بدء أسبوع الصلاة من أجل وحدة المسيحيين (18 إلى 25 كانون الثاني)      اختطاف والدي كاهن كلداني جنوب شرق تركيا      المركز الأكاديمي الاجتماعي في عنكاوا يقيم ورشة عمل تفاعلية اجتماعية      بطريرك الأرمن الجديد في تركيا يبدأ مهامه رسميا      كلارا عوديشو، رئيسة كتلة المجلس الشعبي في برلمان كوردستان تهنىء بالرسامة الكهنوتية للشماسين حنا (لوفين) جهاد عيسى ومدين شامل خضر      كاهنان جديدان للبطريركية الكلدانية ببغداد      نحو 260 مليون مسيحي حول العالم تعرضوا ’للاضطهاد الشديد‘ عام 2019      صوت الشهداء تصدر دليل الصلاة لمساعدة المسيحيين على الصلاة من أجل المؤمنين المضطهدين      الجمعية العراقية لحقوق الانسان تشارك في اعمال المؤتمر الدولي لرسم الاستراتيجية للعمل المشترك بين وزارة الشباب ومنظمات المجتمع المدني      تقرير: 16 دولة عربية على قائمة الأكثر اضطهاداً للمسيحيين      متظاهرو بغداد يرفعون أعلام الأمم المتحدة طلباً لتدخل أممي      معركة "عاتية" أمام أسر ضحايا تحطم الأوكرانية في إيران      الدوري الإنجليزي ينصح حكامه "بالفار" قبل منح البطاقة الحمراء      فيديو مخيف.. طفل الـ6 سنوات يقود سيارة دفع رباعي أمام والديه      البابا فرنسيس: الجوهري في الحياة هي علاقتنا مع الله      بعد أيام من صواريخ إيران.. الجيش الأميركي يعلن حصيلة الضحايا      حل لغز "الطيور النافقة" في بريطانيا.. والنتائج "مفاجئة"      روما يضرب موعدا مع "السيدة العجوز" في ربع نهائي كأس إيطاليا      البابا فرنسيس: الصلاة البسيطة هي ثقة في الرب      الكورديات الإزيديات يقدمن مسلحي داعش السابقين للمحاكمة في أوروبا
| مشاهدات : 2278 | مشاركات: 0 | 2015-12-06 13:59:03 |

الاقتصاد السياسي للفئات الرثة الحاكمة في العراق

د. كاظم حبيب



ينطلق تحليلنا في السطور القادمة من فرضية جوهرية مضمونها أن الظواهر السياسية والاجتماعية والثقافية ناشئة عن ومرتبطة بطبيعة علاقات الإنتاج السائدة والفاعلة في الاقتصاد والمجتمع، والمقترنة بطبيعة ومستوى تطور القوى المنتجة المادية والبشرية.

 أولاً: طبيعة الاقتصاد والمجتمع بالعراق

يتفق المحللون الاقتصاديون العراقيون وغير العراقيين على أن الاقتصاد والمجتمع بالعراق كانا وما زالا يتسمان بعدد من السمات المميزة والمؤثرة سلباً على وجهة وبنية ومضمون تطوره السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والبيئي، وعلى علاقاته الإقليمية والدولية المتعددة الجوانب. هذه السمات كانت وما تزال تسهم بإعادة إنتاج ذات الظواهر الناشئة عنها والمرتبطة بها عضوياً، والتي بدورها تنتج النظم السياسية الحاكمة بما يرتبط بها من فئات ونخب سياسية.

والمعطيات التي تحت تصرف الباحث تؤكد بأن هذه السمات السلبية قد تعمقت واشتد تأثيرها السلبي وتكرَّست خلال العقود الخمسة الأخيرة، إذ تبلورت بشكل سلبي فاعل ضمن هيكل الاقتصاد الوطني، والبنية الطبقية الراهنة للمجتمع، والواقع الذي تعيش تحت وطأته فئات المجتمع، وبالتالي هي التي حددت طبيعة النظام السياسي القائم. فما هي هذه السمات السلبية المميزة للاقتصاد والمجتمع بالعراق؟ سنحاول هنا أن نتطرق إلى عدد من السمات الجوهرية الرئيسة وتلك الناشئة عنها: 

السمة الأولى:  اقتصاد ريعي

يعد الاقتصاد العراقي وحيد الجانب وريعي بامتياز، إذ اعتمد في السابق وبالأساس على ريع القطاع الزراعي وهيمنة العلاقات الإنتاجية شبه الإقطاعية، ثم انتقل في أعقاب انتهاء الانتداب البريطاني وبدء استخراج وتصدير النفط الخام، أي منذ العقد الرابع من القرن العشرين حتى يومنا هذا، إلى الاعتماد على ريع قطاع النفط الخام الاستخراجي المصدر(1). ومع تراجع دور القطاع الزراعي في تكوين بنية الناتج المحلي الإجمالي وتقلص نسبة الفلاحين إلى مجموع السكان والقوى العاملة سنة بعد أخرى، ارتفع دور النفط الخام المستخرج والمصدّر في تكوين الناتج المحلي الإجمالي، وفي زيادة نسبية ملموسة بعدد العاملين في هذا القطاع مع قلة اهتمام بإقامة المشاريع الصناعية التحويلية، وضعف مشاركة الصناعة التحويلية بتكوين الناتج المحلي الإجمالي. فأصبح القطاع النفطي ومنذ نهاية العقد الخامس وبداية العقد السادس من القرن العشرين يحتل الموقع الأول والمكون الرئيس للناتج المحلي الإجمالي. وقاد هذا الواقع الجديد إلى تغيير في مسيرة الدولة العراقية التي اتجهت في العقد الثالث والرابع صوب الدولة السائرة نحو المدنية، إلى دولة ريعية تتلبسها تدريجاً وخطوة فخطوة السمات السلبية التي تميز الدول الريعية، بضمنها التطور الوحيد الجانب للاقتصاد وتشوه بنية المجتمع الطبقية وتغييب الحريات العامة والحياة الديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق القوميات وتهميش المجتمع. إن بروز هذه السمة يقترن في واقع الحال في كون الدول النامية الريعية تقع ضمن دول المحيط الخاضعة عملياً للمراكز الرأسمالية المتقدمة التي تقف حائلاً دون تخلصها من التخلف ووحدانية الجانب وتكرس فيها طابعها الريعي.      

السمة الثانية: اقتصاد استهلاكي

إن توفير اقتصاد النفط الخام لمزيد من الموارد المالية سنة بعد أخرى من خلال المزيد من كميات النفط المستخرج والمصدر، دفع وما يزال يدفع باستمرار كظاهرة عامة ولصيقة، بالنخب الحاكمة إلى الابتعاد عن الجهد المطلوب والضروري لتغيير بنية الاقتصاد الوطني والتخلص من وحدانية الجانب في بنية الإنتاج المحلي؛ أي يبقى طابع الاقتصاد الوطني استهلاكياً غير إنتاجي والذي ينعكس بالتالي على بنية المجتمع الطبقية (2)؛ أي بدلاً من توجيه الموارد المالية المتأتية من اقتصاد النفط الاستخراجي صوب التنمية الزراعية والتنمية الصناعية التحويلية وتطوير التعليم والبحث العلمي والحياة الثقافية الضرورية المرافقة لهما، تقوم سلطة الدولة الريعية بتوجيه الموارد صوب إشباع حاجات السكان للسلع والخدمات من خلال الاستيراد السلعي من جهة، وإلى التسلح والعسكرة لحماية نظامها السياسي وامتيازاتها ومنافعها المباشرة وغير المباشرة من جهة ثانية.

وسنة بعد أخرى تزداد الحاجة إلى إشباع حاجة الاستهلاك السلعي الأساسي والكمالي بسبب الزيادة السكانية وبسبب توفر زيادة في السيولة النقدية وتحسن في مستوى مداخيل ومستوى حياة ومعيشة فئات معينة من السكان، في حين تبقى فئات أخرى تعاني من الفقر وشظف العيش. ومن هنا تنشأ أمامنا السمة الثالثة.

