عشتارتيفي كوم – متابعات
حذّر مقال نشرته منظمة «التضامن القبطي» (Coptic Solidarity)، في 31 تشرين الأول 2026، من تراجع حضور التاريخ المسيحي في المناهج التعليمية والروايات التاريخية الرسمية في عدد من دول الشرق الأوسط، معتبراً أن تغييب هذا الإرث يسهم في ترسيخ صورة المسيحيين بوصفهم جماعات وافدة أو غريبة عن أوطانها، رغم أن جذور وجودهم في المنطقة تعود إلى بدايات المسيحية نفسها.
المقال الذي كتبه الباحث رايموند إبراهيم، تحت عنوان «كيف أصبح مسيحيو الشرق الأوسط غرباء في أوطانهم؟»، تناول قضية العلاقة بين الذاكرة التاريخية والهوية الوطنية، مسلطاً الضوء على ما وصفه بتهميش التاريخ المسيحي في المناهج الدراسية والخطاب الثقافي في مصر وفلسطين والأردن والعراق.
تغييب التاريخ القبطي عن المناهج المصرية
استهل المقال بالإشارة إلى تصريحات وزير الثقافة المصري الأسبق حلمي النمنم، الذي تحدث في مؤتمر عُقد مؤخراً في القاهرة عن ضرورة إنشاء مركز متخصص للدراسات القبطية داخل إحدى الجامعات المصرية، مؤكداً أن الهوية القبطية تشكل جزءاً أساسياً من الهوية الوطنية المصرية، وأن دراسة تاريخها ينبغي ألا تقتصر على المؤسسات الكنسية.
وأشار المقال إلى أن التاريخ المصري المدرسي يتناول أحياناً الحقبة الفرعونية، ثم ينتقل إلى الفتح العربي الإسلامي، مع إغفال قرون طويلة من التاريخ المسيحي المصري، الأمر الذي يترك فجوة في معرفة الأجيال بتاريخ بلادها.
ونقل عن الباحث التربوي المصري كمال مغيث قوله إن كثيراً من المصريين لا يعرفون تاريخ المسيحيين في مصر، رغم أنهم من السكان الأصليين للبلاد، مشيراً إلى أن مصر عرفت حقبة مسيحية امتدت ستة أو سبعة قرون قبل دخول العرب إليها في القرن السابع الميلادي.
كما استشهد المقال بتقرير صدر عام 2023، أشار إلى غياب شبه كامل للدروس والنصوص المتعلقة بالأديان الأخرى والشخصيات المسيحية واليهودية التاريخية في بعض المناهج التعليمية المصرية، بما في ذلك التاريخ القبطي ودور الكنيسة القبطية في تاريخ البلاد.
فلسطين: ضعف المعرفة بجذور المسيحية في الأرض المقدسة
وانتقل المقال إلى فلسطين، حيث أشار إلى أن ضعف تدريس التاريخ المسيحي المحلي يسهم في تراجع معرفة بعض المسيحيين أنفسهم بجذور مجتمعاتهم التاريخية.
ونقل عن شاب فلسطيني مسيحي تساؤله بشأن إمكانية العودة إلى أوروبا هرباً من الأوضاع الاقتصادية والسياسية الصعبة والتطرف الديني والظروف التي تجعل المسيحيين يشعرون بأنهم غير مرحب بهم.
واعتبر الكاتب أن تعبير «العودة إلى أوروبا» يعكس فجوة في الوعي التاريخي، إذ إن فلسطين هي مهد المسيحية، ومنها انطلقت الجماعات المسيحية الأولى إلى أنحاء العالم.
وفي هذا السياق، نقل المقال عن جوزيف حشبون، المدير الإقليمي لمؤسسة الإغاثة الكاثوليكية للشرق الأدنى (CNEWA) في القدس، قوله إن المناهج الفلسطينية تقدم التاريخ أحياناً وكأنه يبدأ بالفتح العربي، دون الإشارة الكافية إلى القرون السبعة الأولى من الوجود المسيحي في الأرض المقدسة، أو إلى الجماعات المسيحية التي نشأت فيها منذ القرن الأول الميلادي.
