
عشتار تيفي كوم - سيرياك برس/
في سجلّات الطين التي حفظت أسرار حضارات بيث نهرين، يبرز اسم امرأة كسرت المألوف واعتلت العرش في زمنٍ كان الحكم فيه حكرًا على الرجال، ففي سنة 2400 قبل الميلاد، سطر اسم كوبابا، تلك الشخصية التي تحوّلت من امرأة عادية إلى حاكمةٍ لمدينة كيش، لتصنع لنفسها مكانًا فريدًا، وتكتب اسمها قبل 4500 عام في أقدم قوائم الملوك في التاريخ.
فكوبابا، أو كما تعرف بـ “كوج باو” في اللغة السومرية، لم تكن من سلالة ملكية، ولم تعتل العرش بتوارث الحكم، بل كانت تعمل في حانة تقدم البيرة، لذلك جرى توصيفها بجملة مفادها “أصبحت صاحبة الحانة، التي رسخت أسس كيش، ملكة، وحكمت لمدة 100 عام”
وإن اختلفت الإجابات عن طريقة وصول كوبابا للعرش باختلاف المصادر والروايات، إلا أن الشيء المتفق عليه، هو أن امتلاك حانة كان مهنة شائعة ومحترمة للإناث في بعض الحقبات التاريخية القديمة في بيث نهرين، فقد كان الشعير الذي تصنع منه البيرة مقدساً لدى الشعب السومري، كما كانت تعتبر البيرة بحسب النصوص السومرية، بهجة القلب.
ووفقاً لما كتبته عالمة اللاهوت كارول آر فونتين في كتابها “البحث عن الحكمة عند القدماء“، فقد كانت كوبابا “سيدة أعمال ناجحة ذات ارتباطات إلهية”. لكن كيفية وصولها إلى الحكم أسطورية غير واضحة.
فيرجح البعض أن كوبابا تزوجت من ملك، وقد وصلت للحكم بعد مفارقته الحياة، لكن السؤال هنا، هل كان زواج الملك من عامة الناس مشهداً اعتيادياً في العصور القديمة؟، فالنصوص القديمة لم تذكر ذلك الحدث على الإطلاق، بل ورد اسمها في نص بابلي قديم يقول: “أعطت كوبابا الخبز للصياد وأعطته الماء، وجعلته يقدم السمك إلى إساجيلا، مردوخ، الملك، أمير الأبسو، لم يؤيدها وقال: ‘ليكن كذلك!’ لقد عهد إلى كوبابا، صاحب الحانة، بالسيادة على العالم بأسره”.
وتفسير النص هو: أطعمت كوبابا صيادًا وأقنعته بتقديم صيده إلى إساجيلا _ وهو معبد الإله مردوخ _ ولم يكن رد مردوخ مفاجئًا: فقال: “ليكن كذلك”، وبذلك أوكل إلى كوبابا، صاحبة الحانة، السيادة على العالم أجمع، أي لم تتجاوز نفقات حملتها للسيطرة على العالم رغيف خبز وبعض الماء.
فعلى اختلاف التفسيرات، وحكايات وصولها للحكم، إلا أن المؤرخين لا يختلفون على وجود كوبابا، فقد ذكر اسمها في اللوح الطيني الذي يضم قائمة بأسماء ملوك السومريين، مع لقب لوغال “والذي يعني ملكاً”، وليس لقب أريش “الذي يعني قرينة الملك”، وهو ما يؤكد أنها حكمت بمفردها، في زمن اعتبر فيه الحاكم آلهة، والحكم قانون إلهي.
تناقلت القصص حكمة كوبابا وحنكتها وذكاءها بالحكم، فقد حكمت ما يقارب 100 عام، وأسست خلالها سلالة كيش الثالثة (أو الرابعة) التي عُرفت بالسلالة الكوتية في سومر.
تشير المصادر السابقة إلى أنه خلال فترة حكمها، انتصرت كوبابا على ملك ماري، شاروميتر، في سوريا، وكانت بذلك أول امرأة تقود حرباً وتنتصر فيها في التاريخ البشري. وأنها كانت ملكة قوية ذات شعبية كبيرة طوال فترة حكمها في الحضارة العراقية القديمة.
كما ذكرت كوبابا في وثيقة أحداث معبد إيساكيلا أو إيساجيلا وهو معبد الإله مردوخ في بابل، وتذكر الوثيقة فيما بعد موجزاً عن ارتفاع شأن بيت كوبابا في عهد بوزور نيراخ، ملك أكشاك الذي يعتقد بعض الباحثين أن كوبابا حصلت على الملكية بمساعدته.
ويذكر أنها تزوجت من الملك الكوتي هابلوم، وبعد وفاتها حكم ابنها بوزور سوين، وحفيدها أور زابابا الذي كان سرجون الأكدي يعمل ساقياً له، ثم قام بخلعه عن عرشه ونصب نفسه الملك، وأسس الامبراطورية الأكدية.
وعرفت كوبابا بعد موتها، باسم الإلهة الحورية الأم التي تعبد في أضرحة سومر. كما أصبحت الإلهة الحامية لمدينة كركميش السورية، إضافة لوجود منحوتة حجرية محفوظة في متحف الحضارات الأناضولية، في أنقرة، تمثل الإلهة كوبابا أول حاكمة في الحضارة السومرية.