 

السمة الثالثة: اقتصاد استيرادي

من يتابع مؤشرات الاستيراد السنوية خلال العقود الستة المنصرمة سيجد إن الاستيراد، وبالرغم من كل الكوارث والحروب، كان ينمو ويزداد سنة بعد أخرى ليستنزف جزءاً مهماً وأساسياً من إيرادات تصدير النفط الخام العراقي. إنها السمة الجوهرية الثالثة المميزة للاقتصاد العراقي والمرافقة له، التي تستكمل السمتين الأولى والثانية إذ يستنزف الاستيراد نسبة عالية من الناتج المحلي الإجمالي السنوي الموجهة لأغراض الاستيراد السلعي السلمي والعسكري. وهذه السمة، وارتباطاً ببقية السمات، هي التي جعلت الاقتصاد العراقي مكشوفاً بالكامل على الخارج من حيث التصدير والاستيراد، والتي عاش مرارتها في فترات مختلفة خلال العقود المنصرمة.

 السمة الرابعة: اقتصاد تابعي

إن السمات الثلاث السابقة مجتمعة حددت بوضوح كبير موقع العراق الضعيف والتبعي والهامشي وغير الديناميكي في التقسيم الدولي الرأسمالي للعمل، موقع المنتج للمواد الأولية والمصدر لها والحائز على الريع من جهة، والمستورد والمستهلك للسلع المادية من جهة ثانية، والعاجز بسبب طبيعة الدولة وسياسات النخب الحاكمة عن تحقيق التنمية والتثمير الإنتاجي والتشغيل وتغيير بنية الناتج المحلي الإجمالي من جهة ثالثة.

فالعراق يشكل جزءاً عضوياً من النظام الرأسمالي العالمي، ولكنه الجزء المتخلف والتابع والمُستنزَف في موارده الاقتصادية وأمواله، والقائم على علاقات اقتصادية غير متكافئة. فالاقتصاد العراقي يشكل جزءاً من تلك الدوائر المتخلفة التي تدور في فلك المراكز الرأسمالية الدولية، وهذا الواقع المشوه يجعل من عملية إعادة الإنتاج أو مجمل العملية الاقتصادية بالعراق بمراحلها الأربعة (الإنتاج والتوزيع والتبادل والاستهلاك) ضعيفة تعيق تحقيق عملية إعادة إنتاج موسعة وضمان تراكم رأسمالي وإغناء الثروة الاجتماعية من فروع وقطاعات اقتصادية أخرى وزيادة في التشغيل وتحسين في مستوى الدخول والحياة والمعيشة(3).

وقد اشتدت ظواهر التبعية والتخلف والتشوه خلال العقود الثلاثة الأخيرة بسبب القفزة الكبيرة في دور العولمة الرأسمالية التي ارتبطت عضوياً بالثورة العلمية والتقنية والإنفوميديا على صعيد الاقتصاد والحياة الاجتماعية والثقافية والبيئية والعسكرية، إضافة إلى الآثار المتناقضة، السلبية منها والإيجابية، بعد غياب دول المعسكر الاشتراكي وتراجع الحرب الباردة بين المعسكرين وبوادر العودة إليها مجدداً، ولكن على وفق أرضية وقواعد أخرى، إضافة إلى سياسات النخب الحاكمة التي تبتعد بإصرار عن التنمية المنشودة المغيرة لطبيعة الاقتصاد وبنية المجتمع.

     السمة الخامسة: تدهور البنية الطبقية

ولكن ماذا نشأ عن هذا الواقع العراقي أو هذه السمات السلبية المتضافرة في فعلها؟ لو كان العراق قد اتجه صوب التصنيع التحويلي واستخدم موارد النفط المالية والمادية لهذا الغرض لتغيرت بنية المجتمع. ولكن هذا لم يحصل إلا ببطء شديد حيناً وبتشوه كبير في أحيان أخرى.

ونتيجة ذلك برز تحول نسبي تدريجي في بنية المجتمع الطبقية، فازداد عدد العمال، سواء أكانوا من العاملين في اقتصاد النفط الخام أو مشاريع السكك الحديد والطاقة والماء وموانيء تصدير النفط الخام أو مشاريع الصناعة التحويلية التابعة للدولة والقطاع الخاص والمختلط الأخرى، إضافة إلى تنامي دور البرجوازية الصغيرة والبرجوازية الصناعية والبيروقراطية المتوسطة وفي قطاع التجارة(4). إلا إن هذا التطور النسبي الذي تحقق في فترات مختلفة، بضمنها سنوات العقد الثامن من القرن العشرين وقبل بدء الحرب العراقية- الإيرانية قد انهار تماماً بفعل سياسات النظام البعثي الدكتاتورية والعسكرة والتسلح والقمع والحروب الداخلية والخارجية وتعريب القوميات الأخرى والتهجير القسري، ما قاد إلى تدهور شديد في البنية الطبقية للمجتمع العراقي، والتي لم تساعد السياسات التي أعقبت سقوط الدكتاتورية على تغييرها لصالح المجتمع.

السمة السادسة: علاقات إنتاج متخلفة

تتجلى السمة المميزة السادسة في طبيعة التشكيلة المتخلفة التي ما تزال سائدة وفاعلة في الاقتصاد والمجتمع بالعراق. فالسمات السابقة تعتبر نتاجاً منطقياً وطبيعياً لاستمرار وجود بقايا العلاقات الإنتاجية شبه الإقطاعية، والعودة الشديدة لدور العشائر في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية من جهة، ولكنها تعدّ السبب في استمرار وجود هذه العلاقات المتخلفة من جهة أخرى، وخاصة في الريف العراقي حيث تنعكس طبيعتها وسلوكية كبار الملاكين وشيوخ العشائر على المجتمع بالمدينة أيضاً، فضلاً عن النمو الضعيف في علاقات الإنتاج الرأسمالية في الزراعة والصناعة وتمركزها في قطاعات النفط الخام والتجارة ووجود مصارف مالية وقطاع تأميني ضعيف ومتخلف.

وتتجلى عواقب استمرار وجود هذه التشكيلة المتخلفة من العلاقات الإنتاجية والانكشاف الشديد على الخارج، في التخلف الكبير في القوى المنتجة المادية والبشرية وتجلياته في المستوى الواطيء لإنتاجية العمل وكفاءة الخدمات الاجتماعية والإنتاجية، وتدهور مستوى التعليم والبحث العلمي النظري والتطبيقي، والنسبة العالية من الجهل والأمية السائدتين في الريف وفي المناطق العشوائية وبين النساء، وانتشار الفكر الطائفي الظلامي في المجتمع بعد عقود من الاستبداد بعقلية شوفينية وأساليب فاشية وقمعية وقهر وحروب وتجويع. يضاف إلى ذلك العواقب الوخيمة التي نجمت عن جريمة الحصار الاقتصادي الدولي (1990- 2003)م التي فرضتها الولايات المتحدة الأمريكية عبر الأمم المتحدة.، بذريعة وجود سلاح الدمار الشامل لدى النظام السابق.

السمة السابعة: الفساد بأنواعه

هي سمة جديدة، يزيد عمرها عن خمسة عقود، لكنها لم تكن بهذا الاتساع والشمولية الحالية، ونعني بها سمة الفساد المالي والإداري. نشأت هذه السمة منذ عقود في العراق وتفاقمت بمرور الزمن وأصبحت نظاماً سائداً تتجلى في واقع الفساد المالي والإداري القائمين، وهما يجسدان اليوم حالة عامة وشاملة وعميقة ومصحوبة بحركة شرسة لتنظيمات مافيوية قوية وواسعة ومتعددة الرؤوس، كالإخطبوط الذي مد أذرعه بعيداً في جسم الدولة والمجتمع ومع الخارج.

