قناة عشتار الفضائية
 

لغات الأناجيل الأصلية.. اليونانية لغة التدوين والآرامية لغة المسيح اليومية

 

كُتبت الأناجيل الأربعة المعتمدة في العهد الجديد باللغة اليونانية القديمة، فيما كانت الآرامية اللغة الأكثر استخداماً في حياة السيد المسيح اليومية، إلى جانب حضور العبرية واليونانية في البيئة الدينية والاجتماعية لفلسطين خلال القرن الأول الميلادي.

عشتارتيفي كوم – تقرير خاص

 

تُعد مسألة اللغات التي كُتبت بها الأناجيل من الموضوعات المهمة في الدراسات الكتابية والتاريخ المسيحي، لما تحمله من ارتباط بتاريخ النصوص المقدسة، والبيئة اللغوية التي عاش فيها السيد المسيح وتلاميذه، والظروف التي انتقلت من خلالها تعاليمه إلى الأجيال الأولى من المسيحيين.

وعلى الرغم من أن المسيح كان يتحدث الآرامية بصورة أساسية في حياته اليومية وتعاليمه بين أبناء مجتمعه، فإن الأناجيل الأربعة المعتمدة في العهد الجديد، وهي إنجيل متى ومرقس ولوقا ويوحنا، وصلت إلينا باللغة اليونانية، وتعد اليونانية الكوينية (Koine Greek)، أي اليونانية الشائعة في العالم الهلنستي آنذاك، لغة تدوينها الأصلية وفق الرأي الأكاديمي السائد.

ويقتضي فهم هذه المسألة التمييز بين لغة الحديث والتعليم في فلسطين خلال القرن الأول الميلادي، ولغة تدوين النصوص الإنجيلية التي انتشرت بين الجماعات المسيحية في مناطق مختلفة من الإمبراطورية الرومانية.

 

أولاً: اليونانية الكوينية.. لغة تدوين الأناجيل الأربعة

كُتبت الأناجيل الأربعة المعروفة بأسمائها التقليدية: متى ومرقس ولوقا ويوحنا، باللغة اليونانية الكوينية، وهي الصيغة الشائعة من اللغة اليونانية التي كانت مستخدمة على نطاق واسع في شرق البحر المتوسط خلال العصر الروماني.

وكانت اليونانية آنذاك لغة مهمة للتواصل والتجارة والثقافة والإدارة في مناطق واسعة من الإمبراطورية الرومانية، الأمر الذي جعلها وسيلة مناسبة لنقل الرسالة المسيحية إلى جماعات متعددة اللغات والخلفيات.

وقد ساعد تدوين الأناجيل باللغة اليونانية على انتشارها خارج البيئة اليهودية في فلسطين، ووصولها إلى المجتمعات المسيحية الناشئة في آسيا الصغرى واليونان وروما ومناطق أخرى.

وتشير الدراسات الكتابية إلى أن النصوص اليونانية القديمة هي الأساس النصي الذي اعتمدت عليه الترجمات اللاحقة للأناجيل إلى السريانية واللاتينية والقبطية وغيرها من اللغات.

 

ثانياً: الآرامية.. لغة السيد المسيح وتلاميذه

كانت الآرامية، ولا سيما اللهجة الآرامية الفلسطينية، اللغة الأكثر استخداماً في الحياة اليومية بين قطاعات واسعة من سكان فلسطين خلال القرن الأول الميلادي، ويُرجح أنها كانت اللغة الأساسية التي استخدمها السيد المسيح في مخاطبة الناس وتعليم تلاميذه.

 

وتظهر آثار هذه اللغة بوضوح في الأناجيل اليونانية من خلال كلمات وعبارات آرامية احتفظ بها النص كما نُطقت، ثم أورد الإنجيليون معناها باللغة اليونانية.

