|
كِذبات الأم المُحِبة
كنت طفلا من عائلة فقيرة وكان والدي مريضا طريح الفراش، لا يتوفر الطعام في بيتنا .وعندما يحين وقت الطعام غالبا ما كانت والدتي تعطيني حصتها وتضعه في صحني، وتقول لي :" كُل يا ولدي العزيز فانا لست جائعة "وهذه كانت كذبة أمي الأولى . كنت انمو وأكبر بفضل كفاح والدتي المثابرة ، اراها تذهب الى نهر قريب لتصطاد بعض السمك وتأتي به الى المنزل تنظفه وتطبخه وتقدمه لي أقول لها :" يا ماما كلي انت ايضا معي " تجاوبني :" يا إبني أنا لا يعجبني السمك . ولكن بعد إنتهائي من الأكل كانت والدتي تأكل في الخفية لحم السمك القليل الباقي مع العظام .. وهذه كانت كذبة أمي الثانية . كبرت واصبحت في مرحلة الثانوية للدراسة ، فاحتجت لبعض المال لشراء الكتب . كانت والدتي تعرف الخياطة ، وفي ليلة من ليالي الشتاء القارصة ، إستيقظت من نومي لأرى أمي مشغولة بخياطة بعض الملابس لتبيعها وتجلب لي ثمنها رأيتها تخيط متعبة وقد إستولى عليها النعاس ، على ضوء شمعة صغيرة جدا . فقلت لها :" يا أمي إذهبي للنوم الوقت متأخر ثم أكملي عملك غدا في الصباح. ترد علي لتقول :" أنا لست متعبة نم انت يا حبيبي " . وهذه كانت الكذبة الثالثة لأمي . أثناء الإمتحانات النهائية إسترخصت والدتي من مدير عملها لترافقني فإنتظرتني خارج المدرسة عدة ساعات وكان الحر شديدا لا يطاق .وعندما دق الجرس علامة إنتهاء الأمتحان ، رايت والدتي مسرعة نحوي وبيدها قدح كبير من الماء البارد لم يكن القدح كبيرا بقدر كبر حب أمي لي .إقتربت مني فرأيت وجهها يتصبب عرقا من الحر الشديد فقلت لها :"إشربي انت الماء يا أمي .قالت :" يا حبيبي أنا لست عطشانة ، إشربه انت " . وهذه كانت الكذبة الرابعة لوالدتي . عند وفاة والدي بسبب مرضه ، لم يمر يوما واحدا بدون معاناة وألم ، كانت حالتنا تسير من سيء الى أسوء . وكان لي عمّ قريب يأتي بين الحين والآخر ليتفقدنا ويساعدنا بما يستطيع . كان الجيران والأصدقاء من حولنا ينصحون والدتي بالزواج ، لكنها كانت ترفض نصائحهم ولا تبالي بها قائلة :" إنني لا أحتاج الى الحب ، حب إبني يكفيني " . وهذه كانت الكذبة الخامسة لوالدتي . بعد إنتهائي من الدراسة وحصولي على عمل بعيدا عن مسكني ، كان الوقت مناسبا لوالدتي أن تأخذ قسطا من الراحة لكنها رفضت أن تعتمد على غيرها، فكانت تذهب الى السوق وتبيع الخضار التي كانت تزرعها بيدها وكانت حريصة على عمل ذلك كي تحصل على قليل من المال لتلبية إحتاجاتها . كنت غالبا ما أرسل لها قسم من المال لمساعدتها لكنها كانت ترفضه وترجع النقود الي قائلة " يا إبني المال الذي احصل عليه يكفيني " وهذه كانت الكذبة السادسة لأمي . بعد تخرجي وحصولي على شهادة الدبلوم، أكملت دراستي وحصلت على شهادة الماجستير بمساعدة إحدى الشركات ، اذ حصلت منها على منحة دراسية في إحدى الجامعات المشهورة في ألولايات المتحدة ، في الأخير عملت في نفس الشركة براتب لاباس به فأردت أن آخذ والدتي معي لتعيش معي في أمريكا وتتمتع في ما بقي لها من الحياة ، ولكنها لم تشأ ان تضايقني فكانت تقول :" يا إبني أمريكا لا توالمني في شيخوختي وانا لسيت متعودة للعيش فيها انا هنا مرتاحة . وكانت هذه الكذبة السابعة لأمي . بعد تقدم والدتي في السن أصيبت بمرض عظال وانا بعيد عنها ، فذهبت لزيارتها ، رايتها متمددة على سرير في إحدى ردهات المستشفى ، ضعيفة جدا نحيلة القوى وقد اتعبها المرض كثيرا . ألّمي منظرها جدا وكادت الدموع تنهمر على خدي ، رأتني رغم آلآمها المبرحة رسمت إبتسامة حب على وجهها وقبلتني بحرارة ،فقلت لها :" كيف حالك يا ماما وكيف تشعرين "؟! ردت علي بصعوبة : "أنا جيدة يا عزيزي ولا يؤلمني شيء ،المهم انت يا إبني هل انت بخير؟ " وكانت هذه الكذبة الثامنة والأخيرة لوالدتي الحبيبة . وعند إنتائها من الإستفسار عن صحتي قلت لها :"انا مرتاح يامي العزيزة" فاطمأنت وإبتسمت وأغمضت عيونها الى الأبد . أم رائعة كذباتها مقدسة ، يا ليت كل أم تكون مثيلها وعلى قول المسيح :"ما من حب أعظم من هذا أن يضحّي الأنسان بنفسه في سبيل أحبائه. "يو15: 13 هكذا ضحت أمهاتنا من أجلنا ولن نعرف قيمتهن إلا عندما نفقدهن .. ليس عبثا اوصانا الله بإكرام الوالدين :" اكرم اباك وأمك لتطول ايامك" .ومهما عملنا وعوضنا لن نرد إلا جزء قليلا من حب أمهاتنا لنا .
ترجمة وتعليق ألأب جبرائيل شمامي |