لقد نما الفساد المالي خلال الأعوام التي أعقبت سقوط النظام الدكتاتوري في نيسان 2003م بسرعة كبيرة جداً، وشكل في النظام السياسي الطائفي الحالي الذي يعتمد الفكر الديني الشمولي، نظاماً خاصاً وسائداً في العلاقات المالية والإدارية، نظامَ الفساد الذي يجري التعامل به من جانب الدولة بسلطاتها الثلاث وفي عالم الإعلام والصحافة وفي المجتمع والعلاقات الاقتصادية والسياسية الدولية، إذ لم يعد الفساد المالي مجرد ظواهر متفرقة، بل هو نظام معمول به ومتشابك بصورة عضوية مع الفساد الإداري ومع ظاهرة الفساد الدولي.

ولا يجري الحديث بشأن ظاهرة الفساد المالي عن عدة ملايين من الدولارات الأمريكية أو عن مجموعة صغيرة من المتعاملين به، بل يدور الحديث عن عشرات المليارات المفقودة والمسروقة أو التي يجري التعامل بها على الأصعدة المحلية والإقليمية والدولية. فالفساد المالي والإداري لا يستنزفان المال العام ويفرطان بأموال الدولة وكفاءاته حسب، بل ويكرسان حالة الإرهاب الراهنة وينميانها ويعمقان من حالة الفوضى والتبعثر والصراع بالبلاد، ويزيدان من حالة التذمر والهيجان المستمر.

فالمعلومات المتوفرة تشير إلى إن العراق وبعد مرور (11) عاماً على إسقاط الدكتاتورية يحتل المرتبة (169) من أصل (176) بلداً، فيما وضع البنك الدولي العراق في سنة 2011 في أسفل قائمة آخر عشر دول من مجموع (100) دولة من التي تحاول السيطرة على الفساد. وتشير منظمة الشفافية الدولية في آخر تقرير لها لعام 2014 إلى إن 10 دول تحتل مركز الصدارة في الفساد العالمي فيهما دولتان شرق أوسطيتان هما العراق وليبيا.(5). إن استمرار هذه الحالة في ظل قوانين جائرة وغير عادلة واستبدادية سابقة من جهة، وابتعاد مستمر ومتفاقم عن الالتزام بالدستور العراقي الجديد وبلائحة حقوق الإنسان من جانب الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم والحكومات المحلية من جهة أخرى، تؤشر حالة البلاد الراهنة من النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية المتردية. والمتضرر الأساسي من هذه الحالة هم بنات وأبناء الفئات الكادحة والفقيرة والمتوسطة وفئة المثقفين وأصحاب الدخول المحدودة بشكل خاص.  

السمة الثامنة: الاستبداد السياسي والتخلف الاجتماعي

 تتجلى هذا السمة بتفاقم الاستبداد ومصادرة حرية الفرد والجماعة والحريات الديمقراطية العامة والتجاوز الفظ على حقوق الإنسان وحقوق المرأة وحقوق الطفل، إذ تتكرس وتتكثف مستلزمات بقاء واستمرار وإعادة إنتاج علاقات التسلط لتنتج مجتمع الدولة الاستبدادية القمعية الفاسدة والفاشلة.

فالدولة الريعية وسلطتها السياسية مُنتِجة فعلية للاستبداد والعنف والقسوة، منتجة للتمييز بمختلف أشكاله المقيتة، وغياب العدالة الاجتماعية وحقوق المرأة وحقوق القوميات. وهذه الحقيقة مرتبطة عضوياً بمستوى ومحتوى الوعي الفردي والاجتماعي والسياسي والمستوى الثقافي بالبلاد وحجم الأمية والتخلف في القوى المنتجة البشرية.

إن الدولة العراقية التي كان يراد لها أن تكون دستورية مدنية وديمقراطية وبرلمانية في سنة 1921 على وفق الدستور الملكي وقبل البدء باستخراج وتصدير النفط الخام، تحولت إلى دولة غير ديمقراطية، وأصبحت حتى بعد إلغاء قرار الانتداب واقعة تحت الهيمنة السياسية البريطانية غير المباشرة وهيمنة العلاقات الإنتاجية الإقطاعية، فتراجعَ فيها الالتزام بحقوق الإنسان وحقوق المواطنة وحقوق القوميات، ونُحّي الدستور جانباً وتم تزييف الحياة البرلمانية. ولم يكن هذا ممكناً لولا التخلف الثقافي والاجتماعي وضعف الوعي العام.

وقادت هذه الأوضاع وغيرها إلى حصول ثورة تموز 1958(6)، ولكن سرعان ما اختفى إشعاع الثورة القصير وهيمنت الدكتاتورية ابتداءً من شباط 1963م حين فُرضت الأساليب السياسية الفاشية في الحكم والمناوئة للشعب وحقوقه ومصالحه الأساسية. وبهذا المعنى المتعدد الجوانب كتب الدكتور "أحمد علوي" بصواب في مقال له عن "الاقتصاد الريعي ومعضلة الديمقراطية" ما يأتي: «تتناسب العلاقة بين العملية الديمقراطية عكسياً مع ازدياد صادرات النفط، أي أنه كلما ازدادت المداخيل النفطية للدول المنتجة للنفط، تصاب العملية الديمقراطية بالخلل وتتراجع الحريات السياسية. وهذا على عكس ما يجري في البلدان المتطورة. فاستناداً إلى الأبحاث المختلفة، فإن حال الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات السياسية في البلدان المتطورة تتناسب طردياً مع زيادة الناتج الإجمالي الداخلي ومع دخل الفرد. وعلى خلاف ما يجري في الدول المتطورة، لا تؤدي الزيادة في مداخيل الدولة أو الدخل الوطني في الدول التابعة والريعية إلى التطور السياسي» (7).

إنها العلاقة الجدلية بين ضعف الوعي الاجتماعي والسياسي والمستوى الثقافي وقدرة الحكام على فرض الاستبداد الشمولي والرؤية ذات الوجهة الواحدة. 

ثانياً: العواقب الوخيمة الناشئة عن الواقع الاقتصادي العراقي

إن تنامي إيرادات النفط الخام المصدر في الدولة الريعية العراقية الراهنة أدى، إلى جانب ذهنية الاستبداد والتسلط، إلى تفاقم ظاهرة الاتكالية لدى الحكام الجدد على موارد النفط الخام المصدر، وتم إهمال وضع إستراتيجية للتنمية الوطنية الشاملة وخطط وبرامج اقتصادية تسهم في تغيير بنيتي الاقتصاد والمجتمع، وتراجعَ تصميم وتنفيذ سياسات ضريبية وجمركية عقلانية، وأهمل مردودها المالي المهم للميزانية الاعتيادية وتنوع مكوناتها. كما برزت ظواهر سلبية حادة أخرى في الدولة والمجتمع. ووجد هذا الاتجاه في الحكم تأييداً واسعاً من الدول الرأسمالية المتطورة ومن الدول الإقليمية المجاورة التي لا تريد للعراق أن يخرج من دائرة التخلف بل الدوران في فلك المراكز الرأسمالية الدولية، وأن يعتمد على الدولتين الجارتين إيران وتركيا في استيراداته السلعية.

وأبرز تلك الظواهر يجدها الباحث في تراجع الاستثمارات وفرص العمل في القطاعات الإنتاجية التحويلية، بسبب تدهور وتقلص عدد المشاريع الصناعية العامة والخاصة والمختلطة، وزيادة التوظيف والاستخدام في أجهزة الدولة المدنية والعسكرية، ونشوء التضخم الشديد فيها إذ تبدأ هذه الأجهزة باستنزاف نسبة مهمة من إيرادات النفط أو من الدخل القومي. وفيها تبرز بوضوح محاولة الحكام المستبدين استرضاء الناس بهذه الطريقة المضرة بالاقتصاد الوطني وبالمجتمع.

