

يكادُ لا يمرُّ نهارٌ في مؤسسات أو شوارع أو ساحات عامة أو غيرها من المعالم المهمة في عراق ما بعد سقوط الصنم من دون أن تشهد هذه وغيرُها تظاهراتٍ شبابية من خريجين وعاطلين يستجدون الدولة وسياسيّيها الفاشلين للحصول على بعضٍ من فتات ما يتركُه لصوصُها وسرّاقُ ثرواتها ومواردها التي تختفي أوّلَ بأوّل. سيّما، وقد اعتدنا مشهدًا لشكوى الحكومات المتعاقبة بسبب محدودية الموازنات والنقص الدائم في السيولة النقدية وعدم كفاية الموارد لسدّ الكمّ الهائل من رواتب الموظفين بمن فيهم الفضائيين ومزدوجي الرواتب ممّن مازالوا يتقاضون أكثر من راتب قد تصل ببعضهم لأكثر من خمسة رواتب بحسب مراقبين ومتابعين ومحللين ممّن أصبح شغلُهم الشاغل تقصّي بيانات هؤلاء الذين يكلّفون شبه الدولة العراقية الهشّة موازنات دول كاملة. علاوةً على تخصيصات الرئاسات غير المحدودة والمرتبات الفلكية للكادر الحكومي والوزراء ومسؤولي الدولة من كافة الدرجات وحصص زعامات الأحزاب الحاكمة وأدواتهم. ناهيك عن المرتبات المنهوبة لصالح الرفحاويين ومدّعي سمة السجناء السياسيين وما سواهم من غير العراقيين أصلاً من باكستانيين وأفغان وإيرانيين وهنود وغيرهم من عرب وأفارقة تستخدمُهم جهات ولائية للحاكمية الشيعية لأغراض انتخابية بحتة. بل والأنكى من كلّ هذا وذاك بحسب هؤلاء المراقبين والراصدين للحالة التائهة في البلاد رعايةُ هذه الأفواج المتزايدة من قبل متنفذين في الدولة ومسؤولين حكوميين في تأمين السكن الكريم والمدلّل لهم ولعوائلهم في الوقت الذي يُترك أبناءُ العراق الأصلاء في عوزٍ وفاقة وحاجةٍ للسكن والملبس والطعام والكرامة المسلوبة أصلاً بذريعة حماية هذه الأفواج المليونية التي تدين بالولاء لحُماتهم ورُعاتهم وداعميهم بالقوانين تارةً وبالأوامر الولائية تارةً أخرى وبالتوجيهات والتوصيات في غيرها، وخاصة عندما تصدر من أطرافٍ لها صلاتٌ بالدين والمذهب والأتباع. فيما أبناء البلاد يتراكضون لهاثًا وراء لقمة عيشٍ كريمة لا تصلُهم إلاّ بالكدّ والمشقة والإهانة في أحيانٍ كثيرة. وما مظاهر التظاهرات اليومية المطالبة بالتعيين في مؤسسات الدولة الرسمية سوى خير دليلٍ على فقدان الثقة بأية وسيلةٍ أخرى لتأمين العيش اليومي الكريم بسبب هزالة ما يمكن أن يقدمه القطّاع الخاص لمرتاديه وعشّاقه والعاملين فيه، وهم قليلون نسبيًا. والأسباب كثيرة ومعقدة لو غصنا في تعقبها وذكرها وطرحها.
