

تمر منطقة الشرق الأوسط بمنعطف استراتيجي هو الأكثر خطورة منذ عقود، حيث تحولت قواعد الاشتباك من "حروب الوكالة" التقليدية إلى مواجهة عسكرية مباشرة وضعت النظام الإقليمي بأسره فوق فوهة بركان، إن المراقب للمشهد يدرك أننا لم نعد أمام جولة توتر اعتيادية، بل أمام إعادة هيكلة شاملة لموازين القوى، حيث تلتقي "مطرقة" التصعيد العسكري الأمريكي مع "سندان" الأزمات الداخلية الإيرانية، وسط محاولات دبلوماسية يصفها البعض بأنها "ستار من دخان".
لقد شكل شهر حزيران/ يونيو 2025 نقطة التحول الكبرى؛ فبعد فشل المسارات التفاوضية في مسقط، نفذت الولايات المتحدة عملية "مطرقة منتصف الليل"، مستهدفة منشآت نووية في العمق الإيراني، هذا التحول من "الاحتواء" إلى "الردع الوقائي" لم يمر دون رد، إذ كسرت طهران المحرمات باستهداف قاعدة "العديد" في قطر مباشرة، في رسالة مفادها أن المصالح الأمريكية الحيوية في الخليج باتت ضمن دائرة النار، هذا التصعيد المتبادل أثبت أن التفوق التكنولوجي الأمريكي الذي تدعمه ميزانية دفاعية هائلة تبلغ 895 مليار دولار، يقابله استراتيجية إيرانية تعتمد على الردع غير المتكافئ وامتلاك 1,517 راجمة صواريخ قادرة على استنزاف الخصوم.
على الجبهة الاقتصادية، ابتكرت إدارة ترامب سلاحاً جديداً يتجاوز العقوبات التقليدية؛ وهو "التعريفات الجمركية السياسية"، بفرض رسوم بنسبة 25% على أي دولة تتاجر مع إيران، لم تستهدف واشنطن طهران فحسب، بل وضعت شركاءها الكبار، وعلى رأسهم الصين (التي تستحوذ على 77% من نفط إيران)، أمام خيار وجودي، هذه "الحرب الجمركية" أدت فوراً إلى قفزة في أسعار النفط لتتجاوز 64.50 دولاراً، وهو ما يوضح كيف يمكن لقرار سياسي أن يهز أركان الاقتصاد العالمي في ساعات.
وبينما تدور رحى الحرب العسكرية والاقتصادية في الخارج، يواجه النظام الإيراني في الداخل اختباراً هو الأصعب لشرعيته، فالاحتجاجات التي اندلعت بسبب تدهور المعيشة وقيمة العملة "وتدخلات خارجية حسب تقارير النظام الايراني" قوبلت بما وصفته تقارير حقوقية بـ "القمع الممنهج"، الذي أسفر عن مقتل ما بين 490 إلى 648 شخصاً واعتقال الآلاف، الأخطر من ذلك هو ظهور نمط جديد من القمع وُصف بـ "القمع العلاجي"؛ حيث كشف أطباء عن عسكرة المستشفيات وتحويلها إلى مراكز احتجاز، مما اضطر الكوادر الطبية لعلاج الجرحى في "مواقف سيارات مظلمة" لإنقاذ حياتهم من الاعتقال، إن هذا التدمير لـ "الحياد الطبي" يزرع بذور انعدام ثقة عميق في المجتمع الإيراني قد يمتد أثره لعقود.
في هذا المناخ المشحون، تبرز سلطنة عُمان وتركيا كوسطاء يحاولون نزع فتيل الانفجار الشامل، واشنطن وضعت أربعة مطالب حاسمة لإلغاء مزيد من الضربات: الوقف الكامل للتخصيب، تسليم اليورانيوم، تدمير الصواريخ التي تهدد إسرائيل، وإنهاء دعم الوكلاء الإقليميين، ورغم وصف ترامب لمحادثات مسقط بأنها "جيدة جداً"، إلا أن الفجوة تظل شاسعة؛ فطهران ترى في تدمير ترسانتها الصاروخية "انتحاراً سياسياً"، بينما ترى واشنطن أن أي اتفاق لا يشمل الصواريخ والوكلاء هو اتفاق هش.
إن السيناريوهات المستقبلية تتراوح بين تثبيت تهدئة طويلة المدى، أو الانزلاق نحو "المواجهة الشاملة" التي قد تعطل إمدادات الطاقة العالمية وتؤدي لفوضى أمنية عارمة، ومع تحرك أساطيل أمريكية ضخمة نحو المنطقة، تظل الدبلوماسية تسابق الزمن، الحقيقة الماثلة الآن هي أن إيران لم تعد كما كانت قبل حزيران 2025، والولايات المتحدة باتت أكثر استعداداً لاستخدام القوة المباشرة، مما يترك المنطقة في حالة من "الردع الهش" حيث يمكن لأي خطأ في التقدير أن يشعل حرباً لا يريدها أحد، لكن الجميع يستعد لها.
فهل ستقبل طهران بـ "تراجع استراتيجي" مقابل بقاء النظام، أم أن واشنطن ستمضي في سياسة "المطرقة" حتى النهاية؟ الأيام القادمة، وربما جولة مفاوضات الأسبوع المقبل، هي التي ستحدد هوية الشرق الأوسط الجديد.