ولكن في ذات الوقت تنشأ ظاهرة مقصودة وهادفة تشير إلى حالة الارتباط والتبعية لفئات الموظفين والمستخدمين للدولة الريعية وللحكم القائم، إذ تسعى النخبة الحاكمة إلى إخضاع إرادة هذه الفئات لها والدفع بها لتكون ضد المجتمع وإرادته وحاجاته ومصالحه الأساسية. إنها معضلة كبيرة حين تصبح الأجهزة المدنية والعسكرية ونسبة عالية من السكان من العاملين في أجهزة الدولة وأفراد عائلاتهم خاضعين في معيشتهم ونوعية حياتهم للدولة الريعية ولإرادتها ومصالح الفئة الحاكمة المستبدة والرثة في تفكيرها وممارساتها.

كما تنشأ حالة أخرى من التبعية والمصالح المشتركة بين الفئة الحاكمة المناهضة لإرادة ومصالح الشعب في الدولة الريعية وبين الدول المستوردة للنفط الخام والمتحكمة بسوق النفط الدولي وتلك المصدرة للسلع المصنعة. فحين تتعرض مصالح المستوردين للنفط الخام إلى مخاطر معينة، مثل التأميم أو إجراء تعديلات على الامتيازات القديمة، كما حصل حين صدر قانون رقم 80 لسنة 1961م، بالعراق وحين بدأ العراق يتعامل مع الدول الاشتراكية، وخاصة مع الاتحاد السوفييتي، لتطوير قطاع الصناعة التحويلية، بدأت الدول الرأسمالية الكبرى وشركات النفط الاحتكارية الدولية بالتآمر ضد النظام السياسي الجديد لإسقاطه والمساعدة في تسلم السلطة من قبل أعوانها، كما حصل في انقلاب شباط في سنة 1963م ضد الجمهورية الأولى وحكومة عبد الكريم قاسم. تشير المعلومات الدبلوماسية والمخابراتية إلى الدور "غير الرسمي" للولايات المتحدة الأمريكية في انقلاب شباط. فقد جاء في الكتاب الموسوم "التدخل السري للولايات المتحدة في العراق خلال المدة 1958-1963" للكاتب "ويليام زيمان" بهذا الصدد ما يأتي: «إن المخططين الامريكين قرروا أن حزب البعث سيكون في المقدمة وإنهم راغبين في دعم الانقلاب... وكانت السي آي أي على علم بما يحدث... وإنها دفعت إلى مخبرين داخل حزب البعث ولكن لم يكن لديها سيطرة على أية عمليات...ومن الجانب العراقي سمع أبو ريش من عضو الوزارة البعثية التي شُكلت بعد الانقلاب هاني الفكيكي والكثير من العراقيين بأن وكالة المخابرات المركزية عملت مع حزب البعث قبل الانقلاب، وأن هاشم جواد وزير خارجية قاسم أبلغ بنروز أن وزارته كان "لديها معلومات عن وجود تواطؤ بين البعث والسي آي أي"»[9].

ومن الظواهر البارزة في وجهة نشاط القوى الحاكمة في الدولة الريعية، وبسبب انعدام الثقة والعداء بين السلطات الثلاث وبين الغالبية العظمى من المجتمع لغياب الديمقراطية والحياة الدستورية وتفاقم الفساد المالي والإداري، كان وما يزال سعي الحكام الواضح إلى امتلاك ترسانة كبيرة من السلاح والتحول إلى عسكرة الاقتصاد وتشكيل قوات عسكرية (الجيش والشرطة والأمن الداخلي والأجهزة الخاصة والمخبرين السريين)، لأنها تريد بذلك إسكات الشعب وقمعه ورفض مطالبه والبقاء في السلطة. ويمكن أن نتابع هذه الحقيقة في ما حصل ويحصل حتى الآن بالعراق.

وكان في مقدور المبالغ المالية التي وجهت حتى الآن للأغراض العسكرية من جانب الحكومات العراقية المتعاقبة أن تخلق حياة رائعة يتمتع الشعب فيها بالحرية والديمقراطية وممارسة حقوق الإنسان وحقوق القوميات والعدالة الاجتماعية وتنمية الاقتصاد الوطني والتشغيل الواسع وتحسين مستوى المعيشة. وإذا كان حكم صدام حسين هو النموذج القومي الشوفيني والاستبدادي، فأن النموذج الجديد يمثل الحكم السياسي الطائفي والاستبدادي الذي يقوده حزب الدعوة الإسلامية، إنهما نموذجان يستندان أساساً إلى العلاقة العكسية السائدة بين امتلاك موارد النفط المالية وغياب الديمقراطية.

ثالثاً: طبيعة البنية الطبقية الراهنة بالعراق

من غير السهل ممارسة التحليل الطبقي بالعراق في وقت لا توجد إحصائيات دقيقة ومفيدة للبحث العلمي.

فخلال الفترة الواقعة بين (1980-2014)م وقعت بالبلاد أحداث جسام غيرت الكثير من بنية المجتمع وأثرت سلباً على البنية الطبقية المشوهة أصلاً من خلال تأثيرها المدمر على البنية الاقتصادية واختفاء الكثير من منشآت الصناعة التحويلية التي أقيمت خلال الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية حتى سنة 1979/1980. فهي فترة تفاقمت فيها الدكتاتورية وتعددت الحروب المدمرة، الداخلية منها والخارجية، والحصار الاقتصادي الدولي والاحتلال الأمريكي-البريطاني للعراق، ومن ثم إقامة الحكم الطائفي السياسي وتفاقم والإرهاب وانتشار الفساد المالي كنظام سائد معمول به، ووقوف العراق على حافة الحرب الأهلية وغياب التنمية الاقتصادية على امتداد الفترة الواقعة بين (1980-2014)م.

يشهد العراق الراهن نمواً مستمراً في فئة البرجوازية الطفيلية الموزعة على مجالات عديدة غير إنتاجية، كقطاعات السمسرة العقارية والتجارة والمضاربات المالية. وصار جزء من ممثلي هذه الفئة يحتل مراكز مهمة في السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية، وجزء آخر يعمل في المقاولات والعقار، وجزء ثالث يشرف على العقود النفطية والسلاح وعلى اقتصاد النفط الخام، وجزء رابع يشتغل في التجارة الخارجية، وجزء خامس يلتقي في طبيعة نشاطه بفئة الكومبرادور المرتبطة مباشرة بالشركات التجارية الأجنبية والتي تعمل لصالحها، وجزء سادس يمارس نشاطه المالي في المضاربات المالية وسوق الأوراق النقدية.

إن هذه الأجزاء أو المراتب من الفئات الطفيلية لا تعتمد في أسلوب حياتها ومعيشتها على رواتبها الحكومية العالية وامتيازاتها الكثيرة حسب، بل وعلى السحت الحرام وأساليب نشاط غير مشروعة تستنزف أموال الدولة من الباطن أيضاً. إن هذه الفئة الغنية جداً والمتخمة بالمال الحرام تقوم بتهريب الكثير من أموال البلاد بالعملة الصعبة إلى الخارج ولها حساباتها في البنوك الأجنبية وقصورها العامرة، وهي التي يمكن اعتبارها من الفئات الرثة في سياساتها المتعددة الجوانب والمؤذية للاقتصاد وللمجتمع وللمدينة والريف في آن. وهي مناهضة عملياً للتنمية الاقتصادية والتقدم الحضاري بالبلاد. إنها تتوزع على الأحزاب الحاكمة ذات الخلفية الدينية الطائفية والقومية الشوفينية من الناحيتين الفكرية والسياسية. إنها فئات تلحق أفدح الأضرار بالمجتمع العراقي وبمستقبل أجياله.

فالواقع القائم بالعراق واتجاهات تطوره الراهنة يدفعان بهذه الفئة الاجتماعية خارج إطار الطبقة الوسطى ويصنفانها في خانة الفئة الحاكمة الرثة المستغِلة للشعب وموارده المالية على طريقة القطط السمان. وهي معرقلة لكل تقدم منشود للخروج من مستنقع الطائفية السياسية الآسن والمفرّق للصف والنسيج الوطني والاجتماعي، فهي تستخدم الهويات الفرعية القاتلة بدلاً عن استخدام هوية المواطنة الحرة والمتساوية.

