
العلمان الأوكراني والروسي © ifri
عشتارتيفي كوم- مونت كارلو الدولية/
بعد أكثر من أربع سنوات على بدء الغزو الروسي لأوكرانيا، تظهر مؤشرات جديدة على الجبهة الشرقية توحي بأن الحرب قد تكون دخلت مرحلة مختلفة تحقق فيها أوكرانيا تقدما ميدانيا على حساب روسيا في أيار/مايو للشهر الثاني تواليا، مع استعادتها السيطرة على مساحة تناهز 282 كيلومترا مربعا، وذلك استنادا لبيانات معهد دراسة الحرب (ISW)، وفي نيسان/أبريل، تقلّصت للمرة الأولى منذ عامين ونصف عام، المساحة الخاضعة لسيطرة موسكو، بنحو 120 كلم مربع.
وتبقى المكاسب الأوكرانية في نيسان/أبريل وأيار/مايو محدودة نسبيا، اذ تشكل 0,07 في المئة من عموم مساحة البلاد بما يشمل منطقة دونباس وشبه جزيرة القرم، و0,4% من إجمالي المساحة التي تسيطر عليها روسيا، ومع ذلك، تعكس توجّها إيجابيا للمعسكر الأوكراني.
ويعتمد الجيش الروسي تكتيك إرسال مجموعات صغيرة لاتخاذ مواقع والإمساك بها تمهيدا لتقدّم قوات أكبر لاحقا.
وأفاد معهد دراسة الحرب الأسبوع الماضي بوجود "حملات ناجحة من الضربات بواسطة طائرات مسيّرة متوسطة المدى" أطلقتها أوكرانيا هذا الربيع، ما أتاح "الحدّ من قدرة روسيا على نقل الأفراد" إلى الجبهة وتعزيز مواقعها على الخطوط الأمامية.
وفي أيار/مايو، تقدّمت القوات الأوكرانية في دونيتسك وزابوريجيا.
وحققت موسكو غالبية تقدّمها الميداني خلال الأسابيع الأولى من النزاع.
من التوسع الروسي إلى التراجع
خلال الفترة الممتدة بين ديسمبر 2024 ومايو 2025 تمكنت القوات الروسية من التوغل في أكثر من 515 كيلومترا مربعا من الأراضي الأوكرانية. أما خلال الفترة نفسها من عامي 2025 و2026، فلم تتمكن سوى من التوغل في نحو 40 كيلومترا مربعا فقط.
وبلغة الأرقام، فإن القوات الروسية لم تحقق هذا العام سوى أقل من 8% من المكاسب التي سجلتها خلال الفترة نفسها من العام الماضي.
بل إن تقييم معهد دراسة الحرب يذهب أبعد من ذلك، إذ يشير إلى أن روسيا فقدت فعليا السيطرة على نحو 281 كيلومترا مربعا خلال الأشهر الأخيرة، وإن كان المعهد يوضح أن هذا لا يعني بالضرورة تحرير أوكرانيا لكل هذه المساحات، بل يعكس تراجعا في مستوى السيطرة الروسية وتحول بعض المناطق إلى مناطق اشتباك أو تسلل متبادل.
لماذا يتراجع التقدم الروسي؟
لفترة طويلة كان الكرملين يعزو تباطؤ عملياته إلى الظروف المناخية المعروفة باسم "راسبوتيتسا"، أي موسم الطين الذي يعيق حركة الآليات العسكرية في الربيع.
غير أن معهد دراسة الحرب يرى أن تفسير التراجع الحالي بالعوامل المناخية لم يعد مقنعا.
ففي السنوات السابقة كانت القوات الروسية تستعيد زخمها مع جفاف الأرض في شهري مايو ويونيو، لكن هذا لم يحدث في عام 2026. ويعني ذلك أن المشكلة لم تعد مرتبطة بالطقس، بل بتحولات أعمق داخل ساحة المعركة نفسها.
سلاح المسيّرات يقلب المعادلة
أحد أبرز أسباب هذا التحول يتمثل في نجاح أوكرانيا في توسيع حرب المسيّرات والضربات بعيدة المدى.
فخلال الأشهر الأخيرة كثفت كييف هجماتها على مستودعات الوقود ومحطات ضخ النفط ومراكز الإمداد والقواعد الخلفية الروسية، سواء داخل الأراضي المحتلة أو في العمق الروسي.
وأظهرت تقارير ميدانية أن هذه الضربات لم تعد مجرد عمليات رمزية، بل بدأت تؤثر مباشرة في قدرة موسكو على نقل القوات والذخائر إلى الجبهة.