ومن أبرز الأمثلة:

  • «طليثا قومي» (Talitha koum): وردت في إنجيل مرقس، الإصحاح الخامس، الآية 41، ومعناها «يا صبية، قومي».
  • «أفثا» (Ephphatha): وردت في إنجيل مرقس، الإصحاح السابع، الآية 34، ومعناها «انفتح».
  • «إيلي، إيلي، لما شبقتني» (Eli, Eli, lema sabachthani): وردت في إنجيل متى، الإصحاح السابع والعشرين، الآية 46، وتعني «إلهي، إلهي، لماذا تركتني؟».
  • «أبا» (Abba): تعبير آرامي يعني «الأب»، وقد ورد في إنجيل مرقس، الإصحاح الرابع عشر، الآية 36.

وتكشف هذه التعبيرات عن حضور اللغة الآرامية في البيئة التي نشأت فيها التعاليم المسيحية الأولى، كما تساعد الباحثين على فهم الخلفية اللغوية والثقافية لبعض أقوال المسيح الواردة في الأناجيل.

ومع ذلك، فإن وجود كلمات آرامية في النصوص اليونانية لا يعني أن الأناجيل الأربعة دُوّنت أصلاً باللغة الآرامية، بل يدل على احتفاظ النصوص ببعض العبارات التي قيلت بهذه اللغة.

 

ثالثاً: العبرية.. لغة النصوص المقدسة والتقاليد الدينية اليهودية

كانت العبرية حاضرة بقوة في الحياة الدينية اليهودية خلال زمن المسيح، ولا سيما في قراءة النصوص المقدسة والتقاليد المرتبطة بالكنيس والعبادة.

وعلى الرغم من انتشار الآرامية في الحديث اليومي، ظلت العبرية لغة مهمة في دراسة الشريعة والكتابات الدينية والصلوات.

كما تظهر في الأناجيل إشارات إلى تعبيرات وأسماء ذات أصل عبري، فضلاً عن اقتباسات عديدة من أسفار العهد القديم، التي كان نصها متداولاً بالعبرية، إلى جانب الترجمة اليونانية المعروفة بالسبعينية.

ويشير هذا التداخل إلى أن البيئة الدينية التي نشأ فيها المسيح وتلاميذه لم تكن أحادية اللغة، بل شهدت استخدام أكثر من لغة بحسب السياق الديني والاجتماعي والثقافي.

 

رابعاً: هل كُتب إنجيل متى أصلاً باللغة الآرامية أو العبرية؟

تُعد مسألة اللغة الأصلية لإنجيل متى من أكثر المسائل التي أثارت نقاشاً بين الباحثين والكتّاب المسيحيين منذ القرون الأولى.

فقد نقل المؤرخ الكنسي أوسابيوس القيصري عن بابياس تقليداً قديماً يفيد بأن متى جمع أقوال المسيح باللغة العبرية، وأن كل شخص ترجمها بحسب قدرته. كما أشار عدد من آباء الكنيسة الأوائل إلى تقليد يربط إنجيل متى بلغة اليهود.

غير أن الدراسات الحديثة تميز بين هذه الشهادات الكنسية القديمة وبين النص اليوناني لإنجيل متى الذي وصل إلينا.

ويرى الاتجاه الأكاديمي السائد أن إنجيل متى بصيغته المعروفة كُتب باللغة اليونانية، مستنداً إلى علاقته الأدبية بإنجيل مرقس، وإلى خصائص النص وبنيته اللغوية.

ولا يزال النقاش قائماً بشأن طبيعة المواد والتقاليد التي اعتمد عليها متى، وما إذا كانت بعض هذه المصادر قد انتقلت إليه شفهياً أو كتابياً باللغة الآرامية أو العبرية.

وبذلك، لا يمكن اعتبار وجود تقليد كنسي قديم عن نص عبري لمتى دليلاً حاسماً على أن النسخة اليونانية الحالية ترجمة مباشرة عن أصل آرامي أو عبري.