كما تنتشر بالبلاد مجموعة كبيرة من متوسطي وصغار الموظفين والعا  رواتبهم من خزينة الدولة وتعيش نسبة عالية من السكان من عائلات الموظفين والمستخدمين، على هذه الرواتب(9). وفي هذه المجموعة نجد فئة دنيا من حيث الراتب ومستوى المعيشة ونوعية الحياة، وفئة وسطى هم الفنيون أو التقنيون والمدراء وضباط الجيش والشرطة والأمن الداخلي. ويمكن أن ندخل جمهرة كبيرة من المثقفين الذين يتوزعون في الغالب الأعم على المرتبة الوسطى والدنيا ولا نجد بينهم من الفئة العليا إلا النادر الذي أصبح جزءاً من الحكم ومن وعاظ السلطان!

      ويجد متتبع أوضاع عراق اليوم جمهرة واسعة جداً من السكان تحسب على فئة أشباه البروليتاريا، فئة واسعة هامشية ورثة في مستوى معيشتها ونوعية حياتها وهي غير مسؤولة عن واقعها الراهن، ولكنها في الغالب الأعم تعيش وضعاً فكرياً وثقافياً واجتماعياً متخلفاً. فهم في الغالب الأعم عاطلون عن العمل وعمال موسميون وباعة مفرد وجوالة في الشوارع وجمهرة الحمالين والكناسين والشحاذين. إنهم يعانون من الفقر المالي والجهل بشكل عام والفاقة الفكرية في آن، وهم الذين في الغالب الأعم يعيشون تحت خط الفقر وعلى هامش الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والذين بلغت نسبتهم على وفق تقدير وزارة التخطيط العراقية 19% في العام 2013، وهي نسبة غير واقعية، إذ إنها أكثر من ذلك وتصل إلى حدود 22-25%، وارتفعت حسب تقدير وزارة التخطيط العراقية في الوقت الحاضر إلى 30% من مجموع سكان العراق في العام 2014، وهو رقم متواضع بالقياس إلى الواقع الراهن، وخاص في أعقاب اجتياح الموصل وعموم محافظة نينوى ومناطق أخرى من غرب العراق.[10] ومن بين الفقراء والعاطلين عن العمل، وليس وحدهم، يمكن أن تجد القوى الإسلامية السياسية المتطرفة والإرهابية أرضية صالحة ومحروثة لكسب عناصر لفعالياتها الإرهابية.  

أما الطبقة العاملة العراقية فقد تقلص حجمها ووزنها النوعي في البنية الطبقية العراقية الحالية بالقياس إلى سبعينات القرن العشرين. وقد اتسع وجودها نسبياً في قطاع التنقيب عن النفط واستخراجه، في حين تقلص عددها كثيراً في القطاع الصناعي التحويلي وفي الزراعة كعمال زراعيين كانوا يعملون في مؤسسات الدولة الزراعية وفي محطات المكائن والمعدات الزراعية. وهذا العامل يرتبط بدوره بضعف البرجوازية الصناعية العراقية التي تراجع حجمها ووزنها النوعي ودورها وتأثيرها في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لصالح البرجوازية الطفيلية والبيروقراطية والعقارية والمقاولة والكومبرادور التجاري. إنها البرجوازية الصناعية الوطنية المتوسطة التي لعبت دوراً مهماً في النضال الوطني في الأربعينات والخمسينات والستينات من القرن الماضي ثم تلقت ضربة قاسية حين أصدر النظام السياسي القومي العربي إجراءات التأميم سنة 1964.

إن ضعف حجم ودور البرجوازية الصناعية يقود إلى ضعف حجم ودور الطبقة العاملة، وهو ما نعيشه اليوم، كما يقود إلى ضعف في الوعي الاجتماعي والسياسي متجلياً في فكر وثقافة المجتمع في المرحلة الراهنة، وإلى ضعف القدرة على بناء المجتمع المدني العراقي، إذ أن هاتين الطبقتين هما حاملتا المجتمع المدني الديمقراطي وبالتعاون الوثيق مع فئة المثقفين العراقيين ذات الدور المحدود حالياً، بسبب دور الحكومة الموجه ضد الفكر الحر والثقافة والديمقراطية ومكافحتهما بمختلف السبل والوسائل ودعمها غير المحدود وتبنيها للفكر الرجعي المرتبط بجمهرة من شيوخ الدين المنتفعين وبالأحزاب الإسلامية السياسية الطائفية.

أما فئات الفلاحين فهم لا يعانون من شحة الماء وخصوبة الأرض المتدهورة فحسب، بل ويعانون من عودة شيوخ العشائر وكبار ملاك الأراضي الزراعية وتقاليد العلاقات شبه الإقطاعية البالية وأساليب توزيع المحصول الزراعي إلى الواقع العراقي في الزراعة. ولم يعد هناك أي اهتمام فعلي بالزراعة وحياة الفلاحين والريف العراقي. وتغرق سياسة الحكومة البلاد بالسلع الزراعية والصناعية المستوردة ما لا يفسح أي مجال إيجابي لتطور الصناعة والزراعة بالبلاد. وقد تراجع عدد سكان الريف لصالح سكان المدينة الفقراء والمعوزين والعاطلين عن العمل، ولصالح القوات العسكرية أي الجيش والشرطة والأمن، إذ بلغ تعدادهم حالياً أكثر من مليون وربع المليون فرد. وهو أعلى رقم بلغه تعداد القوات المسلحة في تاريخ العراق كله.

ولا نتجاوز الحقيقة حين نقول بأن وعي الطبقة الوسطى في أغلبيتها ما يزال بعيداً عن الوعي الضروري لإدراك ما يجري بالعراق وما ينبغي أن يكون عليه، كما لا يعي كل أفرادها دورها في المجتمع، وبالتالي فأن هذه النسبة الكبيرة من هذه الفئة تساهم شاءت أم أبت في استمرار الوضع المأساوي القائم حالياً والمهدد بمخاطر جدية كثيرة.

وإذا ما أضيف إلى كل ذلك ضعف الوعي لدى الفئات الاجتماعية الفقيرة والمعوزة من جهة، ودور الفئات الرثة الحاكمة من جهة أخرى، ودور المؤسسات والحوزات الدينية من جهة ثالثة، وتأثيرات دول الجوار والولايات المتحدة من جهة رابعة، لأدركنا عمق الأزمة والمحنة التي تواجه المجتمع العراقي في المرحلة الراهنة.     

أما فئة المثقفين فتعتبر ضمن فئات "البرجوازية الصغيرة" Petite bourgeoisie التي تشارك في بناء الإنسان فكرياً وثقافياً وروحياً واجتماعياً وسياسياً، وهي مؤهلة لأن تلعب دوراً إيجابياً بالعراق. وتاريخ العراق الحديث شاهد على دور هذه الفئة الاجتماعية الطليعية في حقبة قبل، وبشكل خاص، بعد الحرب العالمية الثانية حتى الوقت الحاضر بالرغم من كل الصعوبات والتعقيدات التي صاحبت وما تزال تصاحب عمل المثقفات والمثقفين.

فئة المثقفين بالعراق موزعة على موقعين، في الداخل والخارج. ويمكن الإدعاء بأن نسبة كبيرة ومهمة من مثقفي ومثقفات العراق تعيش وتعمل في الخارج، ولكن يتوجه فعلهم في الغالب الأعم صوب الداخل ولصالح الداخل. أما النسبة الكبيرة التي تعمل في الداخل فموزعة على اتجاهات عدة ، فمنهم من أصبح يشكل جزءاً من وعاظ السلاطين والمدافعين عن المستبدين وعن الدكتاتورية أو النظام الطائفي وقادة هذا النظام، وهم من مشوهي ومعرقلي دور ومهمات الثقافة والمثقف؛ في حين أصبحت نسبة مهمة منهم تبذل قصارى جهدها لتغيير الحالة الراهنة لصالح الثقافة العراقية الحرة والديمقراطية ورفض المحاولات المستميتة لإبعاد المثقفات والمثقفين عن لعب دورهم المطلوب في الحياة الثقافية والاجتماعية وفي التنوير المطلوب لتغيير العقلية والحالة المزرية الراهنة التي يعيش الشعب تحت وطأتها.

