قناة عشتار الفضائية
 

"ثقوا إني قد غلبت العالم" رسالة البابا لاوُن الرابع عشر لمناسبة اليوم العالمي للشباب

 

عشتار تيفي كوم - الفاتيكان نيوز/

نُشرت الثلاثاء ٣ تشرين الثاني نوفمبر رسالة قداسة البابا لاوُن الرابع عشر لمناسبة اليوم العالمي الحادي والأربعين للشباب الذي سيُحتفل به من ٣ حتى ٨ آب أغسطس ٢٠٢٧ وقبلها على صعيد الكنائس المحلية في ٢٢ تشرين الثاني نوفمبر ٢٠٢٦. وعنون الأب الأقدس رسالته بكلمات يسوع "ثِقوا إِنِّي قد غَلَبتُ العالَم" (يوحنّا 16، 33)، وبدأ موجها حديثه إلى الشباب أنه يريد من خلال هذه الرسالة أن يكون قريبا منهم وقبل كل شيء شكر الله على العطية المتمثلة فيهم سواء للكنيسة أو للمجتمع. وتابع قائلا لهم إن الله يعرفهم ويحبهم ويرافق مسيرة حياتهم، كما ويحفز روحُه فيهم جميعا، رغم اختلافهم وانتشارهم في العالم، التوق ذاته إلى الحرية والحقيقة. ومن الله، واصل الأب الأقدس، تنبع رغبتكم في أن تحبوا وأن تحَبوا والرجاء الذي يحفزه الروح القدس في قلوبكم، رجاء يمكنه أن يصبح نورا للآخرين أيضا.

تحدث قداسة البابا بعد ذلك عن الاستعداد للاحتفال على صعيد الكنائس المحلية باليوم العالمي الحادي والأربعين للشباب في ٢٢ تشرين الثاني نوفمبر الجاري مع الاحتفال بعيد ربنا يسوع المسيح ملك المكون، ثم التطلع إلى اللقاء الدولي الذي سيُعقد في سيول في آب أغسطس ٢٠٢٧، وقال للشباب إنه واستعدادا لهذه الأحداث يقدم لهم كلمات يسوع "ثِقوا إِنِّي قد غَلَبتُ العالَم" وسيتأمل معهم فيها لاختياره لها موضوع الاحتفال.   

وبدأ البابا لاوُن الرابع عشر التأمل متحدثا عن الشجاعة ومن أين تنبع، وتوقف عند بداية كلمات يسوع بالدعوة إلى الثقة، وقال إنه يمكن أن تكون الغلبة لدينا أحيانا، ومثلما حدث للتلاميذ الأوائل، لعدم اليقين أو الخوف بدلا من الثقة. وقال البابا للشباب إن كثيرين منهم لديهم في أعماقهم أسئلة ومخاوف تثقل القلب، وأشار مثلا إلى الخوف من المستقبل والشعور بضغط ضرورة النجاح والظهور بشكل مثالي والمقارنة المستمرة مع الآخرين أو مع نماذج لا يمكن محاكاتها أو اصطناعية. وتحدث البابا أيضا عن تأثير وسائل الاتصالات الاجتماعية وكيف يمكن لبعض الشباب أن يشعروا بالوحدة والحاجة إلى مشاعر حقيقية. ولهذا قد يشعرون هم أيضا وكأنهم مثل تلاميذ يسوع على مركب صغير يعبر البحيرة وسط الليل. وعاد البابا إلى الإنجيل الذي يحدثنا عما قال يسوع للتلاميذ مشجعا إياهم: "أَنا هو: لا تَخافوا". وواصل قداسته أن هذا هو اليقين الذي يريد أن يقدمه إلى قلوب الشباب: أن المسيح وحتى قبل أن يبدؤوا هم في البحث عنه يبحث هو عنهم بالفعل سائرا على مياه الحياة الهائجة. وأضاف الأب الأقدس أن الشجاعة المسيحية لا تنشأ أولا من قوتنا بل من حضوره هو، وإن كان المسيح لم يعش ولم يَعدنا بحياة بلا عواصف فما من ظلمة أو معاناة أقوى من محبته، فهو لن يترككم أبدا.

ثم انتقل قداسة البابا إلى الحديث عن الانتصار على العالم وطلب من الشباب أن يعتبروا كلمات يسوع "ثِقوا إِنِّي قد غَلَبتُ العالَم" وعدا موجَّها إلى كل واحد منهم بشكل شخصي وإلى الأخوة والأخوات الذين يسيرون معهم، فقبل أن يكون هذا توجيها هو عطية. وتابع البابا أن المسيح لا يقول "ستغلبون العالم" بل لقد "غلبتُه"، ونحن نعلم أن العالم المقصود في هذا المقطع الإنجيلي ليس الكون الذي خلقه الله وأحبه والذي مصيره الخلاص، بل هو عالم الظلمات الذي يوجد أيضا في قلب كل إنسان والذي يقاوم الله ويعارضه. لقد غلب يسوع وحده بموته وقيامته هذا الواقع المظلم وفتح للعالم الطريق نحو الله، السعادة، العدل والسلام.

