في موضوع الحوار بين الأديان فوائد كثيرة، منها خلق العلاقة والمحبة والإنسجام بين أبناء الشعب من خلال التركيز على القييّم الإنسانية المشتركة والتعاون المشترك مع كل أطياف الوطن للعيش المشترك وبناء جسور الثقة وزرعالسلام . هنا يجب أن تبرز في ساحة الحوار المبادىء الروحية المشتركة في موضوع محبة الآخر التي تذكرها مصادر تلك الأديان. مع تجنب كل النصوص التي تؤدي إلى التنافر أثناء الحوار لأنها تؤجج جو الحوار فيدفع المحاورين إلى نقطة التقاطع والفشل
في المسيحية عندما ننظر إلى الكتاب المقدس نظرة شمولية فنلتمس من أن الله قد خالق الكون أولاً، ومن ثم خلق الإنسان، وأراد الخلاص لجميع البشر. رغم إختيار الله له شعباً مختاراً في عهد الناموس كحقيقة موضوعية بارزة، لكن غير اليهود أيضاً هم أبناءهُ لهذا كان له علاقةشاملة بكل الشعوب وفي كل العصور، لهذا ينبغي أن لا يغيب عن أذهاننا بأن أنبياء إسرائيل انفسهم يذكرون بان إلههم هو إله كل الشعوب. فالله الذي خلق الكون هو مُعيل الشعوب كلها ، وهو الذي قطع عهداً مع كل الناس بواسطة نوح لتشمل رحمته وعطفه جميع الكائنات، لهذا قال لنوح
هذه علامة الميثاق الذي أنا واضعه بيني وبينكم، وبين كل ذوات الأنفس الحيّةِ التي معكم إلى أجيال الدهر: تلك قوسي " قوس وقزح" جعلتها في الغمام فتكون علامة عهدي بيني وبين الأرض... وتكون القوس في الغمام حتى إذا رأيتها ذكرت العهد الأبدي بين الله وكل نفس حي من كلذي جسد على الأرض .. " تك 9: 12، 16 ". فكل الشعوب التي إنحدرت من صلب نوح وأولادهِ هم شعب الله. فالهندوسي والبوذي واليهودي والمسيحي والمسلم وغيرهم إلههم واحد وهو الله. وعلاقة الله مع جميع الشعوب هي علاقة محبة لأن الله محبة
نعم هناك شعوب لا تتعرف على وجود الله، إنما لها ألهتها الخاصة التي تؤمن بها، علماً بأن لا إله إلا الله الواحد لجميع الشعوب، والكتاب المقدس يؤكد بأن الله واحد لا إله سواه.اليهود كانوا يعتقدون بأن الخلاص هولهم فقط لا لغيرهم لأن الله قد إختارهم من دون كل الشعوب.وكأن الله محدود في ديانتهم لاغيرها
أما في العهد الجديد فالكنيسة صارت هي إسرائيل الجديدة التي ورثت كل الميزات والكتابات المقدسة والعهود والنبؤات عن المسيح المخلص الذي أسس المسيحية والعهد الجديد، كتب الرسول بطرس عن هذا وقال للمؤمنين
أما أنتم فإنكم ذرية مختارة وكهنوت ملكي وأمة مقدسة وشعب إصطفاه الله للإشادة بآيات الذي دعاكم من الظلمات إلى نوره العجيب. لم تكونوا شعباً من قبل، وأما اليوم فإنكم شعب الله. " 1 بط 2: 9-10"
آيات كثيرة في الكتاب المقدس تؤكد لنا بأن الخلاص هو في المسيح يسوع ، ومنها
فأن الله أحب العالم حتى أنهُ جاد بإبنهِ الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به ... ومن لم يؤمن فقد دين منذ الآن لأنهُ لم يؤمن بإسم إبن الله الوحيد." يو 3: 16-18". كذلك قال يسوع لتوما الرسول
