|
ذهبت الإمبراطورية العظيمة وبقيت لنا حكمة أخيقار
بادئ ذي بدء
بعيداً عن نفيخ القربة، حضارتنا سيدة حزينة نبث شجونها في الاتجاهات الأربعة كل حين، بعد ان كان تاريخنا منبعاً لا ينضب من الانجازات، عدداً او إعدادا، عجباً أو إعجاباً. قد تفقد هذه الحضارات لقاحها الساحر ونبضها في الحياة ان كانت شرايين ورثتها مغلقة بفعل التنافر الذي يحلًَ ضيفاً ثقيلاً على صدر التكامل، التنافر الذي يعمل على زيادة منسوب الاحتقان من خلال الترويج لنظريات التصادم، بقصد او بجهل، والعمل على عسكرة العاطفة ضمن مآرب خاصة، لتخدم مخاض انشطار وانفصال مشحون بجو خصب للكراهية، وبالتالي نفي الحضارة من خلال التشويش على لبنتها الأساسية، الإنسان. ممارسة عملية هدم الحضارة باتت تحدث بوسائل ملوثة مختلفة، من دون المساس بالحجر الشامخ منذ آلاف السنين، فاللهو بالنفخ في جسد الفتنة قبل سلخها، ينبئ بكارثة التصحر في القاموس الحضاري للتآخي. ان اقتصار نظرنا الى واقعنا من خلال ميادين نسف "الآخر" من خلال قوانين فيزياوية تقاد لها وتعمل بجهد على مقابلة كل فعل ومهما كان صغيرا، بِرَد فعل مدمر، لتحويل الاخر المختلف الى شظايا من التمزق والألم، تظهر لنا الكارثة والطامة الكبرى، وتبرز علناً كم " نحن متفرقون على السور، وبعيدون بعضنا عن بعض" ( نح4: 19). زماننا بحاجة الى بويصلات تجمع الحزم المشتتة وتعمل على تحزيم شتات المتناثر والمتنافر لتضيء لنا طريق شعب مسكين مبتلى على أمره بفواتير ضخمة من الإرهاب، ومن هنا الحاجة الى التآخي وإخراج قضيتنا وهمومنا خارج حدود الطاولات المستديرة للكراهية والتعصب، وإفلاتها من أيدي المقامرين على موائد الخراب. حضارتنا بحاجة الى نفاذ دماء فكرية نقية عبر الصمامات القلبية المغلقة وهجرة الشعارات البراقة، الطنانة التي تهبط علينا بمظلات مثقوبة مقطوعة الحبال، تدغدغنا بأفكار فنتازية في واقع غير مشبع. آثار لم تكتشف بعد نحن نؤمن بان أجزاء كبيرة وعظيمة من حضارتنا غير مكتشفة لحد هذه اللحظة، بانتظار المناهج العلمية للعثور عليها بين الحفائر، الكبيرة منها الى الجرارات، والصغيرة الى الغربال والفُرش، ولكن قبل هذا وذاك علينا ان نؤمن بصورة اكبر، ان نجري تلك الحفريات على فكر الانسان، لإخراجه من ديجور ذاته وسجنه وانتشاله من واقعه المر، فلا مفر من اصطدامه بدواخله يوماً، واكتشافه لحالة السكون التي أبرزت معاناة التوقف على الأرجل المتحركة في الهواء، وحينها نقف عند مفترق طرق الذي لا يرحم المتقاعسين، ومن هنا تبرز الحاجة الى التنوير والحكمة والثقافة القادرة على تسليط الضوء للقيام بالتقويم والإصلاح، لغرض هجرة القواميس المتشرنقة، وجعل نوافذ القلب على مصراعيها، مشرعة ليتسلل الضمير نقياً، ليخطف السلبيات ويحرر النفوس الرازحة عميقاً تحت نير القدر القاسي، فتتحرر الطاقات المختزنة في أهدافنا المنشودة، وتجتاز عجلة الحضارة بقوة ابنائها المرحلة الاستاتيكية في السكون، لتبدأ دوران موزون وثابت نحو ثقافة حضارية شاملة قائمة على المتعة في العمل المشترك،المصير المشترك، وحينئذ تفقد بوصلة الكراهية والى غير رجعة، الحث الممغنط المؤثر فيها والذي كان يقودها وأباح لها الانجرار نحو التآكل والاحتقان الداخلي والخارجي والذي حول أشخاص الى أجساد قابلة للاشتعال ضد كل ما يندرج تحت تسمية "آخر". تفاحتنا وتفاحة نيوتن