الشجاعة التي يدعوكم إليها يسوع، قال البابا لاوُن الرابع عشر للشباب، لا تولد من مقاصدكم أو قوة شخصياتكم بل من الثقة فيمن يسبقكم، من الإيمان بيسوع المسيح. وأضاف الأب الأقدس أن مع إدراكنا أن المسيح قد غلب العالم مُحبا إياه سنفهم أن الشجاعة المسيحية ليست ضد شخص ما أو شيء ما بل هي شجاعة من أجل، من أجل الحياة، الحقيقة، الحرية والعدل. وبالشجاعة التي يهبنا إياها المسيح يمكننا أن نتوجه بأعين جديدة إلى العالم الذي أحبه الله. وقال البابا للشباب إن المسيح لا يدعوهم إلى الهروب من العالم بل إلى رؤيته بنظرته ولمسه بمحبته التي تشفي كل شيء. ودعا قداسته الشباب إلى أن يدعوا الواقع يهزهم ويؤثر فيهم، فالمسيح لم يحب العالم من بعيد بل لقد دخل واقعنا بالكامل واتضع وصولا إلى الصليب.  

تحدث البابا لاوُن الرابع عشر في رسالته أيضا عن انتصار المحبة التي تهب ذاتها، وقال إن البعض قد يعتبرون أن الانتصار يعني ان نكون أقوى من الآخرين وتأكيد الذات وقيمتنا، إلا أن هذه هي انتصارات العقلية الحالية، انتصارات عالم بدون الله. وتابع البابا أننا إن نظرنا إلى يسوع فسنجد نوعا آخر من الانتصار، وذكَّر قداسته بحديث بولس الرسول عن أن المسيح قد تجرد من ذاته متخذا صورة العبد، وأضاف قداسته أن ابن الله قد اتضع لأن محبته حرة، وأنه بتواضعه هذا لم يفقد كرامته بل قد كشف سمو وعمق قلبه الإلهي القادر على هبة الحياة لمن كان ميتا، إن انتصاره هو انتصار المحبة التي تهب ذاتها بدون حساب. وأكد الأب الأقدس للشباب أن الانتصار الحقيقي ليس فرض الذات بل هبة الذات، وأضاف أنهم في حال اتِّباع درب يسوع المسيح لن يكونوا في حاجة إلى فرض الذات أو إبراز قيمتهم بشكل متواصل، ودعاهم إلى التحلي بشجاعة أن يكونوا أنفسهم بصدق أمام الله وأمام الآخرين.

توقف قداسة البابا بعد ذلك عند شجاعة التواضع وقال في هذا السياق إن تواضع المسيح انطلاقا من المحبة لم ينتهِ على الصليب، فقد أقام الآب الابن ورفعه فوق كل خليقة، إلا أن القيامة ليست فعل تمجيد ذاتي بل هي عطية من الآب وروحه القدوس. وأضاف البابا أننا نكتشف هنا جانبا آخر من الشجاعة، وهو شجاعة التلقي والتي يمكن أن نسميها شجاعة التواضع، وأضاف: أن نكون أصدقاء يسوع يعني التشبه به بشكل أكبر دائما في هذا أيضا.

ومن بين ما سلط عليه البابا لاوُن الرابع عشر الضوء في رسالته التفكير في عمل كل شيء بمفردنا، أن نعمل على أنفسنا ونتحسن بشكل دائم بمفردنا، بينما يقدم لنا الإنجيل طريقا مختلفا للنمو، لا أن نُخلص أنفسنا بل أن ندع يسوع المسيح يخلصنا. وتابع الأب الأقدس داعيا الشباب إلى فتح قلوبهم للمسيح، فهكذا لن يفقدوا أنفسهم بل سيكتشفون مَن هم بالنسبة لله ويتعرفون على أنفسهم بنظرته.

هذا وعاد البابا لاوُن الرابع عشر في الرسالة إلى التلاميذ المجتمعين في العلية يملؤهم الخوف ليلة قيامة المسيح، وقال إن الإيمان لا يبدد الظلام فورا ولكنه لا يتركنا فيه بمفردنا. وأضاف البابا ان يسوع المنتصر لا ينتظر أن يغلب التلاميذُ الخوف أو أن يفتحوا الأبواب بل جاء وسطهم، وكانت كلماته الأولى "السلام عليكم". وأضاف البابا: لقد تركه التلاميذ، خانه أحدهم وأنكره آخر بينما يهبهم هو السلام، وتابع الأب الأقدس أن سلام المسيح القائم يهبنا الشجاعة التي لا يمكن للعالم أن يعطينا إياها.

وفي ختام الرسالة تحدث البابا لاوُن الرابع عشر عن اللقاء في سيول وقال للشباب إنهم سيختبرون خلال هذه الأيام جمال الكنيسة الجامعة والاستقبال السخي من قِبل الكنيسة في كوريا. ودعاهم إلى أن يحملوا إلى المسيح أسئلتهم وجراحهم وأيضا تلك التي تمزق مجتمعاتهم وبلدانهم.