أنا الطريق والحق والحياة. لا يمضي أحد إلى الآب إلا بي. " يو 14:6". فيسوع الذي صار راس الزاوية، فلا خلاص بأحد غيرهِ ، فالشهادة كهذه يجب أن لا تطرح أولاً أمام الهندوسي والمسلم والبوذي وغيرهم لان لا يمكن أن يرتكز الحوار الديني بيننا وبينهم على مثل هذه الآياتالقاطعة التي تثبت بأن المسيح هو السبيل الوحيد للخلاص، لأن بهذا لا يستمر الحوار لنبني الفكرة والتقارب، فالحوار الناجح يأتي بالتدريج لأجل التفاهم والإقتراب لدفع الخصم لإدراك نور المسيح. كما علينا أن ندرس ونفهم فلسفة الأديان الأخرى ومدى نظرتهم إلى مسيحنا. فالمسلميفهم المسيح بأنه نبي صالح، والهندوسي يعتبره معلم كبير يأخذه قدوة له. فعلينا أن لا نفرض كل معتقداتنا عليهم، بل نطرحها بإسلوب مريح وبطريقة ناجحة لكي يؤمن بها المقابل كما آمن الزعيم الهندي مهاتما غاندي بكلام المسيح ورسالتهِ، لكنه حال دون إعتناق المسيحية كديانة
هل في الكتاب المقدس شواهد تثبت أن الله يريد خلاص الشعوب الأخرى؟
الجواب نعم. نطالع في سفر يونان بأن الله أرغم يونان اليهودي المتعصب لكي يذهب إلى نينوى الوثنية لكي ينذرهم بسبب حجم أخطاءهم ليتوبوا فيغفرعنهم. ويسوع أعطى للكنعانية ما أرادت. وبطرس دخل بيت الوثني القائد بسبب رؤية سماوية شاهدها فوق السطح . إذاً محبة الله للخلاصتشمل جميع الأمم
لليهود أيضاً شريعة وبحسب تلك الشريعة سيتم محاسبتهم. أما كافة الشعوب الأخرى فإذا عملوا بحسب شريعة الطبيعة التي تصبح شريعة لأنفسهم، فيدلون على ما تأمر به الشريعة من الأعمال والمكتوبة في قلوبهم، فتشهد لهم ضمائرهم وأفكارهم، فهي تارة تشكوهم ، وتارة تدافع عنهم." رو 2: 15-16". لكن الرسول بولس يتابع ليوضح المقصود في الإصحاح التالي، ليقول:
أما الآن فقد ظهر بر الله بمعزل عن الشريعة، تشهد له الشريعة الأنبياء، هو بر الله وطريق الإيمان بيسوع المسيح، لكل من آمن، لا فرق. " رو 21:3"
أما في المفهوم الأدبي للحوار فهناك علاقة بين الله والإنسان، فينبغي أن تكون علاقة مماثلة بين الإنسان نفسه وبين أخيه الإنسان، ويسوع أكد على أهمية هذه العلاقة، فقال لكل إنسان: أحبب قريبك كنفسك. ومن خلال تلك المحبة ينمو الحوار الناجح. والمؤمنين بالرب يسوع لايساومون بإيمانهم ويتنازلون لكي يحصلوا على قناعة الآخر، كما لا يجوز أن يكون الحوار مبنياً على التعصب أو التجريح، بل يجب نقل الحقائق والعقائد الإلهية من خلال حوارٍ هادىء. فالحوار هو النافذة التي تساعدنا لنلتقي بالوجه الآخر المحتاج إلينا وكما كان يفعل الرسولبولس مع الوثنيين في أثينا والذي استطاع من خلال أحد آلهتهم المسمى ( الإله المجهول ) بأن يجعلهم يصغون بدقة إلى كلامه فخرج من العزلة إلى عالمهم إلى أن ربح الجميع
في الكتاب المقدس قراءة أخرى تشكل قاعدة مغايرة لعلاقتنا بأولئك الذين لا يشاطروننا الإيمان نفسهُ. فرسالة الإنجيل هي رسالة قبول الآخر وليست رسالة رفض، والمسيح نادى بقبول الآخر وذكر كيف أن الله يقبل الإنسان حتى قبل أن يقرر الإنسان اللجوء إليه. فرسالة المسيحمتأصلة في فهم طبيعة الله. فعلاقة الله بالناس هي علاقة حب ، فليس بالإمكان أن نكون بغير ذلك، لأن الحب هو عمق كيان الله. فالله: يطلع شمسه على الأشرار والأخيار. وينزل المطر على الأبرار والفجار. " مت 45:5".
