|
عمّة زكية
بقلم: يوسف العاني
في مسار الحركة الوطنية كنت واحداً من الباحثين عن كثيرين تأتينا اخبارهم دون ان نلتقي بهم، فجدران السجون قد عزلتهم عنا، ولكنني كنت ابحث بفضول كبير لمعرفة المناضلات الباسلات الامهات والاخوات حتى صغيرات السن اللاتي يواجهن السجن وهن في بداية اعمارهن، وكنت اسمع باسمها حسب، لكن إحساسا عميقا يدفعني لان اعرفها ذات يوم بل اسعد بوجودها رفيقة واختاً كريمة، بعد ثورة 14 تموز 1958، نشطت فرقتنا "المسرح الحديث" واتسع نشاطها لتكون الاذاعة واحدة من المنابر التي نستطيع من خلالها الوصول الى "المستمع" وليس المشاهد فحسب وان يكون المجال او ميدان العمل لاوسع الجماهير، وعرفنا ان شرائح كبيرة من الشعب العراقي لاسيما المناطق البعيدة عن المدن "المسرح" من حيث الظرف الذي يكون فيه المتلقي، وان فرقتنا المسرحية بحاجة الى كادر هو من ذاك الوسط الذي نبغي الاقتراب منه وان عدداً منهم مبدعون لديهم امكانيات فنية وفكرية كي تصل اصواتهم ونوصل الرسالة التي نريدها لهم. بالصدفة كنت في اذاعة بغداد وكانت هناك مجموعة من الفتيات يقدمن برنامج عن المرأة ، وقفت على طرف استمع اليهن واراقبهن بحمية واعتزاز واذا بزكية امامي واحدة منهن تقف امام المايكروفون ، وهي تضحك لانها هكذا وبعد سنوات طويلة من العزلة والبعد تجد نفسها تخاطب "الجماهير" الواسعة عبر قطعة الحديد هذه. "المايكروفون"، انتهى تسجيل البرنامج واذا بي اتقدم اليها واناديها "زكية هاي انتي وين؟" التفتت الي وقالت بفرح "يا....هذا استاذ يوسف "، ولم يطل اللقاء الا دقائق معدودة لتكون زكية عضوة في فرقتنا تشارك المجموعة التي تقدم التمثيليات الاذاعية الموجهة الى الفلاحين والمنتزعة من مشاكلهم وقضاياهم المتعددة، بل راحت تكتب نصوصاً لهم مع المجموعة التي معها وتندمج معنا في الفرقة لتصبح وبكل جدارة عنصراً قيادياً في فرقة المسرح الحديث ثم فرقة المسرح الفني الحديث . زكية خليفة التي صارت ممثلة في الفرقة تستمع لما يقال لها من ملاحظات وهي تردد باعتزاز انها تريد ان تتعلم، وكانت في ذات الوقت تعلم الاخريات والاخرين، انموذجا للإخلاص والحرص ونسياناً للمنافع الذاتية المجردة بل كانت قدوة وعنصراً قياديا عبر العمل وليس بالحديث وحده الذي كثيرا ما يردده غيرها دون دليل او تطبيق . منطلق زكية مصلحة الفرقة ودورها في تقديم ما يأخذ بيد الناس نحو الخير والصدق وبناء الانسان ، وهكذا راحت تعمل في المسرح ثم السينما وهي تحسب بل تؤكد على ان الفن واجهة نضالية مؤثرة لكن بصيغة تبعد عن الصيغ السياسية المباشرة، وهذه المسؤولية هي التزام كبير وصعب لكنه مفخرة لمن يستطيع ان يثبت جدارة وابداعاً، وفي هذا المعنى راحت زكية تعمل بجد متحملة اعباءً ومجهوداً بتعب يتجاوز قدراتها الصحية وظروفها الخاصة لتثبت للاخرين ان المعاناة هنا سعادة لايمكن الحصول عليها الا بالإبداع والإجادة، وراحت ايضا "تربي" من هن اصغر منها سناً منطلقة اولا وقبل كل شيء من تقديس العمل وتعميق الاحساس بالمسؤولية وتادية دورها كانسانة ثم رائدة ومناضلة في كل موقع تكون. "عمة زكية" اكتسبت هذا اللقب لا بأمر اداري او منحة من فوق بل من اعماق ومشاعر الذين عرفوها صغاراً وشباباً وكباراً من اللاتي عرفنها او اللذين عملوا معها او تعرفوا عليها ، وهي رغم ذالك القرب الحميمي للناس تضل او ضلت في الضل الا حين يتطلب عملها الظهور المناسب او الحضور الحيوي الذي لا تستطيع إلا ان تعجب به وتتأمله بمحبة حد العشق. عمة زكية يطول الحديث عنها انسانة ومناضلة وفنانة وما هذه الكلمات التي جاءت مني متاخرة الا لون من الوفاء لها عبر خمسين عاماً كنا معاً عن قرب وعن بعد اصدقاء محبة وعمل ورفاق درب سعدنا بمعاناته وصعوباته ورسمنا للغير صوراً تستأهل الاعتزاز منا اولا ثم من قبل الاخرين و"عمة زكية" هي الوجه والكيان الكبير فيه، اطال الله عمرها وابقاها ذخراً للعراق كله.
|