إن المثقفات والمثقفين الذين يعون دورهم الثقافي والاجتماعي هم حملة مشاعل الحرية والحياة الديمقراطية، وهم الذين يشاركون بفعالية في إنارة الطريق صوب المجتمع المدني الديمقراطي وحقوق الإنسان وحقوق القوميات والعدالة الاجتماعية. ولكن هذه المشاعل يراد حجب نورها ودورها وتأثيرها عن الغالبية العظمى من أفراد المجتمع لصالح الفكر والطقوس المتخلفة المليئة بالخرافات وأعمال الشعوذة التي تعمل على بث التخلف ومحاربة التنوير الديني والاجتماعي بالبلاد. ومع ذلك فأن فئة المثقفات والمثقفين تشكل جزءاً مهما من الطبقة الوسطى، وليس الشريحة العليا من هذه الطبقة، والتي يمكنها أن تتحمل مسؤولية كبيرة في تخليص الفكر من تخلفه وتنوير عقول الناس لكي تسعى وتشارك في التغيير المنشود.

 

رابعاً: الدولة العراقية والفئات الرثة الحاكمة

إن القراءة الموضوعية المتأنية لواقع الاقتصاد والمجتمع بالعراق، ونهج الدولة الاتحادية وطبيعة السلطات الثلاث فيها، وسياسات الحكومة الاتحادية، وما آل إليه الوضع بعد اجتياح قوات الإرهاب الدموي تحت قيادة تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام" (داعش) لمساحات شاسعة من العراق، تكشف لنا بما لا يقبل الشك إن جزءاً أساسياً وغالباً من النخبة الحاكمة الحالية انحدر من فئات اجتماعية هامشية وغير هامشية، ثم انسلخ عنها وتحول إلى الفئات التي أطلقُ عليها مصطلح "الفئات الرثة"، وهي ليست ذات الفئة التي أُطلقَ عليها في الأدب الكلاسيكي الماركسي مصطلح "البروليتاريا الرثة".

 إن مصطلح "الفئات الرثة"، ينطبق على الجزء الأكبر من النخبة السياسية العراقية، سواء أكان هذا الجزء في السلطة التنفيذية أم في السلطة التشريعية أم السلطة القضائية، أم من يجلس منهم على مقاعد وثيرة في بقية أجهزة الدولة والقوات المسلحة. وعملية إنتاج مثل هذه الفئات الرثة غير متوقفة بل هي عملية تحول وصيرورة مستمرة بالارتباط مع السمات التي وردت في الفقرة الأولى من هذا المقال.

وهذه الفئات الرثة الهجينة تسعى إلى الاغتناء على طريقة القطط السمان وتستنزف موارد الدولة من الباطن وبأساليب مافيوية معروفة وأساليب الرشاوى والنهب والسلب العلنيين. وهذا الجزء المؤثر والحاسم في النخبة الحاكمة يطبع عمل الحكومة كله ويميزه ويمنحه سلوكية معينة وإجراءات محددة، إذ تسعى هذه الفئة من خلال كل ذلك وغيره إلى إنعاش وتوسيع قاعدة الفئات التي يصطلح عليها بالطفيلية، سواء أكان ذلك في قطاع المضاربات المالية، أم في قطاع السمسرة العقارية، أم في قطاع المقاولات والعقود النفطية واستيراد السلاح، أم في قطاع التجارة الخارجية والداخلية، أم في المجالات الاقتصادية والإدارية الأخرى وفي المجتمع. وتبرز هنا إلى جانب ذلك تلك العلاقات والسلوكيات العشائرية التي لم تعد تنسجم مع القرن الواحد والعشرين، بل تعود إلى علاقات ما قبل الرأسمالية أو حتى أسوأ من الفترة التي كان العراق يئن تحت وطأة الهيمنة الاستعمارية المباشرة وسياساتها الاقتصادية. وهي تزيد في الوقت ذاته من اعتمادها على شيوخ الدين والمؤسسات والمرجعيات الدينية وعلى فتاواها عموماً، لأنها تمارس الطائفية، وبانتحال اسمها، حقاً أو باطلاً، تتحرك وتعمل المافيات المتنوعة في البلاد.

إن الواقع العراقي يشير بوضوح إلى تدهور مستمر في الأوضاع العامة. فالوضع القائم بالبلاد يعكس تشابكاً عجيباً يخدم على المدى القريب مصالح النخب الحاكمة من الفئات الرثة ذات النعمة الحديثة التي لا يهمها بأي حال تنمية وتطوير الاقتصاد الوطني والمجتمع المدني، بل يتركز همها وجوهر نشاطها على سبل زيادة ثروتها من سرقة المال العام وتعظيم حساباتها المصرفية الخاصة على حساب الاقتصاد الوطني وقوت الشعب.

ويتركز ذكاء الفئات الرثة في هدف أساسي هو: كيف تحافظ على الوضع القائم وعلى وجودها في السلطة وإدامته بما يسهم في زيادة فرص نهبها لموارد الدولة وإسكات الشعب ومنع احتجاجاته. ولكنها حتى في هذه القضية فشلت في الاحتفاظ والدفاع عن أرض العراق ووحدته، إذ سمحت هذه "الفئات الرثة" باجتياح "داعش" واحتلاله لما يقرب من ثلث مساحة العراق في فترة زمنية قصيرة لا تتجاوز أياماً معدودة.  

لم تخل المجتمعات الرأسمالية من وجود مثل هذه الفئات البينية التي تبرز في مراحل وفترات انتقالية في إطار النمط الإنتاجي الرأسمالي أو في أثناء عملية التحول من النمط السابق للرأسمالية، وكذلك في مرحلة التراكم البدائي لرأس المال أو حتى في مرحلة متطورة منه. ويختلف دور وتأثير هذه الفئات في المراحل المختلفة من تطور الرأسمالية. ونشأت مثل هذه الفئات في البلدان النامية بفعل السياسات التي مارستها وفرضتها الدول الاستعمارية على اقتصادياتها وبالتعاون الوثيق مع الفئات الاجتماعية المرتبطة بنمط الإنتاج ما قبل الرأسمالي الرافضة للتطور الصناعي والتنمية الاقتصادية أو المعرقلة له والمكافحة ضد الحداثة وتغيير البنية الاجتماعية. وقد نشأت مثل هذه الفئات الرثة في الدول الاشتراكية الأوربية وأحزابها الحاكمة لأنها تخلت عملياً عن المبادئ التي حملتها عندما وصلت إلى السلطة، وكان أهم أسباب انهيارها من الداخل أولاً وقبل كل شيء. ويمكن أن نلتقي بنماذج من هذه الفئات الرثة في الصين وكوبا وكوريا الشمالية.

وإذا كان العراق قد عرف الفئة الهامشية أو الرثة في ظل الهيمنة البريطانية على العراق والسياسات الاقتصادية والاجتماعية التي مارستها النخب الحاكمة المعبرة عن مصالح شركات النفط الاحتكارية ودولها الرأسمالية ومصالح فئة الكومبرادور التجاري وكبار الإقطاعيين والملاكين للأرض الزراعية وفي ظل اقتصاد نفطي ريعي، إلا إنها لم تكن ذات تأثير كبير على المجتمع والاقتصاد العراقي في ظل الحكم الملكي، كما إنها لم تكن في الحكم بشكل مباشر.

