عشتارتيفي كوم
كشفت أعمال التنقيب في قرية سايبورج، الواقعة عند سفوح جبال طوروس جنوب شرقي تركيا، عن مستوطنة تعود إلى العصر الحجري الحديث، تضم عشرات المباني والمنحوتات الحجرية التي تقدم أدلة مهمة عن حياة المجتمعات البشرية الأولى، فيما يعتقد علماء الآثار أن أحد النقوش المكتشفة فيها يمثل أقدم مشهد سردي معروف منحوت على الحجر.
وتعود أهمية الموقع إلى ما يضمه من مبانٍ سكنية وجماعية، وأعمدة حجرية على شكل حرف «T»، ونقوش تجمع بين الإنسان والحيوان في مشهد واحد، يعود تاريخه إلى نحو 11 ألف عام.
اكتشاف المستوطنة وبداية أعمال التنقيب
بدأت القصة عام 2020، عندما لفتت أحجار غريبة انتباه المختصين في قرية سايبورج بمحافظة شانلي أورفا التركية، بعدما تبيّن أن بعض الأحجار المستخدمة في جدران الحدائق تمثل أجزاء من أعمدة حجرية قديمة، تعود إلى مجتمعات الصيادين وجامعي الثمار.
وبعد تعرف خبراء من متحف شانلي أورفا على أهمية هذه الأحجار، انطلقت أعمال التنقيب عام 2021، لتكشف تدريجياً عن مستوطنة من العصر الحجري الحديث، تضم مساكن ومبانٍ جماعية ومساحات استخدمت لأغراض مشتركة.
ووفقاً للتقرير الذي نشرته شبكة CNN بالعربية في 1 تشرين الثاني 2026، فقد وصل عدد المنشآت المكتشفة في الموقع إلى نحو 70 منشأة حتى عام 2026، ما يعكس حجم التجمع البشري الذي استقر في المنطقة قبل آلاف السنين.
نقش حجري يجمع ثوراً ورجلين ونمرين
من أبرز المكتشفات في سايبورج نقش حجري يمتد على مقعد داخل أحد المباني الجماعية، ويبلغ طوله نحو 3.7 أمتار، ويضم خمسة أشكال منحوتة متجاورة.
يظهر في أحد جانبي النقش ثور بقرون كبيرة يتجه نحو رجل يبدو في وضعية القرفصاء، يرفع إحدى يديه التي تبدو بأصابع ستة. أما في الجانب الآخر، فيظهر رجل بارز النحت تحيط به صورتا نمرين، يتميزان بأفواههما المفتوحة وأسنانها الظاهرة وذيولهما الملتفة.
وتكمن أهمية هذا العمل في أن الشخصيات لا تظهر منفصلة، بل تبدو وكأنها تشكل مشهداً مترابطاً يروي حدثاً أو حكاية، وهو ما يميزه عن كثير من النقوش المعروفة في مواقع أثرية أخرى من الفترة نفسها.
وقد تناولت عالمة الآثار إيلم أوزدوغان، من جامعة إسطنبول ورئيسة فريق التنقيب، هذا الاكتشاف في دراسة علمية بعنوان «نقوش سايبورج: مشهد سردي من العصر الحجري الحديث»، نشرتها مجلة Antiquity العلمية في كانون الأول 2022. واعتبرت الدراسة أن النقش يمثل أقدم تصوير معروف لمشهد سردي متكامل من هذا النوع، ويعكس العلاقة المعقدة بين الإنسان والعالم الطبيعي والحيوانات المحيطة به خلال مرحلة الانتقال نحو الاستقرار.
ما الحكاية التي يرويها النقش؟
على الرغم من وضوح الشخصيات المنحوتة، فإن المعنى الدقيق للمشهد لا يزال موضع نقاش. فقد طرح بعض الباحثين تفسيرات تتعلق بالمواجهة بين الإنسان والحيوان، فيما ربطت تفسيرات أخرى المشهد بطقوس انتقالية أو بمفاهيم الخصوبة والبقاء والرجولة.
