قناة عشتار الفضائية
 

المطران جاك مراد: المسيحيون يواجهون التمييز في سوريا.. والأسلمة تتوسع في مؤسسات الدولة

 

رئيس أساقفة حمص للسريان الكاثوليك يحذّر من تراجع فرص المسيحيين في العمل، ويتحدث عن تغيّرات في المناهج التعليمية وتراجع التعايش الاجتماعي، مؤكداً تمسك أبناء الكنيسة بإيمانهم رغم الظروف الصعبة.

عشتارتيفي كوم – سوريا

 

حذّر المطران جاك مراد، رئيس أساقفة حمص وحماة والنبك للسريان الكاثوليك، من تصاعد مظاهر التمييز بحق المسيحيين في سوريا، مشيراً إلى أن الأوضاع لم تشهد تحسناً ملموساً منذ سقوط نظام بشار الأسد، وأن مظاهر الأسلمة باتت حاضرة في المجتمع ومؤسسات الدولة.

وقال المطران مراد، في مقابلة مع موقع «آسيا نيوز» (AsiaNews)، إن المسيحيين يواجهون صعوبات متزايدة في الحصول على فرص العمل، ولا سيما في الوظائف الحكومية. كما أشار إلى مظاهر تمييز في التعاملات التجارية داخل القطاع الخاص.

وتناول اللقاء الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في سوريا، ومستقبل الوجود المسيحي، والتغيّرات التي تشهدها المؤسسات التعليمية والإدارية، فضلاً عن المبادرات التي يقودها شبان مسيحيون ومسلمون لمساعدة الفئات الأكثر ضعفاً.

 

إعمار متعثر وأوضاع اقتصادية صعبة

وفي حديثه عن الوضع في مدينة حمص، أوضح المطران مراد أن المشهد لم يتغير كثيراً مقارنة بما كان عليه قبل عامين، مشيراً إلى غياب برنامج فعلي لإعادة الإعمار، واستمرار معاناة السكان الذين فقدوا منازلهم خلال الحرب.

وأضاف أن كثيراً من العائلات لا تزال بلا مساكن، بسبب عدم امتلاكها الأموال اللازمة لإعادة بناء منازلها المدمرة. ورغم عودة بعض السوريين من الخارج وافتتاحهم متاجر ومشروعات صغيرة، فإن هذه المبادرات تبقى محدودة وفردية.

ولفت إلى أن الاقتصاد لم يتعافَ بعد، وأن فرص العمل لا تكفي لتلبية احتياجات السكان. كما لا تزال عائلات كثيرة تقيم في مخيمات النزوح، في ظل غياب إحصاءات رسمية دقيقة عن أعدادها.

 

تغيّرات في مؤسسات الدولة ومخاوف من الأسلمة

وفي تقييمه لأداء الحكومة الحالية، قال المطران مراد إنها تفتقر إلى الخبرة الكافية لإدارة مؤسسات الدولة. وأشار إلى إبعاد عدد من الموظفين المتخصصين الذين عملوا في الإدارة السابقة، من دون تعويضهم بكفاءات مماثلة.

وتحدث عن مظاهر وصفها بالأسلمة المتزايدة في الحياة العامة، موضحاً أنها لم تعد مقتصرة على المظاهر الاجتماعية، بل امتدت إلى طريقة إدارة المؤسسات الحكومية.

كما أعرب عن قلقه إزاء التغييرات في قطاع التعليم، قائلاً إنه تلقى معلومات عن الانتقال من ساعة واحدة أسبوعياً للتربية الدينية، كانت تُقدَّم وفقاً للتقاليد الدينية للطلاب، إلى أربع ساعات من دراسة القرآن الكريم يُطلب من الجميع حضورها.

واعتبر أن هذه التغييرات توحي بأن الإسلام موجّه إلى الجميع، بصرف النظر عن انتماءاتهم الدينية.

 

المسيحيون يواجهون التمييز في العمل والتجارة

ورداً على سؤال بشأن شعور المسيحيين بالتمييز، أكد المطران مراد وجود هذه الممارسات، مشيراً إلى أن عدداً من المسيحيين غادروا البلاد، وأن بعض الوظائف، وخصوصاً في مؤسسات الدولة، لم تعد متاحة أمامهم كما كانت سابقاً.