ثم أصبح العراق في ظل حكم البعث والقوميين ابتداءً من سنة 1963م تحت الهيمنة المباشرة لهذه الفئات الرثة بكل نزعاتها التدميرية وما أفرزته من عواقب وخيمة على المجتمع والاقتصاد الوطني ومستقبل أجيال العراق. وقد تواصل وجود هذه الفئة في العقود اللاحقة تحت سيطرة القوميين ومن ثم البعثيين، وبشكل خاص منذ منتصف العقد التاسع من القرن الماضي.

ومع تفاقم عواقب الحروب والحصار الاقتصادي والسياسات الاقتصادية والاجتماعية المناهضة لمصالح الشعب، اتسعت قاعدة الفئات الاجتماعية الهامشية، ومن ثم تبلورت أكثر فأكثر هذه الفئة الاجتماعية الرثة الواسعة والمتسعة باستمرار والمتنوعة من حيث المنحدر الطبقي، وازداد دورها في الفترة التي سبقت سقوط الدكتاتورية. لقد كانت قيادة البعث والحكم البعثي النموذج الفعلي للفئات الرثة التي قادت البلاد لمدة (35) عاماً، وزجته في أعقد وأسوأ المحن والكوارث والموت الشنيع لمئات الألوف من أبناء وبنات العراق.

ولكن هذه الفئات الرثة التي تلقت قيادتها ضربة قاسية مع سقوط الدكتاتورية وهيمنة الاحتلال الأمريكي–البريطاني على العراق 2003م، أخلت مكانها بالقوة لقيادات وكوادر وأحزاب أخرى لتحكم البلاد بذات الذهنية الرثة ولكي تسود الرثاثة بالعراق. هذه الفئة المتسعة والمتعاظم دورها في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية عبر الدولة وأجهزتها التشريعية والتنفيذية والقضائية والقمعية على نحو خاص هي التي نطلق عليها مصطلح "الفئات الرثة"، وهي الحاكمة بالعراق في الوقت الحاضر، بل ومنذ 2003م. وهي التي وجدت الدعم والتأييد والمساندة الكاملة من الإدارة الأمريكية وممثلها الحاكم المدني للعراق "بوب بريمر"، فضلاً عن الدعم الرسمي من أعلى مراكز السلطة في إيران.

هذه الفئات الرثة الهجينة ليست حديثة العهد بل كانت في قوى المعارضة السياسية للنظام السابق، وهي التي اتفقت مع الإدارة الأمريكية ومنذ مؤتمر المعارضة ببيروت أن تتسلم الحكم بذريعة أنها تمثل الغالبية العظمى من السكان من الناحيتين الدينية والمذهبية. وبالتالي فإن غالبية قوى المعارضة حسمت الأمر على هذه الصورة الطائفية والأثنية في بنية قيادة المعارضة التي وافقت على شن الحرب في سنة 2003م لإسقاط نظام صدلم حسين. وكانت تشكيلة الحكم الطائفية القائمة على أساس المحاصصة مطلوبة من الإدارة الأمريكية ومناسبة لمصالحها بالعراق وبمنطقتي الخليج والشرق الأوسط، إذ بهذا الصورة يبقي العراق دون استقرار وفي صراع ونزاع مستمرين يبعده عن التنمية والتغيير الاقتصادي والاجتماعي والثقافي لما بعد صدام حسين. هذه الوجهة البائسة في التطور هو ما أطلقت عليه وزيرة خارجية الولايات المتحدة السابقة "كوندليزا رايز" بـ"الفوضى الخلاقة" Creative Chao.  فما هي السمات التي تميز الفئات الاجتماعية الرثة التي تخلق الرثاثة وتنشرها بالبلاد؟

ابتداءً، يجب أن نشير إلى ضرورة التمييز بين الفئات الهامشية والفئات الرثة، فهما لا يعنيان بشكل تلقائي شيئاً واحداً، كما إنهما ليسا مترادفين، ولكنهما يلتقيان ببعض السمات المشتركة وأهمهما: موقعهما من الإنتاج ومن الملكية لوسائل الإنتاج وفي بعض الأخلاقيات. فالفئات الرثة الحاكمة بالعراق لا علاقة لها بالإنتاج المادي حتى الآن، وهي غير مالكة لوسائل الإنتاج حتى الآن، ولكنها تهيمن على الاقتصاد الوطني من خلال موقعها في الدولة والحكم وفي الأحزاب السياسية المهيمنة حالياً على الساحة السياسية العراقية والحكم. وهي تهيمن على موارد البلاد، وخاصة النفط الخام وعوائده المالية المتأتية من التصدير السنوي للنفط الخام، والذي يشكل أكثر من (97%) من صادرات العراق، ونسبة عالية من الناتج القومي الإجمالي ومن الدخل القومي. وهو بيد هذه الفئة الاجتماعية الرثة التي توجه الموارد المالية صوب مصالحها ومصالح حلفائها في المنطقة، وبعيداً كل البعد عن مصالح الشعب والاقتصاد الوطني والتنمية الاقتصادية والاجتماعية، وبشكل خاص التنمية الصناعية أو حتى استخدام النفط في التصفية وفي الصناعة التحويلية أو في تطوير البنية التحتية، بما في ذلك الطاقة الكهربائية ونظافة المدن والبناء  والشوارع. وهي فئة نهابة للثروة الوطنية، وتحت وطأة حكمها يسود الفساد المالي والإداري بكل صوره وأبعاده وعواقبه على الاقتصاد والمجتمع، كما ينتشر الخراب والبؤس والفاقة الفكرية والسياسية والاجتماعية والمدنية والحضارية بالمدن.

وبالرغم من وجود فساد مالي وإداري بإقليم كردستان العراق، فأن نخبه الحاكمة الممثلة لأحزاب سياسية غير إسلاموية وغير طائفية استطاعت تحقيق نتائج إيجابية في مجالات العمران والتعليم ونظافة المدن، وتطور سريع وتحسن ملموس في مستوى حياة ومعيشة السكان. ويتخلص الإقليم بسرعة ملموسة من الإهمال والتهميش والرثاثة السابقة يوماً بعد آخر، رغم إن هذا لم يتجه حتى الآن صوب عملية التنمية الاقتصادية الصناعية والزراعية بشكل ملموس ومطلوب.

أما الرثاثة السائدة في محافظات ومدن الوسط والجنوب وبغداد وغرب العراق، فهي نتاج لرثاثة الفئات الحاكمة، فحيثما وجدت تنشر رثاثتها في كل مكان. ويزيد الوضع سوءاً انتشار الإرهاب الدموي المنطلق من ذات المواقع الفكرية والسياسية، والمستخدم لأبشع الأساليب السادية قسوة ومَرَضَية، وبصورة أكثر تخريباً وتدميراً.

وقد دأبت هذه الفئات الرثة الحاكمة على فتح حساباتها المصرفية في خارج البلاد، وهي تغتني على حساب ثروة الشعب وموارده المالية وعلى حساب حياته ومعيشته. ولكنها لا تعيش على موارد البلاد حسب، بل وعلى موارد من يدفع لها من الخارج لكي تنسق معه وتتعاون في مختلف المجالات. وأجزاء مهمة من الفئات الرثة لا تكتفي بما تحت تصرفها من أموال الشعب والسبل المشبوهة في استخدامه في غير صالح المجتمع، إذ إنها تمول أجهزتها الإعلامية وحملاها الانتخابية وغيرها بأموال تأتيها دورياً من إيران، وبعضها من السعودية والخليج. ولا يتردد بعض قياديي هذه التنظيمات الإسلاموية الرثة من التصريح بمصدار تمويلهم هذه إذ يعدّونها نوعاً من العمل السياسي "المشروع".

هذه الفئات الرثة الحاكمة بالعراق لا تعرف الوطن ولا الدين الذي تتبناه شكلياً ولا المذهب الذي تدعي الانتساب إليه ولا الطائفة التي تتبجح بالدفاع عنها، فالمصالح الذاتية لكل فرد فيها هي الغاية الأساسية، وهي الوسيلة والهدف، إنها السلطة بما تعنيه من نفوذ وهيمنة ومال وجاه وإقصاء واستئصال للفكر الآخر والشخص الآخر والحزب الآخر والشعب الآخر. ولو كان في مقدورها أن تحكم بدون الناس لتخلصت منهم أيضاً.

