هل أصل الحجاب آشوري ...!!!

 

بقلم: سالم إيليا

 

كُنتُ قد قرأتُ خبراً نَشرتهُ صحيفة عرب 2000 التي تصدر في كندا في العدد (91) لسنة 2003 مفادهُ بأنّ فدوى البستاني المسؤولة بإحدى دور النشر المصرية كانت قد صَرّحت بأنّ كتاب: " قصّة السفور والنُقاب وإختلاط وإنفصال الجنسين عند العرب" للكاتب والباحث الدكتور محمود زناتي أستاذ التاريخ وفلسفة القانون في جامعة أسيوط بمصر قد تصدّر الكتب الأكثر مبيعاً في معرض القاهرة الدولي للكتاب في حينها ، حيثُ تبينَ للباحث بعد دراسته وبحثه لتاريخ النقاب على مرِ العصورِ الى إنهُ ليسَ نظاماً عربياً أو إسلامياً وإنما هو نظاماً ظهر لأول مرّة في بلاد آشور شمالي بلاد ما بين النهرين.

 

لقد أصبح إرتداء الحجاب مثار جدل وإهتمام للباحثين والكتّاب والساسة والعامة من المسلمين وغيرهم على حدٍ سواء خاصة في السنوات الأخيرة بعدَ أن أقدمت الحكومة العلمانية في فرنسا وبرلمانها على (تحريم) كافة أشكال المظاهر الدينية في المدارس الفرنسية ، فمنعت إرتداء الصلبان الكبيرة الظاهرة للمسيحيين وغطاء الرأس لليهود وإرتداء الحجاب للطالبات المسلمات، مما أثار ردود أفعال كبيرة خاصة عند المسلمين تمثلت بالإحتجاجات والمظاهرات التي نُظِـّمت لإفشال هذا القرار.

 

وحيثُ أنّ البحث المقدم من الدكتور محمود زناتي كان قد إعتمد على المصادر والمراجع التاريخية في بيان أصل الحجاب والذي إكتشف من خلالهِ انّ النقاب على المرأة دخيل على الإسلام حسب قول الصحيفة التي نقلت الخبر.

 

ومن خلال بحثي ومتابعتي لبعض المصادر التاريخية ومنها كتاب "العصور القديمة" للدكتور جايمس (جيمس) هنري براستد أستاذ تاريخ الشرق ورئيس دائرة اللغات والعلوم الشرقية في جامعة شيكاغو في الربع الأول من القرن الماضي (1926م) وهو أيضاً تاريخ طبع هذا المصدر المهم(1) والذي كانَ مقرراً للدراسة في المدارس الثانوية في العراق وفلسطين في ذلك الحين .

ذكرَ الدكتور براستد من خلال عرضه لشرائع آشور على أنّ: " كانت الشريعة تحتم على نساء الأشراف والأكابر أن يتخمرّنَ ولا يبرزنَ في الأسواق وبين الجماهير سوافر بلا نـُقـُب . هنا نشأت عادة التحجّب بين النساء وصار لها أهمية عظيمة في بلاد الشرق منذ ُ القديم وحتى الآن " . وحسب قول المؤلف بان شرائع آشور الآصلية كانت (وما تزال) محفوظة في خزانات أقبية المتحف البريطاني منذ ذلك الحين.

ومن خلال هذا الطرح الذي أورده الدكتور جيمس براستد وإعتماداً على الشرائع الآشورية التي عثرَ عليها المنقبون الآثاريون يتبين لنا بان الآشوريين هم:

1- أول من فرض الحجاب على نسائهم.

2ـ أول من أعتبر الحجاب فريضة ملزمة على نساء الأشراف والأكابر دون غيرهنّ من النساء وأدخلوه في شرائعهم.

3- إنّ الغاية من لبس المرأة النبيلة للحجاب لتمييزها على نساء العامة.

 

بعدها إنتقل هذا التقليد من الآشوريين الى الفرس بعد سقوط نينوى سنة (612) ق.م (2) على أيدي الماديين والفرس من جهة والكلدانيين من جهة أخرى ثم إنتقل هذا النظام الى العرب المسلمين .