عندما سعت حكومات ما بعد التغيير الجائر عقب الغزو الأمريكي الأهوج وتسليم البلاد على طبقٍ من ذهبٍ للوكيل الشرقي الحاقد على كلّ ما يمتُّ بصلة للشعب والأرض العراقية لإيجاد توازنٍ أو مقاربة بين التوظيف الحكومي والعمل في دهاليز القطاع الخاص لتقليص الضغط أو تخفيفه على مؤسسات الدولة ودوائرها المترهلة أصلاً، وقعت هذه بين مخالب قرارات بيروقراطية وغير منصفة ارتهنتها أطرافٌ لم تكن راغبة بإنصاف العاملين في القطاع الخاص أصلاً من حيث كيفية احتساب سلّم الرواتب وسنوات الخدمة لأغراض التقاعد. وراحت بعض هذه الدوائر تتعثر في مسألة الاقتراب من مساواة مرتبات القطاعين الحكومي والخاص بفلسفات غير منصفة ولا عادلة. بل ذهبت بعضُها لإصدار تعليمات وزارية أو إدارية بالضدّ من دعم حقوق العاملين في هذا القطاع وفق الاستحقاق بموجب القانون الجديد للضمان الاجتماعي. وهذا ما حصل في بعض الدوائر الحكومية في إصدار توجيهاتٍ غير منصفة ومنها دائرة الضمان الاجتماعي التابعة لوزارة العمل والشؤون الاجتماعية حينما أنكرت الهدف الأسمى من إصدار قانون الضمان الاجتماعي رقم 18 لسنة 2023 بعدم احتساب معدل الراتب الحقيقي للسنوات الخمس الأخيرة كما ينصّ عليه هذا القانون الذي تأمّل العاملون المتقاعدون منه خيرًا بمساواتهم مع أقرانهم في القطاع الحكومي. فعوضًا عن تكريم مستحقي الضمان الاجتماعي بحقوق تقاعدية وفق هذا المضمون الأساسي، صدرت تعليمات الوزير السابق، باحتساب معدّل الحدّ الأعلى للراتب وحصره بسقف أعلى لا يتجاوز(فقط مليون وسبعمائة وخمسون ألف دينار لا غيرها) وفق معادلة عجيبة وغريبة لا تمتُّ لجوهر القانون ونصّه الأصليّ بشيء. فالمعروف عن طبيعة الامتيازات التي تقدمها المنظمات غير الحكومية و مثلها السفارات وشركات المقاولات الوطنية الكبرى الرائدة في مرتباتها أنها ذات امتياز ماليّ مجزي تستحق العناء مقابل العمل الخاص المضني والجهد المتميّز الذي يؤديه العامل فيها. وبالرغم من المساعي المعترضة على مثل هذا الإجراء غير القانوني وغير المنصف بحق هذه الفئة من العاملين، لكنها جوبهت بالرفض من دائرة الضمان الاجتماعي ومكتب السيد الوزير السابق، وكأنها منّةٌ منهم حيث يُنظرُ إلى العاملين في هذا القطاع بمثابة أعداء أو أنداد ينبغي معاقبتُهم والاعتراض على مستحقاتهم الطبيعية التي يكفلها الدستور والقانون الجديد، بينما يتمّ غضّ النظر عن حجم مستحقاتهم وامتيازات أدواتهم وأعوانهم. أليست هذه من ضمن الأسباب والموجبات التي سعى فيها ممثلو الشعب أساسًا لسنوات من أجل إصدار مثل القانون بهدف إيجاد معادلة متوازنة لمساواة العاملين في القطاع الخاص مع نظرائهم في دوائر الدولة التي مازال يتهافتُ عليها العراقيون لضمان كسب عيشهم واستمرار أدوات رزقهم في تأمين الملبس والمشرب والراحة ممّا يتيسر لهم من مدخراتهم أو مرتبات تقاعدهم بعد انتهاء خدماتهم فيها؟
نداء لمجلس النواب والحكومة العراقية بحفظ الكرامة والاستحقاق
إزاء هذا الانتقاص من حقوق العاملين في القطاع الخاص واجترار خدماتهم بتعليمات وزارية غير منصفة تعمّق دائرة الظلم إزاء مستحقاتهم الفعلية وفق معادلة ارتجالية غير متزنة في الاحتساب والعدالة، أعربت مؤسسات غير حكومية ومَن تمّ ظلمُهم بموجبها أنها لا تقلّ ضررًا في محاربتها للمواطنين الآمنين في أرزاقهم وحقهم في اختيار الجهة أو العمل الذي يلائمُ وضعهم واحتياجهم وحريتهم في اختيار نوع العمل والطرف الذي يناسبُ مَلَكاتهم وقدراتهم وتوجهات رؤاهم. فالأصل في القانون الجديد يتمثّلُ في حفظ كرامتهم والمساواة مع أقرانهم في مؤسسات الدولة الحكومية بغية التخفيف عن ميزانية الدولة والتقليل من الضغط على مؤسساتها وامتصاص أكبر كمٍّ ممكن من اليد العاملة. وهذه دعوة صادقة وملحّة لمجلس النواب العراقي والحكومة والدائرة المعنية بوزارة العمل والشؤون الاجتماعية ووزيرها بالوكالة أو القادم الأصيل، كي يُعاد النظر في هذه الانتكاسة غير السارّة المتمثلة بالتعليمات التي سارت وفقها الدائرة المعنية في طريقة احتساب الحقوق التقاعدية للمضمونين وفق هذه المعادلة غير الصحيحة والمنتقصة من الحقوق التي كفلها القانون المذكور والتحرّى فيها عن الأسباب الموجبة لإصداره في حينها كي يكون خير بادرة للهدف من إصداره تنفيذًا وتطبيقًا عادلاً لا يقبل التأويل أو الانتقاص من قيمته وتوقيته ومصير مستحقّيه المغبونين، طالما أن العامل ودائرته قد أكملوا وطبّقوا تعليمات تسديد التوقيفات التقاعدية كاملةً من دون تاخير أو نقص أو مخالفة. أمّا ما قامت به هذه الدائرة استنادًا إلى تعليمات معالي الوزير السابق أو مجلس الشورى المحبِط أو حتى لو كان صادرًا من مجلس شورى الدولة، فهو إجراءٌ تعسّفيّ باطل وغير منصف بل وجائر ينتظر المراجعة الجادّة، ويستحقون عليه عقاب السماء.
