الكتابة والرسم في الاعلام الآشوري

 

سألني أخ وزميل لرابطة الكتّاب والادباء الآشوريين, حول ما ورد في التعريف بشعار الرابطة وكيف انه قلنا "رسم جداري يمثل كاتبان آشوريان احدهما يكتب على رقعة جلدية والاخر على لوح طيني", في الوقت الذي يقول
 الدكتور ( ..... ), والدكتور(..... ), في كتابهما ( آرامية العهد القديم قواعد ونصوص) يقولان عن نفس الرسم ( الرسم الجداري لكاتبين آشوري وارامي... بعد التوغل الارامي استعان الآشوريون بالاراميين لكي يقوموا بتعليمهم
 الخط الجديد...)

 

      

وللاجابة عن سؤالك اخي الكريم, لا بد من اقول فتحت باباً كبيراً امام معتنقي الآشورية كحضارة وقومية. وأمام دعاة تزييف التاريخ والواقع الآشوري, تارة بحجة المذهب الكنسي, واخرى بحجة الحمية القومية, وثالثة لاسباب
 سياسية ..الخ.

       فعندما تعَرف ان الدكتور ( ..... ) الاول, كان قسّاً أو ما شابه في احدى الكنائس المشرقية, والواقعة سابقاً الى الغرب من الفرات! وانه من دعاة الارامية. ولانه وحسب الدارج غير العلمي, يفترض وجود ارامية قديمة ولاحاطتها بالغموض الذي يستر على النوايا يسمونها بالسامية, وينصبونها أماً للغات المنطقة. وان السريانية, والتي قد أرتبط اسمها بالكنيسة السورية ومنذ الجيل الرابع للميلاد. وعلى اساس هذه الدعوة تكون (السريانية) الحفيدة الجليلة والمبجلة لهذه الارامية المفترضة. وبهذه الطريقة ينؤون بانفسهم عن الآشوريين لانهم على خلاف مذهبهم الكنسي!! 

قلنا "المفترضة" لان جل المفردات المعتمدة قيد الدرس, على اساس اراميتها, سيجدها القارئ في القاموس الاكدي (الآشوري – البابلي), بالاضافة الى القاموس العربي. من هنا فان كانت الاكدية / (الآشورية - البابلية) ارامية لماذا لم  يسميها اصحابها آرامية ودون احراج . وان كانت العربية الجزيرية ارامية او سامية كان على العرب تسميتها هي الاخرى, سامية وارامية ودون خجل او وجّل...! ولكن شيئا من هذا وذلك لم يحصل وعلى مدى عمر الكتابة في العراق وبلاد الرافدين.

       أخي السائل, وأخي القارئ الكريم, علم الاثار عموماً وعلم الآشوريات والتاريخ الآشوري خصوصاً لا يستقيم, إلا من خلال البحث والتحليل والتأويل المنطقي المستمر – قلنا المنطقي لان غير المنطقي سينكشف بسرعة - كما انه لا يخلو من المفاجئات والاستكشافات المستمرة!

       إن إثارة هذا الموضوع بهذا الشكل المقتضب ومدى تعلقه بشعار الرابطة, والكاتبان الآشوريان, ومادة الكتابة, الطين أو الجلد أو البردي...ألخ. ومن ثم فرضية كون الذي يكتب على الطين رجلاً آشورياً لمجرد كونه ملتحياً والذي يكتب في الصورة على الجلد ارامياً لمجرد كونه حليقاً. كلها اخصبت ذهنية القارئ وما زالت! وكل حسب ميوله واهوائه وعائديته المذهبية والقومية... ومدى مصداقيته العلمية وموقفه من الآشورية.!

       ولكن علينا ان نتذكر ونحن نتعامل مع الحالة الآشورية, حقيقة كوننا نتعامل مع امبراطورية بحق وحقيقة! ومن هنا فأن حضارة امبراطورية مثل آشور لا تبخل على الباحث عن الحقيقة العلمية واي كانت هذه الحقيقة لها أو عليها. فهناك جواب أو مفتاح أو رأس خيط حتماً, لأية معضلة سياسية أو عسكرية أو اقتصادية, وحتى حضارية وفنية فيما يخص هذه القوة الحضارية المنتشرة على ساحة غير قليلة من العالم القديم. يكون قد تركه احدهم في مكان ما عن قصد أو غير قصد.

