بعد عقود من الغياب، البطريرك نونا يترأس قداسًا تاريخيًا في دير الربّان هرمزد      رئيس الديوان يقود تحركاً لتوفير منح دراسية لأبناء المكونات في الجامعة الأمريكية      عمانوئيل حنُّو يخوض انتخابات بلدية سودرتاليا عن الحزب الديمقراطي المسيحي      المدارس المسيحيّة في سوريا… بين إنصاف العائلات وضمان استمرار التعليم وجودته      مهرجان الطعام الآشوري في "مورتون غروف" يحتفي بالثقافة والموسيقى والتراث      البطريرك نونا يفتتح لقاء الكهنة الكلدان في العراق لهذا العام: لسنا نبحث عن أفكار جديدة للخدمة بقدر ما نريد العودة إلى ينابيعها      القامشلي في مئويّتها الأولى... الشُعلة المسيحيّة لا تنطفئ      كيف وصلت البُشرى السارّة إلى أربيل وإقليم حدياب؟      رئيس الديوان يستقبل سكرتير قداسة بطريرك الكنيسة الشرقية القديمة      غبطة البطريرك يونان يزور البيت الأمّ للأخوات الراهبات بنات مريم السريانيات الكاثوليكيات الملنكاريات، تريفاندروم – كيرالا، الهند      جراحو أعصاب في لندن يجرون أول عملية ناجحة في العالم لاستئصال ورم دماغي بمساعدة الذكاء الاصطناعي      قرعة «الأبطال».. باريس يواجه برشلونة.. وأرسنال والريال في سيناريو معاد      علماء آثار يكتشفون موقع دفن أثري، ربما يعود للمسيح، أسفل كنيسة القيامة      نوتردام دو باري… الرحلة الفريدة لذخائر إكليل الشوك المقدّس      سوريا تدرج اللغة الكوردية في المناهج الدراسية وتعتبرها لغة وطنية      "الأخبار" تكشف كواليس الحراك الإيراني وضمانات منع الصدام في بغداد      سنتكوم: تطهير ممرات هرمز من الألغام الإيرانية      نادي أكاد عنكاوا الرياضي يطفئ شمعته الـ34: مسيرة حافلة بالإنجازات وصناعة الأبطال      حزن البابا على ضحايا الفيضانات في النيبال      علماء نفس يدحضون أسطورة ضرر العمل عن بعد على رفاهية الموظفين
| مشاهدات : 1495 | مشاركات: 0 | 2019-07-23 10:22:42 |

اوهامُنا، أعداؤنا...

المطران د. يوسف توما

 

منذ طفولتي كنت أحبّ المطرب محمد عبد الوهاب، وكنت أضع أذني على الراديو القديم في بيتنا وأصغي إليه وأحاول أن أقلده، لكني عندما بدأت أكبر صرتُ أفكر بالكلمات التي يقولها، وأكثر أغنية حيّرتني كانت أغنية "الجندول"، من كلمات على محمود طه، حيث يقول هذه الجملة الغريبة: "أنا من ضيّع في الأوهام عمره، نسيَ التاريخ أو أنسيَ ذكرَه...". وبقيَت هذه الكلمات تتردّدُ في ذهني وأنا أنمو وأدرس وأتعلم علومَ الله والإنسان، فاكتشفتُ فعلا أنه يمكنني أن أقرأ التاريخ من منظور الأوهام الفردية والجماعية. ولما اقتربتُ من علم النفس رأيتُ أن الإصابات كافة تأتي في هذا المجال، من التخيّلات والتصوّرات، وإذا ما استطاع أحدُهم أن يعبّرها إلى الآخرين، ويشيطنُهم حضّر نفسه إلى الحروب والنزاعات التي لا تنتهي. وبعد أن يهدأ كل شيء يتساءل المرء: لماذا حدث كل هذا؟ وماذا دفعني لمثل هذه الأفكار؟ وما سبب حروبنا ونزاعاتِنا سوى تخيّلاتنا المريضة؟

لا يوجد إذن شيء في هذا العالم يمكن أن يزعجنا أكثر من أفكارنا الخاصّة، عندما تنفصل عن الواقع وتصبح ضائعة على هواها كرؤية وتخيّلات بل تدخل في الصلاة ذاتها (كصلاة الفريسي المغرور، لوقا 18)، وعندما أقول: "نجّنا من الشرير"، أقصدُ كل فكرة شريرة تتخيّل لي وتجرّبني وتدفعُني دفعًا نحو المحذور. ألم تكن خطيئة "المجرّب" لآدم وحوّاء مجرّد خيالات قضت على صداقتهما مع الرب؟ والنتيجة فقدا الفرح وحلّ الحزن والاكتئاب وخصوصا حلّ الشعور بالذنب. 