أقولُها وأكررُها كما فعلها غيري، عندما تُغلق وسائل العيش الكريم والأساسيّ عبر أبواب التعيين الحكومي الضامن لاستمرار الحياة في أدنى صورها البشرية، قد يضطرُّ البعض للتوجّه نحو البديل المغمور في القطاع الخاص الذي تغنت به الحكومات المتعاقبة منذ سنوات طوال بضمان معادلة حقوقه وقوانينه مثل ما لدى نظيره في القطاع الحكوميّ. لكنّ واقع الحال يشيرُ إلى غير هذه الحالة في ظرفها وتنفيذها وتحقيق ما يُقال عنها وما يتحدثون به في وسائل الإعلام والندوات والتصريحات. فمنذ صدور قانون تقاعد العمال والضمان الاجتماعي للقطاع الخاص في 2023، لم يتمّ تطبيقه كاملاً وبصورة صحيحة كما ورد في نصوصه. بل صار العمل به وفق "تعليمات وزارية" في طريقة احتساب الحقوق التقاعدية عبر وضع محدّدات للسقف الأعلى للمرتبات بالرغم من جباية الجهة المنفذة المسؤولة عن تأمين تقاعد القطاع الخاص وهي وزارة العمل والشؤون الاجتماعية لكامل التوقيفات التقاعدية عن مجموع المرتبات الحقيقية للعامل المضمون. وفي هذا غبنٌ واضحٌ ينمّ عن الضحك والاستهزاء والانتقاص من فئة العمال، سواءً من العاملين في القطاع الخاص الوطني أو ذلك الذي يقدّم خدماته لجهات دولية غير حكومية أو دبلوماسية أو منظمات. لذا ما يمكن الشعور به اليوم في تنفيذ هذا القانون غير المكتمل يتمثلُ بخيبة أمل واضحة لدى جميع العاملين في هذا القطاع بالرغم من تشجيع الجهات الحكومية وحثّها على الخيار الأخير والابتعاد عن التشبّث بالوظائف الحكومية.
من هنا نكون في مواجهة فاضحة إزاء وسائل وأدوات إعلانية وترويجية بحتة، حكوميةً كانت أم خاصة، لرمي الكرة بوجه القطاع الخاصّ المظلوم الذي لم يأخذ مداه ومكاسبَه بعدُ كما ينبغي بسبب ضعف تطبيق بنود القانون الجديد. وهذه تتطلب موقفًا منصفًا من السلطات الرسمية والجهات الحكومية المعنية بهذا الملف المقلق في مسألة إعادة النظر في طريقة احتساب الحقوق التقاعدية من خلال تطبيق بنود هذا القانون الذي سُنَّ لإنصاف العاملين في القطاع الخاص خصوصًا، ومنحهم كاملَ حقوقهم وفق البيانات الصحيحة والموثّقة التي تقدمها مؤسساتُهم وذلك على غرار نظرائهم في القطاع الحكومي وفقًا للقانون الساري في هيأة تقاعد موظفي الدولة. أمّا التشكيك المؤسساتي غير المبرّر من هذه الدائرة أو الوزارة في البيانات التي تقدمها المنظمات غير الحكومية أو الهيئات الدبلوماسية بخصوص طبيعة مرتبات العاملين فيها العالية نسبيًا، فذلك ليس مدعاةً للانتقاص من حقوقهم التقاعدية وغبنهم وفق المعادلة التي سنّها مجلس النواب العراقي في طبيعة هذا القانون. ففي مؤسسات الحكومة العراقية أيضًا، هناك تباين واضحٌ في سقف مرتبات موظفي الدولة من أدناها إلى أعلاها ولا يتمّ غبن الحقوق فيها. فهل سمعنا أو تعرّفنا على اعتراض من الحكومة أو مؤسسات الدولة على المستحقات التقاعدية لفئات الدرجات الخاصة ومَن في درجاتهم العليا والرئاسات الأربع ومَن على شاكلتهم؟
كفى ظلمًا وحان الوقت لإعادة حقوق هذه الفئات وغيرها من الفئات المظلومة التي تنتظر قانون سلّم الرواتب أيضًا وما سواه من قوانين منصفة بحق الشعب.