
عشتار تيفي كوم - سيرياك برس/
بعد 6 أعوام من اختفاء المواطن الكلداني، هرمز ديريل ومقتل زوجته، شموني ديريل في ظروف غامضة بولاية شرناق جنوب شرق تركيا، قررت محكمة تركية توقيف المشتبه الرئيسي في القضية، أبرو ديريل على خلفية ملف اختفاء هرمز. ويأتي القرار في قضية لا تزال تثير تساؤلات واسعة داخل المجتمع السرياني الكلداني الآشوري الآرامي وفي أوساط المدافعين عن حقوق الإنسان، وسط اتهامات متكررة بأن التحقيقات لم تكشف بعد كامل الحقيقة.
عودة إلى قرية مهجورة… وبداية المأساة
ينحدر الزوجان هرمز ديريل (71 عاماً عند اختفائه) وشموني ديريل (65 عاماً) من الطائفة الكلدانية، وكانا يعيشان في قرية مهري (كوفانكايا) التابعة لقضاء بيتوشباب في ولاية شرناق.
في عام 1989 أُجبر سكان القرية، من بينهم عائلة ديريل، على مغادرة منازلهم قسراً خلال سنوات النزاع في جنوب شرق تركيا، حيث نزح العديد من أبناء الشعب السرياني الكلداني الآشوري الآرامي من قراهم.
بعد سنوات من التنقل داخل البلاد، استقرت العائلة لفترة في إسطنبول داخل كنيسة كلدانية. ومع بداية الألفية الجديدة، قرر الزوجان العودة إلى قريتهما الأصلية، في خطوة نادرة بين أبناء الشعب السرياني الكلداني الآشوري الآرامي الذين هاجر معظمهم من المنطقة. هناك حاولا إعادة بناء حياتهما بين أطلال القرية التي هجراها قبل عقود.
لكن في 11 كانون الثاني 2020، اختفى الزوجان فجأة من منزلهما في القرية. واكتشف ابنهما، القس رمزي ديريل اختفاءهما عندما وصل من إسطنبول لزيارتهما.
بعد نحو 70 يوماً من عمليات البحث، عُثر على جثة شموني ديريل قرب ضفاف نهر هيزل، على بعد عدة كيلومترات من المنزل. كانت الجثة متحللة بشدة وتفتقد بعض الأجزاء. أما هرمز ديريل، فلم يُعثر له على أثر سوى سترته وحذائه، ولا يزال مصيره مجهولاً حتى اليوم.
المشتبه الرئيسي أمام المحكمة بعد سنوات
برز اسم أبرو ديريل، وهو أحد أقارب العائلة ومن سكان القرية، كمشتبه رئيسي منذ بداية التحقيق. وأشارت الشبهات إليه بسبب عدم إبلاغه عن اختفاء الزوجين رغم علمه بالحادثة، إضافة إلى خلافات سابقة مع العائلة تضمنت إطلاق نار على منزلهم، وفق ما ورد في ملف التحقيق.
تم توقيفه عدة مرات خلال السنوات الماضية قبل أن يُطلق سراحه، لكنه حُكم لاحقاً بالسجن المؤبد بتهمة قتل شموني ديريل.
وفي تطور جديد، مثل أبرو ديريل هذا الأسبوع أمام محكمة الجنايات الثقيلة الأولى في شرناق للمرة الأولى في القضية المتعلقة باختفاء هرمز ديريل.
وخلال الجلسة، نفى المتهم جميع التهم الموجهة إليه، إلا أن المحكمة قررت توقيفه أيضاً في هذا الملف بناءً على طلب الادعاء، مع تأجيل المحاكمة إلى 12 أيار المقبل.
شكوك حول وجود متورطين آخرين
في الجلسة نفسها، قال متهم آخر في القضية، بهجت أوزتونتش، إنه كان على اتصال بأبرو ديريل بهدف “جمع معلومات استخباراتية عن حزب العمال الكردستاني”، مدعياً أن ذلك كان بعلم قادة عسكريين محليين وعناصر من قوات حرس القرى، لكن فريق الدفاع عن عائلة ديريل يرى أن القضية أوسع من متهم واحد.
المحامي روجهات ديلسيز، أحد محامي العائلة، قال إنهم يكادون يجزمون بأن أبرو ديريل لم ينفذ الجريمة بمفرده، مشيراً إلى أن المتهم قدم 5 أو 6 روايات متناقضة خلال التحقيقات، من بينها ادعاء أن الزوجين اختطفهما مقاتلو حزب العمال الكردستاني.
وأضاف أن عمر المتهم، الذي يقترب من السبعين، يجعل من الصعب تصديق أنه نفذ الجريمة وحده، مؤكداً أن هناك “روابط أخرى” لم يتم التحقيق فيها بشكل كاف.
انتقادات للتحقيق القضائي
منذ بداية القضية، تعرض مسار التحقيق لانتقادات من محامي العائلة ومنظمات حقوقية، ففي عام 2022 رفضت محكمة في شرناق لائحة اتهام أولية قدمها الادعاء، معتبرة أنها غير مكتملة ولا تحدد الجريمة بشكل واضح، في خطوة أثارت جدلاً قانونياً واسعاً.
وقال المحامي والناشط الحقوقي أورهان كمال جنكيز آنذاك، إن القضية تمثل “فضيحة قانونية كبيرة”، معتبراً أن بطء التحقيقات وسريتها المفرطة، يشيران إلى احتمال حماية الجناة.
كما اشتكى محامو العائلة من رفض المحكمة لعدد من الطلبات التي اعتبروها ضرورية لكشف الحقيقة، مثل تحليل بيانات الاتصالات الهاتفية وتحديد مواقع الهواتف المحمولة للمشتبه بهم وقت وقوع الجريمة.
قضية تتجاوز جريمة فردية
يرى مراقبون أن قضية ديريل تحمل بعداً أوسع، إذ ترتبط بتاريخ طويل من تهجير الشعب السرياني الكلداني الآشوري الآرامي من قراه في جنوب شرق تركيا خلال التسعينيات.
وقال محامو العائلة إن عشرات القرى التي كان يسكنها الشعب السرياني الكلداني الآشوري الآرامي في المنطقة، أصبحت شبه خالية اليوم، ولم يبق فيها سوى عدد قليل من السكان.
ويقول محامي العائلة إن الزوجين ديريل، عادا إلى قريتهما بدافع التمسك بأرض الأجداد، لكنهما دفعا ثمناً باهظاً لذلك.
عدالة لم تكتمل بعد
بعد أكثر من 6 سنوات على اختفاء هرمز ديريل، لا تزال عائلته تجهل مصيره.
وفي شباط 2025، أقيم قداس تذكاري في كنيسة القديس توما الرسول بمدينة سارسل في فرنسا، إحياءً لذكرى الزوجين، حيث جدد أبناء الجالية السريانية الكلدانية الآشورية الآرامية مطالبهم بكشف الحقيقة وتحقيق العدالة.
وقال ابنهما القس رمزي ديريل خلال المناسبة، إن الغموض حول مصير والده ما زال “عبئاً لا يُحتمل” على العائلة.
وبينما تستعد المحكمة لجلسة جديدة في أيار، يأمل أفراد العائلة وأنصارهم أن تكون هذه التطورات خطوة نحو كشف ملابسات واحدة من أكثر القضايا غموضاً التي شهدتها المنطقة في السنوات الأخيرة.