وبالعكس يمكن أن نتساءَل: من يستطيع أن يخلق الفرح حيث الحزن والأمل في حالة اليأس والراحة حيث عدم الارتياح؟

هل وفرةُ المقتنيات هي التي تخلق كل هذا؟ هل كثرةُ الأشياء المادّية هي التي تعطي السعادة؟ هل القناعة تأتي عندما لا يزعِجني أحد؟ هل الوحدة تأتي تلقائيا حيث يوجد الانقسام والانفصال؟ أم هي النظرة التي ألقيها على الأشياء والأشخاص والعلاقات، التي تتحكم بي وبك وبنا؟

في حين، علمتني القناعة وحرمان الحصار والحروب أني قادر على رؤية الوفرة حيث النقص؛ وأقرأ علامات الحب حتى حيث يوجد بعض النفور؛ وقد يكون الابتعاد استعدادا للوحدة بين بعض الأحبّة حتى لو انفصلوا إلى حين...

نقرأ في الانجيل آية تبدو للوهلة الأولى غريبة، قالها يسوع: "سراج الجسد العين، فإن كانت عينك سليمة يكون جسدك كله نيرا، وإن كانت عينك مظلمة يكون جسدك كله مظلما، وأن كان النور الذي فيك ظلاما، فظلامك كيف يكون؟" (متى 6/22). كان الأقدمون بأسلوبِهم الصوَري يعنون بأنّ في العين يوجد نورٌ نسلّطه على الأشياء من خلال مجرّد النظر إليها، أي يمكن أن تكون نظرتك منارة تضيء الظلام أينما حلت لأنك أنت من يخلق (مع الله) كل ما هو موجود، أي إنك تخرج الأشياء إلى حيّز النور وتعيد خلقها بمجرد تسليطِك نظرة "مفسِرة" وشارحة لها، لأن الله بعث بك إليها من أعماق الزمن وعملها في وقت مضى لك ومن أجلك وأنت عليك أن تعمل الآن، وبهذا تُكمِل عمل الخالق، ولولا مشاركتك الخلقَ معه لن يكتمل المعنى الذي أنت مدعوّ لإعطائه الأشياء والأشخاص من أي وقت ومكان. يمكنك إذن أن تحتضن الحياة بمعرفة كاملة وبذا تقترب من الكمال، كمال الحب الذي به تتجاوز نقص الطبيعة ونقصَ الآخرين: "كونوا كاملين كما أن أباكم السماوي كامل: لأنه يشرق شمسه وينزل مطره على الأخيار والأشرار..." (متى 5/48)، وهذا لا تستطيع تحقيقَه إلا إذا تزودتَ بالطاقة من مصدرها، طاقة الحب الساكن فيك. لكن متى ستفعل هذا؟ أراك منشغلا بأوهامك وتنسى هذه الحقيقة، تنسى أن النعمة الإلهية تتدفق فيك مثل نهرٍ أبديّ محصور بداخلك لأنك لم تسمع ما قاله المعلم: "من يسمع هذا الكلام ستجري من بطنه أنهارُ ماء الحياة..." (يو 7/38)، حذار إذن فأنت قادر أن تنفصل إلى الأبد، عن الخالق وحبّه غير المشروط، عندما تنسى أنك عطيّة وهديّة يتوق هو إلى تحقيقها بمَلئِك بنعمته فتصبحَ واحدًا معه. لقد قالها الله منذ البداية، بعد المعصية: "ها قد أصبح آدم كواحد منا، يعرف الخير والشر والآن لعله يَمدّ يدَه إلى شجرة الحياة أيضا فيأخذ منها ويأكل..." (تك 3/22). أكثر من أي شيء آخر إذن يجب أن يشغل هذا الأمر ذهنَك وليس الأوهام، عليك أن تعرف أنك لم تتوقف قط عن كونك خليقة الإله من أجل هدف آخر يختلف عن كل ما تتصوّر وتتوهّم لأن حتى الواقع سيختلف: "ما لم تره عين وتسمع به اذنٌ ما أعدّه الله للذين يحبّونه ..." (1 قور 2/9). اقبَل فقط أنّ ما أنت عليه الآن هو حالة نقصٍ كالشجرة التي لم تثمر بعدُ، أنتَ في طور النموّ، أمامَك ثمارٌ أبديّة، تذكر أنكَ كنتَ دائمًا وستظل في كل لحظة عابرًا نحو الأبدية... وهو كذلك!

وليكن الحب والسلام معك على الدوام.                                                                            كركوك 20 تموز 2019










h
أربيل - عنكاوا

  • رقم الموقع: 07517864154
  • رقم إدارة القناة: 07504155979
  • البريد الألكتروني للإدارة:
    [email protected]
  • البريد الألكتروني الخاص بالموقع:
    [email protected]
جميع الحقوق محفوظة لقناة عشتار الفضائية © 2007 - 2026
Developed by: Bilind Hirori
تم إنشاء هذه الصفحة في 0.6523 ثانية