدوة لهم، وترجمة الإيمان إلى واقع حياتهم اليومية بدلاً من الاكتفاء بالتهديد والتوجيه، وإشراك الشباب في المسؤوليات الكنسية لمنحهم دوراً ومكاناً يشعرون بالانتماء إليه.
دعوة إلى التعاون بين الكنائس المشرقية
واختتم غبطته كلمته بدعوة إلى تعزيز التعاون بين جميع الكنائس المشرقية الشقيقة في بلاد المهجر، من خلال العمل المشترك في القضايا التي تجمعها، مع احترام خصوصية كل كنيسة وتقاليدها.
وأكد أن وحدة الجالية وتماسكها يشكلان قوة وسنداً للكنيسة في الوطن، وبرهاناً على وحدتها حول العالم، داعياً أبناءها إلى أن يكونوا أمناء للأرضين: أرضهم الأولى وأرضهم الجديدة.
|