كأبناء حضارة لنا سلبيات وايجابيات، علينا ان تجاوز الاول بنجاح وتعزيز الثاني بإنصاف، فقد انتهى زمن اصطيافنا على سطح الأشياء دون الغور في أعماقها المخفية التي شتتنا على أعتاب القدر القاسي، لأننا قادرون على تغيير الأفكار السطحية عند المفاصل المهمة التي تعثرت أرجلنا بها مراراً، فذلك من الضروريات الملحة للتخلص من التخلف الفكري الذي يقود الى التقزيم أمام الآخر بسبب الأفكار الضحلة والأهداف القصيرة الأمد التي تكرس الذل، وتعمل باسم التاريخ على تشويه وجه الجغرافيا. لانتشال خطوط الرؤية و أفق العقول من مد وجزر الولاءات العاطفية السطحية، علينا عدم قراءة الاحداث بتخبط وتفسيرها بتسرع او بنحو تبسيطي قائم على الولاءات الضيقة الذي يقود الى الانزلاق في مستنقع الجمود للتعصب الأعمى. ما أكثر الذين يتناولون تفاحتهم بشراهة في الظلام، خوفاً من اكتشاف ما بداخلها من عث! علينا التأمل والتفكر عن كيفية استنطاق التفاحة كنيوتن، لا أكلها، وصرف وقت اكبر في التأمل بها والانتقال من ظواهر الاشياء الى اعماقها، لخلق مجال روحي للفكر والحضارة واكتشاف وخلق ابداع يليق بتميزنا كأبناء أقدم حضارة في العالم، فلا يشع الا الأصيل. وطننا، بيتنا الحضاري، منفى لنا من اشد الامور غرابة، كوننا مغتربون في أرضنا منذ قرون عدة، ومرارا وتكراراً تحول وطننا الى منفى لنا، وزادتنا "الانا" تشدداً وبعداً، ولكن النقطة الأهم والأبرز والتي تعد مقياس نجاحنا، هي نجاحنا في تقديس أرضنا باعتبارها ارض الحوار الإلهي – الإنساني الأولى في أور، والتي شهدت صبا مهد الحضارات، فمهما تبعثرنا فاننا لن نقدم استقالتنا الى السيدة والسيد، دجلة والفرات ويبقى ارتباطنا أقوى بنهري جنة عدن. ما يفصلنا عن تلك الحضارات وأمجادها العريقة في بلاد ما بين النهرين ليست هي المسافات الجغرافية او الزمنية بقدر ماهي مسالة فكر وتفكير. نحن بحاجة الى من يضع يده على جرح الهبوط الفكري ويمنع انزلاقنا الشاقولي اكثر، فنقضي باقي عمرنا كأطفال ممسكين بتلابيب ثياب أمنا، لئلا تهجرنا، ونجد بالمقابل أنفسنا نَحِّنُ لنوطات جنائزية نحييها في مناسباتنا الخاصة لتسكرنا بالأوهام، وتغرقنا في عسل ما مس شفاهنا. بناء الانسان قبل البنى والبنيان حضارتنا لن تنهض وتبنى من جديد، بإنهاك الحبال الصوتية عبر أسلاك المايكروفونات، أو من خلال الركل بالمقالات، تدين طرف بالتشويه في اتهامات لا مكان لها غير رأس حاملها، لترفع شان آخر لا يعرف طريقاً للصعود غير أكتاف الآخرين، ويجيد فقط تقسيم الجروح يميناً وشمالاً. الهابطون عيونهم دوما نحو الأعالي للتسلق، ومن المعيب حقاً ان يكون هذا الصعود على أكتاف بعضنا البعض، فمستقبل رقي أية امة مرتبط ببناء منازل الفكر وحضارة المحبة وليس الى ناطحات الجهل والحقد، مستقبلنا مرتبط بوجود عقول تنويرية متفتحة تبعد عنا شبح الشللية الفكرية وتقود التصالح ما بين "الانا" و"الاخر"، فـ"الانا" لوحدها، لا تصنع مسيرة صاعدة لان اهتماماتها تتحدد آنذاك بالذات فقط.
