

كانت "العشرة" قديماً كلمة مقدسة، تُبنى عليها البيوت، وتُصان لأجلها الأسرار، وتُغفر بسببها العثرات. كان يقال: "بيننا خبز وملح"، وهي جملة كفيلة بإنهاء أعتى الخلافات. لكننا اليوم، في زمن السرعة والاستهلاك، نقف أمام تساؤل مرير: هل ماتت "العشرة" حقاً؟ ولماذا صار التخلي هو الخيار الأول، والتمسك هو "الاستثناء" الضعيف؟
عصر "الاستبدال" لا "الإصلاح"
نحن نعيش في عصر "الاستهلاك" الذي أثر حتى على مشاعرنا. عندما تعطلت أدواتنا المنزلية قديماً، كنا نأخذها للمصلّح، أما اليوم فنرميها لنشتري الأحدث. انتقلت هذه العدوى للعلاقات؛ فبدلاً من إرهاق أنفسنا في "إصلاح" سوء تفاهم مع صديق أو قريب، أصبحنا نستسهل "استبداله" بآخر جديد، أو ببساطة حذفه من حياتنا بكبسة زر.
وهم "البدائل المتاحة"
فتحت وسائل التواصل الاجتماعي أمامنا أبواباً وهمية من البدائل. يعتقد المرء منا أن لديه آلاف "الأصدقاء" الافتراضيين، مما يمنحه شعوراً زائفاً بالاستغناء. هذا الوهم يضعف الرغبة في التمسك بالشخص الحقيقي الموجود في حياتنا؛ فالعقل الباطن يهمس لنا دائماً: "هناك غيره الكثير، لا داعي للعناء".
الأنانية المفرطة تحت مسمى "الصحة النفسية"
لقد أسيء فهم مفهوم "الصحة النفسية" و"حب الذات" في الآونة الأخيرة. تحول الأمر لدى البعض من تجنب العلاقات السامة إلى "التخلي" عن أي شخص يطالبنا بمجهود، أو يختلف معنا في الرأي، أو يمر بظرف صعب يحتاج منا الصبر. أصبحنا نضحي بالعشرة الطويلة مقابل "راحة بال" مؤقتة، متناسين أن العلاقات الحقيقية تُبنى أصلاً في مواسم الصبر لا في أيام الرفاهية.
غياب "البركة" في الوقت والجهد
في الماضي، كان لدى الناس وقت للاستماع، للجلوس طويلاً، للعتاب اللطيف الذي يغسل القلوب. اليوم، الجميع يركض خلف "الترند" والمادة والعمل. ضيق الوقت جعلنا نختصر العلاقات؛ فالعتاب صار "ثقلاً"، والاعتذار صار "انكساراً"، والبقاء على العهد صار "حملاً" لا يقوى عليه إنسان هذا العصر المنهك.
ثقافة "البلوك" النفسي
قبل أن يظهر "البلوك" التقني، ظهر في قلوبنا. أصبح التخلي "قراراً لحظياً" نابعاً من غضب، لا يسبقه تفكير في الذكريات الجميلة أو المواقف الصعبة التي اجتزناها معاً. لقد فقدنا "آداب الخصومة"، فصرنا إذا اختلفنا، هدمنا كل الجسور ونسينا كل "الملح" الذي أكلناه معاً.
بين يدي "الوفاء"
في حياتي المتواضعة، تعلمت أن أجمل الأشخاص ليسوا أولئك الذين يبقون معك في قمة سعادتك، بل أولئك الذين "يعرفون عيوبك ولا يزالون يحبونك"، أولئك الذين عندما تعصف بهم ريح الخلاف، يتذكرون غطاءً شاركته معهم في ليلة باردة، أو موقفاً كنت فيه سنداً لهم. الوفاء ليس غياباً للمشاكل، بل هو قرار واعٍ بأن "العشرة" أثمن من أي سوء تفاهم عابر.
كلمة أخيرة
العشرة لا تموت، لكنها "تذبل" حين نكف عن سقيها بالصبر والتغافل. التمسك ليس ضعفاً، بل هو أعلى درجات النبل الإنساني. إن "الخسارة الحقيقية" ليست في فقدان شخص رحل باختياره، بل في فقداننا نحن لغريزة الوفاء، وقدرتنا على صيانة الود.
تذكروا دائماً: المباني تُبنى بالحجر، أما العلاقات فتُبنى "بالعمر"؛ ومن يفرط في العشرة، يفرط في جزء من تاريخه الشخصي.
والآن.. ماذا عنكم؟
هل واجهتم في حياتكم موقفاً كان التخلي فيه سهلاً ولكنكم اخترتم التمسك؟ أم كنتم ضحية لتخلٍّ مفاجئ أثبت لكم أن "العشرة" أصبحت عملة نادرة؟