لكن أوزدوغان لا تتبنى تفسيراً واحداً بوصفه المعنى النهائي للنقش، وتركز على فهم الدور الذي أدته هذه الصور في حياة المجتمع القديم، وما قد تعكسه من ذاكرة جماعية وقيم وتقاليد كانت تنتقل بين الأجيال في مجتمع يعتمد بدرجة كبيرة على الرواية الشفهية.
مبانٍ جماعية وأدلة على الحياة اليومية
لم تقتصر الاكتشافات على النقوش، إذ كشفت أعمال التنقيب عن مبانٍ سكنية وأخرى جماعية، من بينها مبنى دائري يبلغ قطره نحو 11 متراً، ويضم مقعداً حجرياً نُقشت على واجهته الداخلية الشخصيات الخمس.
كما عُثر على أحواض حجرية وأدوات طحن ومعالجة للحبوب، وهي أدلة تشير إلى أن سكان الموقع مارسوا أنشطة مرتبطة بإعداد الغذاء، وربما إنتاج مشروبات مخمرة، في مرحلة مبكرة من تاريخ المجتمعات المستقرة.
وتشير المكتشفات إلى أن سايبورج لم تكن مجرد تجمع من المساكن، بل كانت تضم أيضاً أماكن مخصصة للاجتماعات والأنشطة الجماعية، وهو ما يسلط الضوء على تطور الحياة الاجتماعية والرمزية لدى سكان المنطقة قبل نحو 11 ألف عام.
طقوس الدفن وعلاقة الأحياء بالموتى
ومن الجوانب اللافتة في الموقع عادات الدفن؛ فقد أظهرت التنقيبات أن الموتى كانوا يُدفنون غالباً داخل المساكن، وأحياناً تحت أرضياتها، في ترتيبات توحي باستمرار ارتباطهم بالمسكن والأسرة حتى بعد الوفاة.
كما عُثر على تمثال صغير يُعتقد أنه يمثل شخصاً متوفى، بدا فمه مغلقاً أو مخيطاً، فضلاً عن وجود بقايا عظام بشرية وحيوانية في بعض المواضع.
وأثارت هذه المكتشفات تساؤلات حول طقوس التعامل مع الموتى، ومن بينها فرضية تعريض الجثامين للطيور الجارحة لتجريدها من اللحم قبل إتمام طقوس الدفن، إلا أن هذا التفسير لا يزال ضمن القراءات المطروحة للممارسات الجنائزية في المنطقة.
سايبورج ضمن منطقة التلال الحجرية
يقع موقع سايبورج ضمن نطاق منطقة «تاش تيبيلر» أو «التلال الحجرية» في محافظة شانلي أورفا، وهي منطقة تضم مواقع مهمة من العصر الحجري الحديث، من بينها غوبكلي تبه وكاراهان تبه.
وتتميز هذه المواقع بالأعمدة الحجرية والمنشآت الجماعية والتماثيل والنقوش التي تقدم صورة عن المعتقدات والأنشطة الاجتماعية والفنية للمجتمعات البشرية في تلك المرحلة المبكرة.
وتشارك أوزدوغان حالياً في خطط تهدف إلى تحويل موقع سايبورج إلى متحف في الهواء الطلق، بما يتيح عرض المكتشفات في سياقها الأثري والتعريف بتاريخ المجتمع الذي عاش هناك.
ويقدم الموقع، بما كشف عنه من مبانٍ ونقوش وطقوس دفن، نافذة مهمة على مرحلة مفصلية من تاريخ الإنسان، حين بدأت المجتمعات تنتقل تدريجياً من حياة التنقل والصيد وجمع الثمار إلى الاستقرار وبناء التجمعات السكنية وتنظيم الأنشطة الجماعية. |