
جزيرة خرج في إيران | مصدر الصورة: ويكيميديا كومونز
عشتارتيفي كوم- آسي مينا/
بقلم: سهيل لاوند
طهران, الاثنين 16 مارس، 2026
بينما تحظى جزيرة خرج (خارك) الإيرانية باهتمام عالمي بسبب دورها المحوري في سوق الطاقة، وتوترات الصراعات العسكرية، يبقى تاريخها المسيحي أقل حضورًا في الوعي العام، رغم أن آثارها المعمارية ونقوشها الكنسية لا تزال شاهدة على مرحلة منسية من تاريخ المنطقة.
تقع جزيرة خرج في الشمال الشرقي من الخليج الفارسي «العربي»، على بعد نحو 25 كيلومترًا من الساحل الإيراني قبالة مدينة بوشهر. وبفضل موقعها الاستراتيجي وعمق مياهها، اكتسبت أهمية خاصة عبر التاريخ. وتتميز بكونها من الجزر النادرة في الخليج التي تمتلك مصدرًا خاصًّا للمياه العذبة، الأمر الذي ساعد على استيطانها منذ العصور القديمة.
ورغم أن الجزيرة ليست حقلًا نفطيًّا ولا مصفاة عملاقة، فإنها تمثل أهم بوابة لنفط إيران إلى العالم. فهي تضم خزانات نفطية قادرة على استيعاب أكثر من 20 مليون برميل من النفط الذي يصل إليها عبر شبكة أنابيب طويلة، لتنطلق من مرافئها الضخمة نحو 90% من صادرات النفط الإيرانية. ويبلغ حجم هذه الصادرات يوميًّا نحو مليون ونصف مليون برميل، وهو رقم يتجاوز إنتاج معظم دول «أوبك».
وفي سياق التطورات الأخيرة، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن القصف الذي طال الجزيرة قبل يومين دمّر أصولًا عسكرية من دون استهداف منشآتها النفطية الحيوية، إذ إن استهدافها قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط المرتفعة أصلًا. وفي آخر المعلومات، نقل موقع «أكسيوس» عن مسؤول أميركي أن ترامب يميل إلى فكرة السيطرة المباشرة على الجزيرة، لما قد يشكّله ذلك من ضربة اقتصادية قاصمة للسلطة الإيرانية، غير أنّ تحرّكًا كهذا يتطلّب نشر قوات برّية، وهو أمر ليس سهل التنفيذ.
حضور مسيحي
رغم عدم توافر أدلة حاسمة، يُرجَّح أن يكون الوجود المسيحي في الجزيرة قد بدأ منذ القرن الرابع الميلادي، وأن تكون خرج قد دخلت في القرن التالي ضمن أبرشية «بيت قطراي» التابعة لكنيسة المشرق. أما الحضور المسيحي المؤكد فيها فيعود إلى أواخر العصر الساساني في القرن السادس الميلادي. واللافت أن سقوط الدولة الساسانية بيَد العرب في القرن السابع لم ينهِ هذا الوجود؛ بل شهدت الجزيرة بعد ذلك نشاطًا كنسيًّا ملحوظًا استمرّ حتى القرن التاسع. ومنذ ذلك الوقت، بدأ المجتمع المسيحي في الجزيرة يتراجع تدريجًا حتى اضمحلاله.
الشاهد الأثري الأبرز على هذه المرحلة هو دير رهباني، يُعد أكبر مجمع مسيحي أثري مكتشف حتى الآن في منطقة الخليج. وقد اكتشفه عالم الآثار الفرنسي رومان غيرشمان في العام 1960، ويعود تاريخه إلى القرن السابع الميلادي، أو إلى القرن الثامن على أبعد تقدير. ويضم كنيسة محورية عُثر فيها على زخارف جصية نباتية، مع عدد من الغرف الداخلية، منها قاعة طعام، وقاعة لتدريس الرهبان، ومكتبة، وغرفة لنسخ النصوص، إضافة إلى ما لا يقل عن 19 صومعة متجاورة ثلاثية الحجرات.
وتجدر الإشارة إلى أن عمليات التنقيب في الجزيرة بقيت محدودة، إذ ركّز غيرشمان أساسًا على الكنيسة أكثر من الدير نفسه أو على مواقع أخرى في الجزيرة. لذلك يبقى احتمال وجود آثار مسيحية أخرى لم تُكتشف بعد أمرًا مرجحًا. كذلك، تنتشر في الجزيرة مقابر منحوتة في الصخر تعود إلى عصور مختلفة، منها السلوقية والبارثية والساسانية. ومن اللافت أن المسيحيين أعادوا استخدام بعض هذه المدافن القديمة، إذ عُثر على «صلبان نسطورية» منحوتة عليها، إضافة إلى شواهد قبور مزينة بزخارف نباتية تتخذ شكل الصليب.
اليوم يحيط بموقع الدير سياج أمني مرتبط بالاستخدام العسكري للجزيرة، ما يحدّ من سهولة الوصول إليه ويسهم جزئيًّا في حمايته. مع ذلك، تبقى هذه الآثار مهددة بالتلف ليس بسبب التعرية والتلوث النفطي فحسب، بل أيضًا نتيجة الصراعات الجيوسياسية التي تجعل الجزيرة هدفًا عسكريًّا متكررًا. ويبقى السؤال المطروح: هل تنجو آثار خرج المسيحية من الصراع الحالي، أم تصبح ضحية جديدة للصراعات الدولية؟