 

خامساً: السريانية.. لغة التراث المسيحي الشرقي وترجمة الأناجيل

تحتل اللغة السريانية مكانة بارزة في تاريخ المسيحية الشرقية، فهي إحدى أهم اللغات الأدبية والكنسية التي انتشرت في بلاد ما بين النهرين وسوريا والمناطق الشرقية، وأصبحت لغة أساسية في العبادة واللاهوت والتعليم الكنسي.

والسريانية هي صيغة أدبية من اللغة الآرامية، تطورت في بيئة مدينة الرها ومناطقها، ثم أصبحت لغة ثقافية ودينية واسعة الانتشار بين المسيحيين الشرقيين.

وقد أدت دوراً محورياً في نقل النصوص المسيحية، ولا سيما الأناجيل، إلى المجتمعات الناطقة بها، وأسهمت في تكوين تراث كتابي ولاهوتي غني لدى كنيسة المشرق والكنائس السريانية الأخرى.

ومن أبرز المحطات في تاريخ الكتاب المقدس السرياني ترجمة «البشيطتا» (Peshitta)، وهي النسخة السريانية التي أصبحت النص الكتابي المعتمد في عدد من الكنائس السريانية الشرقية والغربية.

وتحتل البشيطتا مكانة خاصة في تاريخ كنيسة المشرق الآشورية والكنيسة الكلدانية الكاثوليكية، فضلاً عن الكنائس السريانية الأخرى، إذ شكلت أساساً للقراءة الليتورجية والتعليم الديني والتفسير الكتابي.

ومن المهم الإشارة إلى أن البشيطتا ليست اللغة الأصلية للأناجيل الأربعة، بل هي نص سرياني انتقل من خلاله الإنجيل إلى المجتمعات المسيحية الناطقة بالسريانية، اعتماداً على تقاليد نصية أقدم.

 

سادساً: اللاتينية والقبطية.. انتقال الأناجيل إلى لغات الكنائس القديمة

مع انتشار المسيحية في مناطق الإمبراطورية الرومانية وخارجها، ظهرت ترجمات مبكرة للأناجيل إلى لغات أخرى، من بينها اللاتينية والقبطية.

فقد انتشرت الترجمات اللاتينية بين المسيحيين في غرب الإمبراطورية الرومانية، وأصبحت لاحقاً أساساً لتاريخ الكتاب المقدس في الكنيسة الغربية، ولا سيما مع ترجمة القديس جيروم المعروفة باسم «الفولغاتا» (Vulgate).

أما اللغة القبطية، فقد أدت دوراً مهماً في نقل النصوص الإنجيلية إلى المسيحيين في مصر، وظهرت لها لهجات كتابية متعددة، من بينها الصعيدية والبحيرية.

وتعكس هذه الترجمات اتساع انتشار المسيحية وتكيف النصوص الكتابية مع اللغات المحلية للجماعات المسيحية في الشرق والغرب.

 

لغات الإنجيل.. بين لغة المسيح ولغة تدوين النص

توضح دراسة اللغات التي ارتبطت بالأناجيل أن تاريخ النص المسيحي الأول تشكل في بيئة متعددة اللغات؛ فالآرامية كانت اللغة اليومية الأبرز في حياة المسيح، والعبرية حاضرة في التراث الديني اليهودي، فيما أصبحت اليونانية لغة تدوين الأناجيل الأربعة وانتشارها الواسع.

أما السريانية، فقد احتلت مكانة أساسية في تاريخ المسيحية الشرقية، وأسهمت في حفظ النصوص المقدسة ونقلها إلى أجيال من المؤمنين في بلاد ما بين النهرين والشرق.

وهكذا، فإن الحديث عن لغات الإنجيل لا يتعلق بمجرد اختلاف لغوي، بل يكشف عن مسار تاريخي وثقافي طويل انتقلت من خلاله رسالة المسيح من بيئتها الفلسطينية الأولى إلى شعوب وثقافات متعددة، وأسهمت فيه اللغة السريانية بدور بارز في تشكيل هوية الكنائس الشرقية وتراثها الروحي والفكري.