وفي محور بوكروفسك، أحد أهم محاور القتال الحالية، اعترف مدونون عسكريون روس بأن نشاط المسيّرات الأوكرانية بات يعرقل عمليات تبديل القوات الروسية ويحد من قدرة مجموعات التسلل على التقدم.
كما أعلن الجيش الأوكراني تدمير أكثر من مئة منظومة مدفعية روسية في هذا القطاع خلال شهر واحد فقط، وهو ما يعكس تصاعد فعالية الحرب الجوية غير المأهولة.
حرب استنزاف للاقتصاد الروسي
التحدي الذي يواجه موسكو لا يقتصر على الجبهة العسكرية.
فبحسب معلومات نقلتها وكالة بلومبرغ عن مسؤولين روس، حذر البنك المركزي ووزارة المالية الروسية الرئيس فلاديمير بوتين من أن مستويات الإنفاق العسكري الحالية باتت تشكل ضغطا خطيرا على الاقتصاد.
وتشير التقديرات إلى احتمال ظهور عجز إضافي يتراوح بين 1.2 و1.5 تريليون روبل خلال النصف الثاني من عام 2026، فيما تجاوز عجز الميزانية خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام كامل العجز المخطط له للسنة بأكملها.
ومع ذلك، يرفض بوتين حتى الآن خفض الإنفاق الدفاعي، ما يكشف عن قناعته بأن روسيا لا تزال قادرة على تحقيق أهدافها العسكرية إذا استمرت الحرب لفترة أطول.
هل أخطأ بوتين في تقدير الوضع؟
يطرح معهد دراسة الحرب فرضية أكثر حساسية، إذ يشير إلى احتمال أن يكون الرئيس الروسي قد تلقى تقديرات مفرطة في التفاؤل من القيادة العسكرية الروسية بشأن الوضع على الجبهة.
فإذا كانت القيادة السياسية تعتقد أن النصر ما يزال قريبا، فمن الطبيعي أن تستمر في ضخ الموارد المالية والعسكرية الهائلة للحرب.
لكن المعطيات الميدانية الحالية توحي بأن روسيا لم تعد تمتلك القدرة نفسها على تحقيق الاختراقات التي سجلتها في الأعوام السابقة.
هل تغير مسار الحرب فعلا؟
رغم هذه المؤشرات، لا يزال من المبكر الحديث عن انعطافة حاسمة أو عن هزيمة روسية وشيكة.
فموسكو ما تزال تسيطر على أكثر من 19% من الأراضي الأوكرانية، وتحتفظ بقوات كبيرة وقدرات صاروخية وجوية تمكنها من مواصلة الحرب لفترة طويلة.
لكن ما يبدو واضحا اليوم هو أن عام 2026 يختلف عن عام 2025.
عدداً متزايداً من مراكز الدراسات والخبراء الغربيين يرى أن ربيع 2026 شهد تحولاً مهماً يتمثل في توقف الزخم الروسي الذي استمر منذ أواخر 2023، وبدء أوكرانيا باستعادة أراضٍ للشهر الثاني على التوالي، ونجاح حملة المسيّرات الأوكرانية في إرباك اللوجستيات الروسية، انتقال روسيا تدريجياً من استراتيجية التوسع البري إلى تكثيف الحرب الجوية.
معظم التحليلات تحذر أيضاً من أن الحديث عن انعطافة حاسمة أو هزيمة روسية ما زال مبكراً، لأن موسكو لا تزال تسيطر على أكثر من 19% من الأراضي الأوكرانية وتحتفظ بقدرات بشرية وعسكرية كبيرة تسمح لها بمواصلة الحرب لفترة طويلة.
حلف الناتو
يُظهر حلف شمال الأطلسي (الناتو) دعما قويا لأوكرانيا، حيث وصل الأمين العام مارك روته إلى كييف الأربعاء، وانضم إليه مجلس حلف شمال الأطلسي بأكمله، في أول زويارة من نوعها شارك فيها ممثلون عن جميع الدول الأعضاء في الحلف البالغ عددها 32 دولة.
وحضروا مراسم مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لتكريم الجنود الأوكرانيين الذين سقطوا في الحرب.
وأكد روته أن حلف الناتو لا يزال يقف إلى جانب كييف.
وقال "إن الخطر الذي لا تزال روسيا تشكله حقيقي، وعزمنا على الدفاع عن أنفسنا ومواصلة دعم أوكرانيا في مواجهة هذا التهديد ثابت لا يتزعزع".