وتحدث أيضاً عن مظاهر تمييز في القطاع الخاص، موضحاً أن بعض الناس باتوا يفضلون التعامل مع المتاجر المملوكة لمسلمين بدلاً من المتاجر التي يديرها مسيحيون.

وعزا ذلك إلى تأثير بعض الخطابات الدينية التي تشجع المسلمين على إعطاء الأولوية لأبناء دينهم في التعاملات التجارية والمساعدة.

 

تراجع التعايش وتفكك النسيج الاجتماعي

وعبّر المطران مراد عن قلقه إزاء تراجع الروابط الاجتماعية بين مكونات المجتمع السوري.

وأوضح أن سوريا عرفت سابقاً علاقات تعايش بين جماعاتها المختلفة. ورغم ما شهدته سنوات الحرب من مآسٍ ومعاناة، فإنها سجلت أحياناً مظاهر من التضامن والتقارب بين السكان.

لكنه يرى أن المرحلة الحالية تشهد تراجعاً في هذه الروابط، وأن الخوف لم يعد مرتبطاً بالسلطة وحدها، بل أصبح حاضراً أيضاً في العلاقات بين الناس وجيرانهم.

وأضاف أن بعض العائدين من إدلب يحملون قناعات دينية متشددة، تقوم على اعتبار الإسلام الطريق الوحيد الصحيح، وتصنيف الآخرين باعتبارهم غير مؤمنين. ورأى أن مثل هذه الأفكار تنعكس سلباً على العلاقات داخل المجتمع.

 

مستقبل المسيحيين بين الرغبة في الرحيل والتمسك بالإيمان

وفي حديثه عن مستقبل المسيحيين في سوريا، أقرّ المطران مراد بصعوبة الأوضاع، مشيراً إلى أن كثيرين يشعرون بالضيق واليأس ويفكرون في مغادرة البلاد.

لكنه لفت في المقابل إلى تمسك عدد كبير منهم بإيمانهم، وإصرارهم على مواصلة حياتهم بشجاعة وصبر، رغم المعاناة والظروف المحيطة بهم.

وشدد على أهمية حضور الكنيسة ومساندتها للمسيحيين، محذراً من أن غياب هذا الدعم قد يؤدي إلى تراجع الوجود المسيحي في سوريا بصورة خطيرة.

 

دير مار موسى.. مساحة للرجاء والتعايش

وفي ختام المقابلة، تحدث المطران مراد عن دير مار موسى، الذي ساهم في تأسيس جماعته إلى جانب الأب باولو دالوليو خلال تسعينيات القرن الماضي، بوصفه نموذجاً لمؤسسة حافظت على رسالتها، وظلت مساحة للرجاء والاستقرار وملاذاً للجميع.

وأشار إلى وجود مبادرات اجتماعية وإنسانية أخرى في سوريا، تقودها مجموعات من الشباب المسيحيين والمسلمين، ولا سيما في مدينة حمص.

وتعمل هذه المجموعات على مساعدة الأطفال الذين يعيشون في الشوارع، والأشخاص ذوي الإعاقة، فضلاً عن دعم تعليم الأطفال من العائلات المقيمة في مخيمات النزوح، ممن حُرموا من فرص الدراسة.

واختتم المطران جاك مراد حديثه بالاستشهاد بقول القديس بولس في رسالته الثانية إلى أهل كورنثوس: «تكفيك نعمتي، لأن قوتي في الضعف تكمل». وأكد أن هذه الكلمات منحته القوة للنظر إلى ما وراء المحن، حتى خلال فترة اختطافه واحتجازه.

ويُذكر أن المطران جاك مراد اختطفه تنظيم «داعش» من دير مار إليان في مدينة القريتين، واحتجزه ستة أشهر. ويتولى حالياً رعاية أبرشية حمص للسريان الكاثوليك، التي تضم نحو 75 ألف مسيحي، وفقاً لما أورده تقرير «آسيا نيوز».