

يُعد المفكر الصيني وانغ هونينغ واحدًا من أبرز المفكرين السياسيين في الصين المعاصرة. وقد لفت الأنظار من خلال كتابه الشهير "أميركا ضد أميركا" الذي ألّفه بعد زيارته للولايات المتحدة عام 1988، حيث قدم فيه قراءة نقدية للمجتمع الأمريكي، مركزًا على التناقضات التي رأى أنها تظهر داخل النموذج الرأسمالي. من أبرز ملاحظات وانغ أن قوة رأس المال والشركات الكبرى قد تصل أحيانًا إلى درجة تتجاوز نفوذ المؤسسات السياسية، الأمر الذي قد يؤدي إلى اختلال التوازن بين الاقتصاد والسياسة والمجتمع. ومن هنا جاءت رؤيته بأن السوق، رغم أهميته في التنمية، لا ينبغي أن يتحول إلى قوة مستقلة عن أهداف الدولة والمجتمع، وأن الشركات الكبرى يجب أن تبقى ضمن إطار المسؤولية الوطنية والاجتماعية. وتتقاطع بعض هذه الأفكار مع التحليلات الماركسية التي رأت أن الرأسمالية تحمل داخلها تناقضات قد تؤدي إلى أزمات متكررة. فقد اعتبر ماركس أن الصراع بين رأس المال والعمل يمثل أحد التناقضات الأساسية في النظام الرأسمالي، بينما وصف لينين الإمبريالية بأنها مرحلة متقدمة من تطور الرأسمالية تتميز بتداخل الاقتصاد بالقوة السياسية والصراع الدولي.
لكن وانغ هونينغ لم يذهب إلى القول بانهيار وشيك للنظام الأمريكي، بل ركز على وجود تحديات داخلية، مثل نفوذ رأس المال، واتساع الفجوات الاجتماعية، والاستقطاب السياسي، وتراجع بعض القيم المشتركة. وفي الوقت نفسه أقرّ بقدرة النظام الرأسمالي على التكيف وإعادة إنتاج نفسه.
ومن هذا المنطلق يمكن فهم بعض توجهات الحزب الشيوعي الصيني خلال السنوات الأخيرة، خصوصًا في ما يتعلق بتنظيم شركات التكنولوجيا الكبرى، وضبط تأثير رأس المال الخاص، والتأكيد على دور الدولة في توجيه الاقتصاد والثقافة. فهذه السياسات تنسجم مع رؤية تعتبر أن التنمية الاقتصادية لا تكفي وحدها، وأن الحفاظ على التماسك الاجتماعي والقيم الوطنية يجب أن يكون جزءًا من مشروع الدولة.
ومع ذلك، فإن هذه السياسة تثير نقاشًا عالميًا واسعًا، فأنصارها يرون فيها محاولة لمنع تحول الشركات العملاقة إلى قوى تفوق الدولة، بينما يرى منتقدوها أن زيادة تدخل الدولة قد تحد من الابتكار والحرية الاقتصادية.
إن أهمية وانغ هونينغ لا تكمن فقط في نقده للنموذج الأمريكي، بل في طرحه سؤالًا عالميًا: كيف يمكن تحقيق التوازن بين قوة السوق ودور الدولة؟ وكيف يمكن للمجتمعات أن تستفيد من الرأسمال دون أن تسمح له بالهيمنة على السياسة والثقافة والقيم؟
لقد أصبح كتاب "أميركا ضد أميركا" بالنسبة للصين أكثر من مجرد دراسة عن مجتمع آخر؛ فقد تحول إلى جزء من نقاش أوسع حول الطريق الذي يجب أن تسلكه الدول في عصر تتصارع فيه قوى الاقتصاد والسياسة والتكنولوجيا على تشكيل مستقبل العالم.
الدرس العراقي من سطوة رأس المال إلى هيمنة الأحزاب
إذا كانت ملاحظات وانغ هونينغ انطلقت من قلقه تجاه تحوّل رأس المال في بعض المجتمعات إلى قوة قادرة على التأثير في القرار السياسي، فإن التجربة العراقية تقدم إشكالية مختلفة، لكنها ترتبط بالسؤال نفسه: ماذا يحدث عندما تصبح القوى السياسية أو الحزبية هي القوة المهيمنة على مؤسسات الدولة والمجتمع؟
فبعد عام 2003، وفي إقليم كردستان أيضًا، برز دور الأحزاب السياسية ليس فقط كقوى سياسية، بل كقوى تمتلك نفوذًا واسعًا في الإدارة والاقتصاد والإعلام والموارد العامة. ومع ضعف المؤسسات المستقلة، أصبح الولاء الحزبي في كثير من الأحيان أكثر تأثيرًا من الكفاءة والقانون، الأمر الذي انعكس على قدرة الدولة على تقديم الخدمات وبناء مؤسسات تقوم على المواطنة.
المشكلة ليست في وجود الأحزاب بحد ذاتها، فالأحزاب جزء أساسي من أي نظام ديمقراطي، بل في تحوّلها إلى مراكز نفوذ تتجاوز دورها الطبيعي، بحيث تصبح الدولة أداة لخدمة القوى السياسية بدل أن تكون مؤسساتها في خدمة المجتمع.
وهنا يظهر الفرق بين النموذج الصيني الذي يحاول إخضاع رأس المال لأهداف الدولة، وبين الحالة العراقية التي تعاني من إشكالية أخرى، وهي ضعف الدولة أمام نفوذ القوى الحزبية ومراكز المصالح. ففي الحالتين يبرز سؤال جوهري: من يخدم من؟ هل تخدم السلطة المجتمع، أم تتحول السلطة إلى وسيلة لحماية مصالح فئات محددة؟
إن بناء دولة مستقرة في العراق وإقليم كردستان يتطلب الانتقال من منطق تقاسم النفوذ إلى منطق بناء المؤسسات، حيث تكون الأولوية للتعليم والصحة والاقتصاد وفرص الشباب، وليس فقط الحفاظ على مواقع القوة السياسية.
القضية الأساسية ليست فقط من يملك المال أو السلطة، بل من يملك القدرة على توجيه القرار العام: هل هو رأس المال، أم الحزب، أم مؤسسات الدولة؟
في الولايات المتحدة، يطرح بعض المفكرين إشكالية نفوذ الشركات الكبرى وقدرتها على التأثير في السياسة، بينما في الصين اتجه الحزب إلى إبقاء الشركات تحت إشراف الدولة لمنع ظهور مراكز قوة اقتصادية مستقلة."
أما في العراق، فإن الإشكالية تأخذ شكلًا مختلفًا، فالمشكلة ليست فقط علاقة المال بالسياسة، بل هيمنة الأحزاب على مؤسسات الدولة، وتحول بعض القوى السياسية إلى مراكز نفوذ تمتد إلى الاقتصاد والإدارة والخدمات.
ففي جميع الحالات يبرز السؤال نفسه: هل تكون الدولة ومؤسساتها فوق المصالح الخاصة، أم تتحول الدولة إلى ساحة تتنافس فيها مراكز القوة؟ إن قوة أي مجتمع لا تُقاس فقط بحجم اقتصاده، بل بقدرة مؤسساته على حماية المصلحة العامة.
.