|
الوحدة الثانية "الحبل البتولي" لمريم "الدائمة البتولية"
من منطلق ما سبق – في الوحدة الأولى – من ان العقيدة المسيحية تذهب الى ابعد من ذلك، بتعليمها الذي يؤكد ان : "مريم دائمة البتولية". اي ان مريم حفظت دائماً ابداً سلامتها الجسدية التي كانت لها لما حملت المسيح. وهذه ايضاً عقيدة تقليدية عُرفت منذ مجمع أفسس عام 431م، ولكنها ظهرت وحددت في المجمع القسطنطيني الثاني (المسكوني الخامس) عام 553م. والذي ينص في قانونه الثاني: "اذا لم يعترف احد بميلادَي ابن الله: الأول من الآب قبل الدهور وهو ميلاد لا زمني ولا جسدي، والاخر "في الايام الاخيرة" وهو ميلاد الذي نزل من السماء وتجسد في مريم القديسة المجيدة، ام الله، الدائمة البتولية، وولد منها، فليكن ملعوناً". و"دائمة البتولية" يعني ما يلي:- أ- "الحبل البتولي" : وهو غير "الحبل بلا دنس" – كما أسلفنا في الوحدة الأولى – لأن مريم حملت كلمة الله حملاً بتولياً : من غير مؤازرة بشرية، اي من غير زرع رجل، ولكن من الروح القدس. والروح القدس لا يُعّد "العنصر الذكري" الذي يقوم مقام الرجل في هذا الحمل، اي ان يسوع ليس ابن الروح القدس. وهذا ما يؤكده لنا تعليم "اخبار الطفولة" في انجيلي متى ولوقا. فالانجيلي لوقا ينظر الى "دعوة مريم" عندما أجابت الملاك الذي بشرها بالولادة : "كيف يكون هذا وانا لا اعرف رجلاً" (لوقا1 : 34). وواصل الملاك كلامه : "ان الروح القدس يحلّ عليكِ وقوة العلي تظللكِ" (الآية 35). فالبلاغ هو هو : ستحمل مريم، لا من يوسف، بل من الروح القدس. فالروح القدس، بوصفه "المبدأ" الخالق للعالم الأول (تكوين1 : 2) وللعالم الجديد، سيحقق خلقاً جديداً . . . بل يحقق المستحيل. فالكلام على هذا الحمل البتولي : "بمعزل عن السر الذي يغمره، هو تشويهه تماماً وجعله لوناً من الحمل من غير لقاح"، هذا ما يعبر عنه الآب اوغسطين دوبره لاتور (خلاصة اللاهوت المريمي). فكل التصورات الجسدية والجنسية - التي يتهم بها بعضهم المسيحية – لاغية وباطلة، لا أساس لها، بل ولا معنى لها على الأطلاق. فنحن تجاه حقيقة ايمانية، تدرك بأعين الايمان. وفي سبيل فهم ذلك فهماً صائباً يليق بسر الله وأميناً للوحي، وجب علينا تطهير هذه "الإلادة" من مدلولها البشري الجسدي الزمني لترتقي الى مدلولها الإلهي. اي لا معنى لأشتراط علاقة بين عنصر ذكري وعنصر انثوي في إلادة الآب ابنه. لأن الآب يتعالى على الزمان، يتعالى على المكان، يتعالى على التمييز بين الذكر والانثى، لأنه خلق الذكر والانثى على صورته كمثاله (تكوين1 : 26). اي انه : "واحد ويجمع في كيانه العنصرين، ما خلقه اثنين، يجمع بين الأبوة والأمومة"، على حد قول الآب د.فاضل سيداروس اليسوعي (سر الله الثالوث-الأحد). ب- بقيت مريم "عذراء" بعد الولادة : اي لم تلد اولاداً، لا بعد ولادتها ليسوع فحسب، بل لم يقم وصال بينها وبين رجل. ولتوضيح ذلك، ننطلق من الانجيلي متى الذي ينظر الى "دعوة يوسف" : فيوسف أطاع الملاك، بعد ان طلب منه الملاك في الحلم ان يأتي بمريم زوجة له في بيته، ولكنه : "لم يعرفها حتى ولدت ابنها البكر" (متى1 : 25). ولكن ماذا بعد ذلك ... !؟ هذا ما يطرحه البعض من جدال وأعتراض . . . بأن مريم لم تبق عذراء ولم تحفظ البتولية، بدليل ذكر "إخوة يسوع" الذي ورد عدة مرات في الاناجيل. ولكن آباء الكنيسة أكدوا دوماً بتولية مريم الدائمة، وهم شهود لتقليد قديم مثل : أكليمنضس الاسكندري، وأوريجينس، وأوسابيوس القيصري؛ وهم يرون بأن ما ذكر عن "إخوة يسوع" في الاناجيل، انما قد يعود الى اولاد زواج اول عقده يوسف. اما القديس إيرونيموس فقد فَنَدَ هذه المزاعم، مبيناً ان القديس يوسف كان بتولاً وغير متزوج. وبأثباته لحقيقة ان كلمة "أخ" في العبرية والآرامية قد تدل، لا على الأخ باللحم والدم فحسب، بل على احد الأقرباء. لأنه لم يكن في اللغات السامية القديمة – لفظة خصوصية كما في لغتنا اليوم – للدلالة على "ابن الخال أو ابن العم أو ابن العمة أو ابن الخالة"؛ وهؤلاء جميعهم يُعّدون إخوة، لأنهم كانوا يعيشون معاً في اسرة واحدة. وهذا هو أهم تفسير، ولكنه ليس برهاناً قاطعاً. وقيمة هذا التفسير تكمن في انه يقيم أساساً للتقليد القديم جداً، الذي يكرم مريم بأنها بتول دائماً ابداً. ج- كانت مريم "عذراء" في الولادة : وهذه تتضمن معنيان : المعنى المادي : وهو العلامة المادية للبتولية، اي ان ولادة مريم حدثت من غير ألم ومن غير تمزيق غشاء البكارة. فهي اذاً ولادة عجيبة بالمعنى الحقيقي، وقد أتت هذه الفكرة وشاعت، عند الآباء القديسين، ومن المؤلفات المنحولة. المعنى الثاني هو المعنى الروحي : ويراد بذلك القول ان مريم سَلَّمَتْ شخصها لعمل الروح القدس كي تحبل من بيسوع الله الكلمة، اي قداستها في امومتها الإلهية. بحيث لم تفقد امومتها كرامة بتوليتها، بل كرستها. ونجد هذا من خلال ما قاله الآباء القديسون منذ أواخر القرن الرابع، من ان يسوع لم يفضّ بكارة امه، بل ختمها ختماً لأنه حفظ ملكاً لنفسه هذه المرأة التي حملته تسعة أشهر. وهكذا بقيت رحم مريم "مختومة"، كما ان حجر القبر – وهورحم أخرى – حفظ أختامه قبل تَدَخُلْ الملاك، فأثبت ان القبر كان فارغاً. (للمقال صلة) الوحدة الثالثة "صورة مريم في القرآن الكريم"
نبيل جميل سليمان الشيخان - بيبوزي
|