وذكر روته بأن روسيا في العام 2026 لم تستطع الاحتفال بعرض عسكري في عيد النصر إلا بمرسوم من زيلينسكي.
وجاءت الزيارة مباشرة بعد أن شنت روسيا موجة هجمات واسعة النطاق في أنحاء البلاد في وقت سابق من هذا الأسبوع. وقال روته إن الزيارة تبعث برسالة قوية عن "الرابطة الدائمة" بين حلف شمال الأطلسي وأوكرانيا.
دعوة للتفاوض
الخميس دعا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، إلى مفاوضات مباشرة وجهاً لوجه في رسالة مفتوحة موجهة مباشرة إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وتُعدّ هذه الرسالة، وهي أول رسالة علنية يوجهها زيلينسكي مباشرة إلى بوتين بمثابة نقد لاذع للزعيم الروسي خلال 26 عاماً من حكمه.
وأقرّ زيلينسكي بتغير أولويات الولايات المتحدة، قائلاً إنه من الخطأ انتظار إدارة ترامب للعودة إلى التركيز على إنهاء الحرب الأوكرانية بينما لا تزال منشغلة بشدة بالحرب مع إيران.
ورد بوتين على الدعوة قائلا إن الرئيس الأوكراني يمكنه زيارة موسكو "في أي وقت" وهو أمر لطالما رفضه زيلينسكي واقترح مكانا ثالثا.
كما انتقد بوتين كذلك الحرب في الشرق الأوسط التي حولت اهتمام الولايات المتحدة عن الحرب في أوكرانيا.
من جانبه أيد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دعوة زيلنسكي إنه "سيكون من الرائع" أن يلتقي بوتين وزيلينسكي، وأضاف ترامب: "عليهما إنجاز ذلك".
وعند سؤاله عن التنازلات التي حثّ بوتين على تقديمها لإنهاء الحرب، امتنع ترامب عن تقديم تفاصيل، لكنه قال إن كلا الجانبين سيحتاجان إلى تقديم تنازلات.
بدا أن زيلينسكي يحاول اغتنام لحظة محورية في الحرب، إذ بدأت أوكرانيا تستعيد بعضًا من نفوذها الميداني، لا سيما بفضل تحسين قدراتها على توجيه ضربات بعيدة المدى، الأمر الذي عرقل تقدم روسيا.
في الوقت نفسه، كثّفت موسكو حملتها الجوية المميتة في جميع أنحاء أوكرانيا، ساعيةً لاستغلال نقص إمدادات الدفاع الجوي في كييف واستمرار ضعفها أمام هجمات الصواريخ الباليستية.
الكونغرس يتحرك ويقرّ مساعدات
أقرّ مجلس النواب الأميركي مشروع قانون لدعم أوكرانيا وفرض عقوبات جديدة على روسيا بأغلبية 226 صوتاً مقابل 195، في خطوة عكست اتساع التباينات داخل الحزب الجمهوري واستعداد بعض أعضائه لمعارضة توجهات الرئيس دونالد ترامب.
وصوّت 18 نائباً جمهورياً، إلى جانب عضو مستقل، مع الديمقراطيين لتمرير المشروع الذي ظل معلقاً لأشهر، وذلك بعد يوم واحد من انضمام عدد من الجمهوريين إلى الديمقراطيين لإقرار قرار يلزم ترامب بوقف أي أعمال عسكرية ضد إيران ما لم يمنح الكونغرس تفويضاً بذلك.
ويتضمن مشروع القانون أكثر من مليار دولار مساعدات مباشرة لأوكرانيا، وما يصل إلى ثمانية مليارات دولار على شكل قروض، إضافة إلى برامج لإعادة الإعمار بعد الحرب. كما يفرض عقوبات مشددة على روسيا تستهدف المؤسسات المالية وقطاعي النفط والتعدين ومسؤولين روساً.
ومع ذلك، يبقى مصير المشروع غير محسوم، إذ يحتاج إلى موافقة مجلس الشيوخ، حيث يرفض القادة الجمهوريون طرح تشريع العقوبات للتصويت قبل معرفة موقف ترامب، الذي يُرجّح أن يستخدم حق النقض (الفيتو) إذا أُقرّ القانون نهائياً.
ويأتي التصويت في وقت تراجعت فيه المساعدات الأميركية لكييف بشكل ملحوظ منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض مطلع عام 2025.