 

وقد طبّق الدين الإسلامي هذه الشريعة بعد أكثر من 2200 سنة من تطبيقها في بلاد آشور (لأن العمل بشرائع آشور كان سارياً منذ منتصف الألف الثاني قبل الميلاد وعلى الأرجح داوموا على هذه الشرائع حتى عصر الإمبراطورية الآشورية).

 وقد نصّت الآية الكريمة (59) من سورة الأحزاب في القرآن الكريم:

"يأيّها النّبيّ قـُلِ لأزواجِكَ وبنَاتِكَ ونِساءِ المُؤمِنينَ يُدنينَ عَليهِنّ مِن جَلَبيبِهنّ ذلكَ أدنى أن يُعرَفنَ فلا يُؤذَينَ وكانَ اللهُ غفوراً رّحيماً "

ومن نص الآية يظهر لنا بان الغرض من لبس الحجاب هو للتعرّف على نساء النبي والصحابة والمؤمنين وتمييزهنّ عن الإماء(3) وذلك لكي لا يؤذينَ من قِبل بعض الفـُجّار .

أي تمييز الحرائر من النساء عن الإماء وهو مشابهاً لما ورد في الشرائع الآشورية من تمييز نساء الأشراف عن العامة منهنّ .

ومن الملاحظ من الآية الكريمة بأنها لم تتطرق الى إخفاء الشعر حصراً أو الوجه للمرأة ولكن المفسّرين الإسلاميين بعد ذلك شددوا على أهمية إخفاء الشعر تماماً وذهب البعض منهم الى القول: على كل مسلمة أن تغطي سائر جسدها عدا الوجه والكفـّين وتشدّد البعض الآخر من المفسرين وأعتبروا حتى الوجه والكفـّين "عورة" يُفـَضّل تغطيتهم.

 ويؤكد ذلك الطبري حيثُ يقول في تفسيرهِ للآية (59) من سورة الأحزاب : "يقول تعالى ذكره لنبيهِ محمد صلى اللهُ عليهِ وسلّم يا أيها النبي قل لأزواجكَ وبناتكَ ونساء المؤمنين لا يتشبهنّ بالإماء في لباسهنّ إذا خرجنّ من بيوتهنّ لحاجتهنّ فكشفنّ شعورهنّ ووجوههنّ ولكن ليدنين عليهنّ من جلابيبهنّ لئلا يعرض لهنّ فاسق إذا علمَ أنهنّ حرائر بأذى من قول"(4).

أمّا قتادة فيقول: " كانت المملوكة إذا مَرّت تناولوها بالإيذاء ، فنهى الله الحرائر أن يتشبهنّ بالإماء"(5).

كذلك يضيف مجاهد: " يتجلببنّ فيُعلم أنهنّ حرائر فلا يعرض لهنّ فاسق بأذى من قولٍ ولا ريبةٍ "(6) .

أمّا إبن كثير فيخبرنا في تفسيرهِ: " كان فسّاق أهل المدينة يخرجونَ بالليل .... فإذا رأوا المرأة عليها جلباباً قالوا: هذهِ حرّة فكفـّوا عنها ، وإذا رأوا المرأة ليس عليها جلباباً قالوا: هذهِ أمة !! فوثبوا عليها !!! "(7).

 

وقد كانت الأعراف الإجتماعية وحتى الدينية السائدة في بلاد الشرق ومنها العراق تنهي المرأة عن قصّ شعرها وتعتبرهُ من المحرّمات أكثر من إظهار الشعرِ من عدمهِ ، حيثُ تصل عقوبة المرأة التي تقص شعرها الى القتل غسلاً للعار !! كما حدث لآول إمرأة قصّت شعرها في الموصل وبغداد في حوالي الربع الأول من القرن الماضي كما وردنا من أحاديث . ولا تزال في الذاكرة الأغنية البغدادية التراثية : " يا بنيّة بنت البيت كصّت شعرها .... الخ "، في حين نجد الآن من انّ الكثير من المحجّبات يذهبنّ الى الصالونات للتبرج وقصّ شعورهنّ ولهنّ في ذلك أعذارهنّ  مِن إنـّهنّ يفعلن ذلك لأزواجهنّ ، وهذا ليس بعيب على ما أظنُ .