الأردن: إغفال التاريخ العربي المسيحي
وتطرق المقال إلى الأردن، مستشهداً بتصريحات الدكتورة هنا القلداوي خلال مؤتمر عُقد في عمّان عام 2016، أشارت فيها إلى وجود إغفال واضح للتاريخ العربي المسيحي السابق للإسلام في المناهج الأردنية، فضلاً عن أخطاء تاريخية وقفزات غير مبررة بين المراحل التاريخية.
وبحسب ما أورده المقال، فإن بعض الكتب المدرسية لا تتناول تاريخ المسيحية والكنائس في المنطقة بصورة كافية، كما يجري أحياناً تقديم المسيحية على أنها ظاهرة غربية مرتبطة بالاستعمار، بدلاً من الاعتراف بجذورها التاريخية العميقة في الشرق الأوسط.
العراق: المسيحيون يُقدَّمون وكأنهم وافدون من الغرب
وفيما يتعلق بالعراق، أورد المقال شهادة للسياسي شَرارة يوسف زارا، الذي عمل في مجال وزارة التربية العراقية، أشار فيها إلى أن التاريخ المسيحي العراقي لا يحظى بحضور كافٍ في الكتب المدرسية، وأن المعلومات التي تتناوله تتضمن أخطاء وتشويهاً في بعض الأحيان.
وأوضح أن المناهج لا تقدم بصورة واضحة حقيقة وجود المسيحيين في العراق قبل ظهور الإسلام، وأن التركيز على المسيحيين الغربيين دون إبراز تاريخ المسيحيين العراقيين قد يدفع بعض التلاميذ إلى الاعتقاد بأن المسيحيين قدموا من أوروبا وأنهم ضيوف في البلاد.
وتكتسب هذه القضية أهمية خاصة بالنسبة إلى أبناء شعبنا الكلداني السرياني الآشوري، الذين تمتد جذورهم التاريخية والحضارية في بلاد الرافدين إلى عصور سابقة للمسيحية، فيما تشكل كنائسهم وتراثهم ولغتهم السريانية جزءاً أصيلاً من تاريخ المنطقة وهويتها الثقافية.
التاريخ والهوية والانتماء الوطني
ويرى المقال أن تغييب التاريخ المسيحي لا يقتصر تأثيره على ضعف المعرفة بالماضي، بل يمتد إلى تشكيل نظرة المجتمع إلى المسيحيين، وقد يؤدي إلى التعامل معهم باعتبارهم جماعات أجنبية أو امتداداً للوجود الغربي، بدلاً من اعتبارهم مكوناً أصيلاً من نسيج المنطقة.
كما يلفت إلى أن هذا التصور قد ينعكس على شعور المسيحيين أنفسهم بالانتماء، خصوصاً الأجيال الشابة التي لا تجد حضوراً كافياً لتاريخ مجتمعاتها في المناهج التعليمية والروايات الوطنية.
ويشير الكاتب أيضاً إلى مفارقة تاريخية تتعلق بجذور بعض العائلات المسلمة في المنطقة، إذ إن أسلاف بعض المسلمين المعاصرين كانوا مسيحيين اعتنقوا الإسلام خلال مراحل تاريخية مختلفة، ما يجعل التاريخ الديني والاجتماعي للمنطقة أكثر تشابكاً مما تقدمه الروايات المبسطة.
ويخلص المقال إلى أن الحفاظ على الوجود المسيحي في الشرق الأوسط لا يرتبط فقط بحماية الكنائس والمؤسسات الدينية، بل يتطلب أيضاً الاعتراف بالتاريخ المسيحي وتعليمه للأجيال الجديدة، وإدماجه بصورة منصفة في الرواية الوطنية لكل بلد.
فالمسيحيون ليسوا غرباء عن الشرق الأوسط، ولا ضيوفاً في أوطانهم، بل هم جزء أصيل من تاريخ المنطقة وحضارتها، وحماية إرثهم التاريخي والثقافي تمثل ضرورة للحفاظ على التنوع والتعددية والذاكرة المشتركة لشعوب الشرق الأوسط.
|