خامساً: الدولة العراقية... إلى أين؟

لا عجب أن يعيش العراق اليوم بعد أكثر من اثنتي عشرة سنة من بدء العهد الطائفي، في خضم هذا الصراع والنزاع والخراب والدمار والموت غير المنقطع، فضلاً عن هيمنة الثقافة الصفراء التعصبية. فالعملة الرديئة الرثة بدأت بطرد العملة الجيدة لأن الفئات الرديئة والرثة تهيمن فعلياً على سلطات الدولة الثلاث، وخاصة السلطة التنفيذية. وإن تكريسها للنظام السياسي المحاصصي مع ممارسة فعلية لسياسة التمييز الديني والطائفي والقومي، قد عمق الهوة المتسعة بين الشعب، وخاصة الغالبية العظمى الكادحة والفقيرة والمعدمة منه، من جهة، وبين الفئة الحاكمة والقوى التي تساندها وتدعم سياساتها الاقتصادية والاجتماعية ونهجها المناهض للديمقراطية من جهة أخرى، ما دفع ويدفع بجزء من النخبة الحاكمة إلى ممارسة الانفراد بالحكم والاستبداد واستخدام الأساليب والقوانين القمعية القديمة لمواجهة الشعب، فيما يحاول جزء آخر من الفئات الرثة المشاركة في الحكم أن يمارس سياسة معارضة شكلية للحصول على مكاسب ذاتية إضافية وليس من منطلق الحرص على مصالح الشعب وتطوره.

ويتحمل هذان الفريقان المسؤولية الكبرى للكثير مما وقع أخيراً في البلاد بعد حزيران 2014م من اجتياح عسكري واحتلال مذل وإعلان قيام "الدولة الإسلامية في العراق والشام" في الموصل بنهجها الظلامي والتكفيري والتوسعي، والذي يعبّر عن رثاثة وفاقة فكرية وسياسية مريعة لا يمكن أن يكون لها أي مكان في مجتمعات وحضارة القرن الحادي والعشرين، كما لا يمكن لها أن تكون البديل للفئات الرثة الحاكمة بالعراق حالياً.

لقد أصبحت الدولة العراقية الاتحادية في مهب الريح، وتحت سطوة كل هذه القوى الرثة التي لا مستقبل لها بالعراق ولا بمنطقة الشرق الأوسط، ولكنها ستكلف المجتمع العراقي وتراثه الحضاري الكثير من الخسائر البشرية والمالية، وجمود التنمية وخسارة ما كُسب قبل ذاك، فضلاً عن البقاء في أوضاع التخلف والتشوه والصراع والحرمان والانكشاف الشديد على الخارج.

وهنا أكرر قناعتي بالدور المهم والواعد الذي يمكن أن يؤديه المثقفون العراقيون، ومنهم التكنوقراط، في حياة البلاد الفكرية والثقافية والاجتماعية والسياسية، عبر مساهمتهم في تقصير زمن الخسارات وكلفها الباهظة من خلال إشاعة الوعي بإمكانية الاحتجاج وإنهاء عصر الرثاثة السياسية الحالي، إذ يمتلكون الدور المكمل والتنويري الفاعل لدور البرجوازية الوطنية الصناعية المتوسطة والفئات المنتجة للخيرات المادية من العمال والفلاحين في عملية التحول صوب المجتمع المدني الديمقراطي الحديث الذي يفصل بدقة متناهية بين الدين كعقيدة اجتماعية أخلاقية والدولة كمؤسسة سياسية تحقق المساواة والكرامة وترعى التنمية والرفاهية.

الهوامش

(1)  كاظم حبيب (2013).  لمحات من عراق القرن العشرين – ط1، (11 مجلد، ابتداءً من المجلد الرابع حتى آخر مجلد).  أربيل: دار ئاراس للطباعة والنشر.

(2)   كاظم حبيب (2013). آراء حول الطبقة الوسطى في العراق. موقع الحوار المتمدن، العدد (4441)، 2 أيار. متاح في: www.ahewar.org.

 

(3)    كاظم حبيب. دراسات في التخطيط الاقتصادي، دار الفارابي- بيروت، مكتبة النهضة- بغداد 1974 .    

(4)    كاظم حبيب (2008). الفاشية التابعة في العراق- ط2 السليمانية: مؤسسة حمدي للطباعة والنشر.

 

(5) Ghada Zughayar (2014). Middle East and North Africa: a region in turmoil.  Transparency International. Available Online: http://blog.transparency.org/2014/12/03/middle-east-and-north-africa-a-region-in-turmoil/

(6)   كاظم حبيب (2013). لمحات من عراق القرن العشرين- ط1 (11 مجلد، المجلد السادس)، مصدر سابق.

(7)  أحمد علوي (2011). الاقتصاد الريعي ومعضلة الديمقراطية. تعريب عادل حبة. موقع الحوار المتمدن، العدد   (3540)، 8/ تشرين الثاني.  www.ahewar.org.

 

[1]  ويليام زيمان (2013). جذور تغيير النظام في العراق الحديث بدعم من الولايات المتحدة. ترجمة عبد الجليل البدري. رسالة ماجستير في التاريخ، الجامعة البوليتكنيكية في ولاية كاليفورنيا، بومونا، 2006م.

 

(9)   مظهر محمد صالح (2014). الطبقة الوسطى في العراق. موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين. متاح في:  http://iraqieconomists.net/ar.

 

 



(1)   كاظم حبيب (2013).  لمحات من عراق القرن العشرين – ط1، (11 مجلد، ابتداءً من المجلد الرابع حتى آخر مجلد).  أربيل: دار ئاراس للطباعة والنشر.

(2)   كاظم حبيب (2013). آراء حول الطبقة الوسطى في العراق. موقع الحوار المتمدن، العدد (4441)، 2 أيار. متاح في: www.ahewar.org.

 

(3)    كاظم حبيب. دراسات في التخطيط الاقتصادي، دار الفارابي- بيروت، مكتبة النهضة- بغداد 1974 .    

(4)    كاظم حبيب (2008). الفاشية التابعة في العراق- ط2 السليمانية: مؤسسة حمدي للطباعة والنشر.

 

(6)   كاظم حبيب (2013). لمحات من عراق القرن العشرين- ط1 (11 مجلد، المجلد السادس)، مصدر سابق.

(7)  أحمد علوي (2011). الاقتصاد الريعي ومعضلة الديمقراطية. تعريب عادل حبة. موقع الحوار المتمدن، العدد   (3540)، 8/ تشرين الثاني.  www.ahewar.org.

 

[9]  ويليام زيمان (2013). جذور تغيير النظام في العراق الحديث بدعم من الولايات المتحدة. ترجمة عبد الجليل البدري. رسالة ماجستير في التاريخ، الجامعة البوليتكنيكية في ولاية كاليفورنيا، بومونا، 2006م.

 

(9)   مظهر محمد صالح (2014). الطبقة الوسطى في العراق. موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين. متاح في:  http://iraqieconomists.net/ar.

 

[10]    في تصريح للدكتور مهدي العلاق وكيل وزارة التخطيط السابق، ذكر أن نسبة الفقر في العراق بلغت (30%)، وأن (40%) من طاقات البلد معطلة. نشر التصريح بتاريخ 7 أيلول/سبتمبر 2014م في موقع وكالة المدى للأنباء: http://almadapress.com/ar/news/

 











اربيل عينكاوه

  • رقم الموقع: 07517864154
  • رقم إدارة القناة: 07504155979
  • البريد الألكتروني للإدارة:
    info@ishtartv.com
  • البريد الألكتروني الخاص بالموقع:
    article@ishtartv.com
جميع الحقوق محفوظة لقناة عشتار الفضائية © 2007 - 2020
Developed by: Bilind Hirori
تم إنشاء هذه الصفحة في 6.9805 ثانية