لاستعادة طفولة ارض وبكر حضارة ويجتاز شهيقها بسلاسة في قصبات وعينا المفتوحة، وتحبل عيوننا بعد عقم تعفى، علينا هجرة طرقنا الملتوية كالأفاعي، في رحلتنا الى القمة وتغيير أفكارنا السطحية عند المفاصل التي فرقتنا وشتتنا في تدحرج نحو الحطام، علينا الاهتمام اكثر ببناء الانسان، ومتى ما تمكنا من بناء الانسان في جو صحي سليم، فاننا نقدر ان نبني حضارة قوامها محبة الاخر. ان تحزيم بويصلات النور عبر منشور نقي يولد لنا طريقاً الى أمجاد الضياء وآنذاك "ابانا الذي في السموات" ( مت 6 : 9 ) لها اثرها الفاعل في مجتمعنا وبين أفرادنا لإسعادهم دنيوياً وآخروياً حسب النهج الالهي المتكامل فطريقها واضح المعالم في التسامح والاعتدال وصقل العقول لغاية تطهيرها من الملوثات الدخيلة الغازية لفكر الإنسان، لان "باني الكل هو الله" (عب3: 4) وقد صدق من قال ( بناء الانسان قبل البنى والبنيان).
اخيقار وزير الملك الاشوري سنحاريب
عودة الى عنوان المقال ومروراً سريعاً على حكمة حكيم البلاط الآشوري، اخيقار، ربيب نعمة آشور ونينوى، كما وصفه الملك سنحاريب الذي قال "يا بني، لقد كنت لي كالشجرة التي قالت للذين اتوا ليقطعوها: لو لم يكن في ايديكم شيء مني (مقبض الفأس) لما أنهلتم علي بالضرب" أي لا يقطع الشجرة الا فرع منها! فهل سنهادن انفسنا بعيدا عن التنافر المتطرد ونُرحِّل متاهات الخلاف الى جادة النقاش الصائب؟ ام والكلام لاخيقار "اعمى العينين افضل من اعمى القلب لان اعمى العينين يتعلم طريقه سريعاً فيسلكه، واما اعمى القلب فانه يحيد عن الطريق المستقيم ويهيم في الصحراء فيتيه في الظلال". فلننقل الحجر مع الرجل الحكيم اينما وجد، فانها افضل من شرب الخمر مع رجل جاهل، وما دمنا منتعلين فلندس على الشوك برجلينا لنمهد الطرق الى بنينا وبني بنينا. وآنذاك اذا جابهنا عدونا بالشر نجابهه بالحكمة، واذا جابهنا بكلمة سوء، ندفنها في الارض على عمق سبع اذرع، والبار لا يتزعزع لان الله معه. الله معنا فلا نتزعزع، فلقد رأى اخيقار عنزة تساق الى المسلخ، ولانه لم يكن اجلها قد حان بعد، فانها عادت الى بيتها ورأت بنيها وبني بنيها! ما قل ودل
حكيم هو النبي سليمان عندما قال "مخافة الرب رأس المعرفة" ( ام 1 : 7 )، فأعمالنا ان لم تكن ضلّ مباركة لحضور الله " فباطلاً يتعب البناؤون" ( مز 127 : 1 )، الدين هو الذي يحافظ على نضارة محصول الانسان من ثمار جناها بعرق جبينه فهو الطريق الى الخير، الأمانة والصدق والنجاح و " اله السماء يعطينا النجاح، ونحن عبيده نقوم ونبني " ( نحميا2: 20 ).
لخلق قدر يذل البكاء على الأطلال، محبتنا لوطننا وحضارتنا يعسر نزعها من أصحاب الحضارة لان الزمن لم يتوقف لحظة فهو يستيقظ من مرحلة السبات من جديد في ارجاء المنطقة والتربة المسقية من عرق ودماء أبنائه والتي عاندته كثيراً فعاندها بجدارة بالمحبة وهذا تفاؤل لم يأتي من الفراغ، لأننا أمام استحقاقات روحية قادمة، فقد حدثنا المسيح مرة عن نبوءة في ثنايا الأزل عن نينوى التي عرفت طريق استرضاء وجه الله، عندما قال "رجال نينوى سيقومون في الدين مع هذا الجيل ويدينونه لانهم تابوا بمناداة يونان. وهوذا اعظم من يونان ههنا"! ( لو 11 : 32 ).
سامي القس شمعون سيدني – استراليا |