وهنالك الكثيرات من النسوة يتحجّبنّ نتيجة لضغوطٍ إجتماعيةٍ تمارس عليهنّ من أزواجهنّ أو أحد أفراد العائلة من الذكور ولتلافي العقوبات القاسية التي تمارس عليهنّ إذا لم يخضعنّ لهذا الأمر !! .

وفي بعض البلدان الإسلامية  يخضع هذا النظام الى قانون رسمي وعرف إجتماعي قاسٍ ربما لا يمت بصلةٍ للغاية التي سُنّ من أجلها هذا التشريع .

وفي معرض حديثي عن الحجاب ومن ترتديه إستذكرتُ مقالاً كنت قد نشرتهُ في المنتديات الألكترونية كان عنوانه : " ذات الحجاب " عرضتُ فيهِ الموقف النبيل لشابة عراقية محجبة التقيتها في الأردن حال وصولي اليه لأوّل مرة عرضت عليّ المساعدة ريثما أتدبر أمري كغريب .

 

وفي عصرنا هذا عصر التكنلوجيا المتقدمة والعدالة الإجتماعية والقانون الذي يحمي المرأة من الفجّار إذا هم تعرضوا لها وعصر الغاء الرق والعبودية وجميع أشكال التمييز بين النساء الحرائر والإماء والذي سبقنا اليه الدين الإسلامي حين الغى العبودية والفوارق الطبقية ونظام الجواري والإماء ونهى عنهم كما درسنا في المدارس .... أيحق لنا القول بأنّ الغاية من لبس الحجاب قد إستنفذت ؟.... أم إنه لا يزال هنالك ضرورة لتمييز الحرائر عن الجواري والإماء وإذا كانت الغاية منهُ الآن لتمييز المرأة المسلمة عن غيرها من بقية الأديان ، فهل للحجاب ضرورة في بلد نسائهِ كلهنّ مسلمات ؟ .... وهل إذا أراد فاسق أن يتعرّض لأي إمرأة سيمنعهُ حجابها من فعل ذلك كما كان في السابق وهل سيكون الحجاب أقوى من القانون لردع الفـُجّار أم العكس ؟ ..... إذ انّ الصحف المحلّية في البلدان التي يُكثر فيها لبس النقاب تخرج علينا كل يوم تقريباً بقصة في إنتحال أحد الشباب شخصية منقّـّبة للدخول الى حرمات البيوت مستغلاً تحاشي رجال الدار في التدقيق والنظر للتأكد من شخصية الطارق وإفساح الطريق بالسرعة الممكنة للـ (منقـّبة) للتواري عنهم لينفرد منتحل الصفة بعد ذلك بحبيبته في مخدعها وفي عقر دارها على أساس إنها إحدى الصديقات جاءت لتزورها !! وغير ذلك من الجرائم التي يُستغل فيها النقاب لإخفاء الشخصية .

 

فتحية الى كل مَن ترتدي الحجاب والنقاب إيماناً وقناعة ً وعفـّة ً.

 وتحية مضاعفة  الى كلّ حرة تقاوم تعسف الرجال وتسلطهم بفرضهم الحجاب أو غيره عليها ، فلقد كانت الغاية من إرتداءه لتمييز الحرائر عن الإماء وليس لسلب الحرائر حريتهم في إختيار ما يناسبهنّ من أزياء .

 

 

الهوامش :

 

(1) سأتطرق في مقال لاحق الى هذا المصدر الذي أحتفظ بنسخة منه طُبعَت سنة 1926م.

(2) يعتقد بعض الباحثين والمؤرخين بانّ سقوط نينوى كان سنة (606) ق.م وهذا غير صحيح ، حيث وجِدَ لوح عن التاريخ البابلي محفوظ في المتحف البريطاني الآن يبين جلياً الفترة التاريخية المحصورة بين (616) ق.م – (609) ق.م .

(3) الإماء: ومفردها الأمة أي الخادمة والمملوكة .

(4) راجع تفسير الطبري 45/22 .

(5) ، (6) راجع تفسير الطبري للآية (59) من سورة الأحزاب .

(7) راجع إبن كثير : 855/3 .