هكذا فالمسألة برمتها تتعلق بالزمن, ومدى جدية البحث والباحث نفسه للوصول الى الغاية المنشودة. لأن الآشوريين لشدة اهتمامهم بالمحافظة على انواع المعرفة وجعلها في متناول اليد للاجيال القادمة, يلاحظ انهم كانوا يكتبون تفاصيل الموضوع على واجهة منحوتاتهم البارزة, ومن ثم يقومون بايجاز وكتابة تلك التفاصيل على الظهر. حرصاً منهم لابقاء ذلك الموجز سليماً في حالة تعرض الواجهة لعاديات الزمن.

       وبالعودة الى الرسم الجداري للكاتبين الآشوريين, وما أثير حولهما من تحليل وتأويل بعيد عن الواقع العلمي, بالاعتماد على اللحية ومادة الكتابة, وزمن ظهور هذه الصورة... الخ. فأن هذه الصورة الجدارية والتي عثر عليها في قصر تجلا تبلاس الثالث في تل بارسيب الواقعة في اعالي الفرات, القرن الثامن ق.م. والكاتبان يرتديان الزي الرسمي بالبلاط الملكي الآشوري. لم يتركها الفنان الآشوري ولغزها مطمور معها!

       إذ وبالمقابل تم العثور على منحوته آشورية مشابهة ومن انواع النحت البارز تحديداً, تظهر ضابطان شابان وبالزي العسكري, وهما يكتبان أو يسجلان ويرسمان وقائع المعركة. ولكن هذه المرة على عكس ما شاهدناه في الصورة الاولى, فان الكاتب الملتحي يكتب ويرسم على لفيفة الجلد أو البردي. والاخر نجده يكتب على اللوح الطيني.

 

 

  

       وهنا سقطت نظرية دعاة الآرامية تماماً, من أن الكاتب ذو اللحية الحليقة والذي يكتب على الجلد والبردي لا بد وأن يكون آرامياً وأنه يعلم الآشوريين الكتابة الجديدة وما الى ذلك من الفرضيات المضحكة, بل أن حقيقة الامر كلها ليس لها علاقة بالمظهر الخارجي للكاتب ولا بالمادة, كما ارادوا ان تكون.

وان كل ما يمكن قوله هو ان التوثيق لدى الآشوريين كان عملاً ضرورياً بل ومقدساً, سواء في ساحات المعركة أو باحات المعابد والاسواق التجارية أو في قاعات البلاط الملكي, وكيفية استقبال الوفود الرسمية والهدايا والجزية وما الى ذلك مثل مهرجانات النصر والاعياد والترفيه والرياضة والغناء...الخ.

       وان المواد المستعملة للكتابة عليها وبواسطتها, وان كانت متعددة ولم يصلنا منها الا المكتوب على الصخر والطين المفخور, لان غيرها قد تلف بحكم الزمن ومؤثرات المحيط. وان اللغة المكتوبة آشورية كانت أو غير آشورية, مسمارية كانت أو بحروف مبتكرة لغرض السهولة وبسبب التطور, فهي آشورية في فحواها ومقاصدها في جميع الاحوال. وان الذين كتبوا ذلك وحافظوا عليه هم ابناء دولة آشور. وان المادة المكتوبة قد تكون لاغراض النقل السريع والخفيف. أو قد تكون نوع من الرسومات الميدانية لاحداث دقيقة وآنية الحدوث تستوجب الرسم والتوثيق. وكما هو معروف فان الآشوريين كانوا من السباقين في الحرب الاعلامية والنفسية, فلماذا لا يفترض المفترضون بان الذي يكتب على الجلد أو القماش أو البردي, انه كان يرسم المشاهد ولن يكتب اصلاً, وان تلك الرسومات كانت تتحول الى نقش أو نحت بارز في المعابد والبلاط إحياءاً لما كان قد جرى في ساحات المعارك.

 

 

  عوديشو ملكو آشيثا

رئيس رابطة الكتّاب والادباء الآشوريين