قناة عشتار الفضائية
 

مجلة «الفكر المسيحي».. أكثر من ستة عقود من التوثيق الثقافي والفكري للحياة المسيحية في العراق

 

من مبادرة أطلقها عدد من كهنة يسوع الملك في الموصل عام 1964، إلى مجلة ثقافية وإعلامية احتضنت قضايا الكنيسة والمجتمع والتاريخ والتربية، وواصلت توثيق جوانب من ذاكرة العراق ومسيحييه عبر أجيال متعاقبة من الكتّاب والباحثين.

عشتارتيفي كوم – الموصل / بغداد

 

تُعدّ مجلة «الفكر المسيحي» واحدة من الدوريات الثقافية المسيحية البارزة في العراق، إذ ارتبط تاريخها بمسيرة الصحافة الدينية والثقافية العراقية منذ ستينيات القرن الماضي، واستطاعت على مدى عقود أن تقدم منبراً للنقاش الفكري والثقافي، وأن توثق جوانب من حياة الكنيسة والمجتمع العراقي، فضلاً عن اهتمامها بالتاريخ والتراث والتربية والأدب والفنون.

وتعود بدايات المجلة إلى مدينة الموصل عام 1964، حين بادر عدد من كهنة جماعة «كهنة يسوع الملك» إلى إصدار سلسلة من الكراسات والدراسات الدورية، بهدف سدّ الفراغ في مجال النشر المسيحي، وتقديم موضوعات دينية وثقافية وفكرية للقراء. وتشير دراسة منشورة في مستودع جامعة الموصل إلى أن المشروع بدأ في صورة سلسلة من الأعداد، قبل أن يتطور تدريجياً إلى مطبوعة ذات حضور إعلامي وثقافي أوسع.

 

من سلسلة صغيرة إلى مجلة ثقافية

لم تظهر «الفكر المسيحي» منذ بدايتها بالشكل الذي عُرفت به لاحقاً، بل بدأت بعدد محدود من الصفحات، وتناولت موضوعات متنوعة، ثم أخذت تتوسع من حيث عدد الصفحات وطبيعة المواد المنشورة.

وبحسب التعريف المنشور في متحف التراث السرياني، تطورت المجلة لتصبح مطبوعة شهرية باللغة العربية، وبلغ عدد صفحاتها 48 صفحة من القطع الصغير ابتداءً من عام 1975، مع تنوع موضوعاتها بين القضايا التربوية والاجتماعية والتاريخية والثقافية والدينية.

وفي مراحل لاحقة، اتجهت المجلة إلى اعتماد أبواب ثابتة وملفات خاصة، لتتحول من مجرد مطبوعة تعنى بالشأن الديني إلى منبر ثقافي يتناول قضايا المجتمع والإنسان والكنيسة والعلاقات بين مكونات العراق.

 

انتقال الإدارة إلى الآباء الدومنيكان

شهد عام 1995 محطة مهمة في تاريخ المجلة، تمثلت في انتقال إدارتها من الموصل إلى بغداد، وتولي رهبانية الآباء الدومنيكان في العراق مسؤولية إصدارها، في خطوة هدفت إلى ضمان استمرار المشروع والمحافظة على حضوره الثقافي والإعلامي.

وتشير مادة تعريفية نشرتها وكالة «زينيت» عام 2007 إلى أن هذا الانتقال جاء بعد مسيرة امتدت ثلاثة عقود تقريباً، شهدت خلالها المجلة تعاقب عدد من الكهنة والكتّاب على إدارتها وتحريرها، كما تزامن انتقالها إلى بغداد مع تطور إمكانات التصميم والإخراج والطباعة.

وقد ارتبطت مراحل تحرير المجلة بأسماء كنسية وثقافية عراقية، من بينها الأب بيوس عفاص، والأب يوسف توما، والمطران جرجس القس موسى، إلى جانب كتّاب وباحثين أسهموا في إثراء صفحاتها بموضوعات ودراسات متنوعة.