إن حب الله للإنسان هو من دون شروط ، ولأجل حبه لنا يدعونا الإنجيل إلى التوبة والإقلاع عن حياة التمحور والتقوقع على الذات. وإلى دخول نمط عيش محوره حب الله وقبوله ، فإذا كان يتعذر علينا الحوار وقبول الآخر كأبناء الله المحب إلى أن يؤمنوا بالمسيح فلا نعمل ولا نتكلممن ضمن رسالة الإنجيل لأن إلهنا هو سيد الجميع فرسالة يسوع حوارية في صلبها. فمؤسف أن نبني الكثير من مواقفنا تجاه مؤمني الأديان الأخرى على قرائتنا لفقرات إستثنائية في الكتاب المقدس وليس على رسالته الأساسية. فالإنسان مهما كان عرقه ومعتقده فهو إبن شعب الله ونحنإخوته وعلينا أن نساعده من خلال الحوار لكي يصل إلى الحقيقة التي نحن نؤمن بها، لهذا لا يجوز أن ننظر إلى الديانات الأخرى كمجرد كيانات وثنية غريبة ومنغلقة على عمل الله ومتناقضة مع مبادىء المسيحية.
إنتقد البابا بنديكتوس السادس عشر المحاولات التي جرت بين المسيحيين والمسلمين، في حوارات عدة فقال، أنها كانت تتميز بعدم كفاية المعرفة بالكتب المقدسة لكلا الديانتين وبالاختلافات الجوهرية بينهما.
فرأى البابا بأن حوار من هذا النوع هو خاطئ من الناحية الهيكلية، فمن ناحية يتم التأكيد على أن كلاً من الكتاب المقدس والقرآن يتحدثان عن رحمة الله، وأن ضرورة عمل الخير مشتقة من ذلك، ولكن بعد ذلك يثبت أيضاً أن هناك دعوات للعنف، وبذلك ينظر المرء إلى الديانتين نظرةواحدة، وهي أنه هناك خير وشر في كليهما. ولذلك فمن الضروري قراءة الكتاب المقدس والقرآن بشكل منفصل وتفسير الحب والرحمة ومعارضة العنف من منظور كليهما، وليس بالخلط.
وأضاف قائلاً: بالنسبة للقرآن فهو كتاب واحد، وينظر المسلمون إلى ما كتب فيه على أنه وحي مباشر من الله، وبالتالي هو سلطة نابعة من الله. في حين أن الكتاب المقدس هو مجموعة من الكتب التي نمت على مدى ألف عام، ووفقاً لاعتقاد اليهود والمسيحيين، لا يمليها الله مباشرة،إنما تتطور سلطتها بحسب تفسير الطريق الذي يسلكه شعب الله تحت قيادته. وفي هذا الصدد فإن الإيمان المسيحي ليس "دين كتاب". وبذلك فإن كل من يفكر في هذه الاختلافات الجوهرية سيحذّر من الانطلاق من تشابهات بين الديانتين.
أخيراً نقول: واجبنا هو أن نجابه المعتقدات الأخرى بما يوافق الإنجيل نطرح إليهم بما يفيد تطهيرعقولهم أولاً ومن ثم الإستمرار في عرض الحقائق ليقتنعوا داخلياً ويبحثوا عن الحقيقة التي ستدحض كل ما كانوا يمتلكون من موروث عندما يلتقون بإله محب للجميع ، والله رحوم ورحمتهلا تقتصر على أمة أو شعب واحد بل الجميع هم في صلب إهتمامه ويعامل الجميع بحنان كما تعامل مع شعب نينوى الخاطىء. كذلك على كل مؤمن أن لا يكون مراقباً للأديان الأخرى أو يحكم عليهم بل أن يسعى إلى إنقاذها ليدخلوا إلى العهد الذي بيسوع الرب، فيما أن تلك الأديان تفتقرإلى معرفة الله وقدرته فهي أعجزما أن تقود الناس إليه، بل القدرة هي في صلب مضمون الإنجيل نفسهُ، فنعمة الله قادرة أن تخضع الأعداء والمتعصبين في عقائدهم وتلينهم لكي يعلنوا إيمانهم بفرح، وحب الله للجميع هو من دون شروط
توقيع الكاتب ( لأني لا أستحي بالبشارة ، فهي قدرة الله لخلاص كل من آمن ) " رو 16:1"