
جانب من احتفال العائلات الحلبيّة بِعيد الباعوث في دير الأرض المقدّسة-حلب | مصدر الصورة: دير الأرض المقدّسة للآباء الفرنسيسكان-حلب
عشتارتيفي كوم- آسي مينا/
بقلم: سهيل لاوند
حلب, الاثنين 6 أبريل، 2026
يَحتفل المسيحيّون باليوم الثاني من القيامة، وهو يوم تُطلِق عليه بعض الكنائس، ومنها الروميّة، تسمية «اثنين الباعوث». وبين البُعدَين الطقسيّ والشعبيّ، يكتسب هذا اليوم دلالات تتجاوز كونه امتدادًا زمنيًّا لعيد القيامة، ليحمل معاني التجديد والإرساليّة. في هذا الإطار، يُطلّ الشمّاس جوزيف كنيفاتي، من الكنيسة الملكيّة الكاثوليكيّة في حلب، عبر «آسي مينا»، للإضاءة على أبرز هذه الأبعاد.
يقول كنيفاتي: «يُعرف "اثنين الباعوث" أو "اثنين القيامة" بأنّه اليوم الثاني الذي يلي أحد القيامة المجيد، ويُعدّ افتتاحًا لأسبوع خاصّ يُسمّى "الأسبوع الجديد" أو "أسبوع التجديدات". وتأتي هذه التسمية من رمزَين روحيَّين عميقَين: الأوّل هو أنّ قيامة السيّد المسيح تمثّل بداية لتجديد الخليقة بأسرها، وعودتها إلى بهائها الأوّل؛ والثاني هو أنّ الموعوظين في الكنيسة الأولى كانوا يُمنحون سرّ المعموديّة في ليلة القيامة، ويُحافظون طوال الأسبوع التالي على ثيابهم البِيضِ رمزًا لنقاوتهم الروحيّة وانتمائهم الجديد لجماعة المؤمنين».
وفي هذا السياق الطقسيّ، يُضيف: «في الطقس البيزنطيّ، يبدأ الكاهن صلواته حاملًا المبخرة وشمعة العيد، مردِّدًا آيات ترتيل القيامة، ويُشاركه الشعب في تكرار النشيد الشهير: "المسيح قام من بين الأموات، ووطئ الموت بالموت، ووهب الحياة للّذين في القبور". ويُقرأ في هذا اليوم فصلٌ من إنجيل يوحنّا، يروي ظهور الربّ القائم لتلاميذه خلف الأبواب المغلقة، عندما قال لهم: "السَّلامُ علَيكم! كما أَرسَلَني الآب أُرسِلُكم أَنا أَيضًا". ومن هذا النصّ ولِدَت فكرة "البعث"، أي إرسال التلاميذ إلى العالم ليُبشِّروا بقيامة الربّ، ما يعكس جوهر هذا اليوم بوصفه مناسبة للإرساليّة والانطلاق».
ويُتابع كنيفاتي موضحًا بُعدًا آخَر من الاحتفال: «يُميّز هذا اليوم أيضًا تقليد جميل، إذ يُقرأ الإنجيل بلغات متعدّدة، تعبيرًا عن شموليّة القيامة وامتداد بشارتها إلى أقاصي الأرض. ويُقال إنّ هذا التقليد نشأ من الحجّاج الذين كانوا يزورون الأرض المقدّسة للاحتفال بعيد القيامة، وعند مغادرتهم، كانت كلّ مجموعة تقرأ الإنجيل بلغتها الأم، كأنّها تقدِّم التحيّة الأخيرة لمدينة القدس قبل العودة إلى أوطانها».
وعلى المستوى الشعبيّ، يوضح كنيفاتي: «في سوريا يحمل هذا اليوم طابعًا شعبيًّا مميّزًا، خصوصًا في حلب، إذ يُنظَر إليه على أنّه عيد فرح وتجدّد. قبل الأزمة السوريّة، كانت العائلات الحلبيّة المسيحيّة تتّجه إلى البساتين والمنتزهات ومطاعمها الموجودة قرب المدينة (مثل شلالات ميدانكي في عفرين)، والتي تتمتّع بمناظر طبيعيّة خلّابة، احتفالًا بالقيامة بأسلوب غير تقليديّ. إلّا أنّ الظروف الاقتصاديّة الصعبة بعد الحرب حدّت من القدرة على الخروج من المدينة أو حتى الذهاب إلى المطاعم».
ويُكمل: «مع ذلك، حافظ كثيرون على طقوس هذا اليوم من خلال زيارة الأديرة والكنائس، إذ يفتح بعضها أبوابه، ويُحضِر الناس معهم طعامهم لقضاء اليوم وسط أجواء عائليّة. وقد شهد دير الأرض المقدّسة للآباء الفرنسيسكان اليوم حضورًا كثيفًا، وشكّلَ ذلك فرصة فريدة للقاء العائلات وتبادلها التهاني بالعيد».
ويختم كنيفاتي حديثه بالإشارة إلى بُعدٍ رمزيّ آخَر يتمثّل في زيارة المدافن، وهو تعبير عن الإيمان بأنّ قيامة المسيح قد خلّصت الأموات أيضًا، مانحةً إيّاهم رجاء الحياة الأبديّة.
جانب من احتفال العائلات الحلبيّة بِعيد الباعوث في دير الأرض المقدّسة-حلب | مصدر الصورة: دير الأرض المقدّسة للآباء الفرنسيسكان-حلب