 

أبواب متنوعة وقضايا تتجاوز الإطار الكنسي

حرصت المجلة على تنويع موضوعاتها وأبوابها، فلم تقتصر على الأخبار الكنسية والدراسات اللاهوتية، بل اهتمت بمجالات متعددة، من بينها:

  • الدراسات الكتابية: موضوعات تتناول الكتاب المقدس والروحانيات والفكر المسيحي.
  • التاريخ والتراث: توثيق القرى والمزارات والكنائس والشخصيات التاريخية، والتعريف بالمواقع ذات الأهمية الدينية والحضارية.
  • التربية والأسرة: قضايا التعليم وتربية الأطفال والشباب والعلاقات الأسرية.
  • الثقافة والفنون: الأدب والشعر والفنون والحوار مع المثقفين والباحثين.
  • الشأن العام: متابعة الأحداث والقضايا الاجتماعية والحركة المسكونية والعلاقات بين الكنائس.

وقد أسهم هذا التنوع في جعل المجلة مصدراً مهماً للباحثين المهتمين بتاريخ المجتمع العراقي، وليس فقط للقراء المهتمين بالشؤون الدينية. وتؤكد دراسة أكاديمية منشورة عام 2025 في «مجلة التربية للعلوم الإنسانية» بجامعة الموصل، تناولت المواد التربوية والتعليمية في المجلة خلال الفترة 1964–2005، أنها احتوت على موضوعات وأبواب متنوعة، وشكّلت سجلاً تاريخياً يمكن الإفادة منه في دراسة الأحداث والقضايا الاجتماعية والتربوية في العراق.

 

منبر منفتح على المجتمع العراقي

من السمات التي ميزت «الفكر المسيحي» توجهها إلى تقديم ثقافة مسيحية منفتحة، لا تنحصر في جمهور طائفي محدد، بل تخاطب القراء من خلفيات دينية وثقافية مختلفة.

وفي تقرير نشرته وكالة «زينيت» في 12 آذار 2007 بعنوان «مجلة الفكر المسيحي: مجلة لكل العراقيين»، جرى التأكيد على أن المجلة سعت إلى أن تكون منبراً ثقافياً منفتحاً ومتسامحاً، وأن تقدم معالجة إعلامية لقضايا المسيحية والكنيسة في العراق والعالم، بلغة معاصرة تراعي طبيعة المجتمع العراقي المتعدد الأديان والثقافات.

كما احتضنت صفحاتها كتابات وأبحاثاً لعدد من الشخصيات الدينية والثقافية، وأسهمت في إتاحة مساحة للنقاش والحوار حول قضايا الإنسان والمجتمع والتراث والهوية.

 

جائزة دولية للصحافة الكاثوليكية

ومن المحطات المهمة في مسيرة المجلة حصولها عام 2007 على الميدالية الذهبية من الاتحاد الكاثوليكي العالمي للصحافة (UCIP)، وفق ما أورده تقرير منشور في موقع عشتارتيفي كوم عن تاريخ المجلة والكاتب نجيب قاقو. وقد مثّل هذا التكريم اعترافاً دولياً بمسيرتها الصحفية والثقافية الممتدة.

 

أرشيف يوثق ذاكرة أجيال

لا تقتصر أهمية «الفكر المسيحي» على كونها مطبوعة دينية وثقافية، بل تمتد إلى ما راكمته من مواد صحفية ودراسات وشهادات وأخبار على مدى عقود. فالأعداد القديمة منها تقدم مادة أرشيفية يمكن الرجوع إليها لدراسة تحولات الحياة الاجتماعية والثقافية والكنسية في العراق، والتعرف على أسماء كتّاب ومثقفين ورجال دين وشخصيات تركت بصمتها في الحياة العامة.

وتكتسب هذه المواد أهمية خاصة في توثيق تاريخ أبناء شعبنا الكلداني السرياني الآشوري، وقراهم وكنائسهم ومؤسساتهم التعليمية والثقافية، فضلاً عن رصد حضورهم في المشهد العراقي الأوسع.

وبعد أكثر من ستة عقود على انطلاقتها، تبقى مجلة «الفكر المسيحي» شاهداً على تجربة صحفية وثقافية عراقية بدأت بمبادرة محدودة في الموصل، ثم تحولت إلى مشروع نشر امتد عبر أجيال، وأسهم في حفظ جانب من الذاكرة الدينية والثقافية والاجتماعية للبلاد.