
عشتار تيفي كوم - الفاتيكان نيوز/
أمام التطورات الأخيرة في الشرق الأوسط أجرى مدير التحرير في دائرة الاتصالات الفاتيكانية أندريا تورنييلي مقابلة مع أمين سر دولة حاضرة الفاتيكان الكاردينال بييترو بارولين، والذي تحدث في البداية عن عيشه بألم كبير هذه الساعات المأساوية حيث يُلقى مجدَّدا بشعوب الشرق الأوسط، بما في ذلك الجماعات المسيحية الهشة، في هول الحرب التي تقضي بشراسة على حياة البشر وتسفر عن دمار وتَجُر أمما بكاملها إلى دوامات عنف ونتائج مبهمة. وذكَّر أمين السر في هذا السياق بحديث البابا لاوُن الرابع عشر الأحد الماضي عن مأساة كبيرة الأبعاد وعن خطر هوة غير قابلة للإصلاح، كلمات تُعبر بشكل كبير عن اللحظة التي نمر بها، قل الكاردينال بارولين.
وفي إجابته على سؤال حول رأيه في الهجوم الأمريكي والإسرائيلي على إيران أكد أمين السر أن السلام والأمن يجب إنماؤهما والسعي إليهما من خلال الفرص التي توفرها الدبلوماسية، وخاصة في سياق الهيئات متعددة الأطراف أي حيثما تتوفر للدول إمكانية حل النزاعات بشكل سلمي وأكثر عدلا. وتحدث الكاردينال بارولين عن رغبة مَن أسسوا الأمم المتحدة عقب الحرب العالمية الثانية، والتي تسببت في موت ٦٠ مليون شخص تقريبا، في أن يُجنبوا أبناءهم الأخطاء التي عاشوها هم، ولهذا فقد ضَمَّنوا ميثاق الأمم المتحدة توجيهات دقيقة حول إدارة النزاعات. وتابع أن هذه الجهود تبدو اليوم وقد ضاعت هباءً، بل ونشهد، وكما قال البابا لاوُن الرابع عشر في كلمته في بداية العام إلى أعضاء السلك الدبلوماسي المعتمَدين لدى الكرسي الرسولي، استبدال دبلوماسية تُعزز الحوار والسعي إلى اتفاق الجميع بدبلوماسية القوة، الطرف الواحد أو مجموعة حلفاء، والاعتقاد أن بالإمكان بلوغ السلام باستخدام السلاح. وأضاف الكاردينال بارولين أنه حين يدور الحديث عن حرب فمن المعقد تحديد مَن المُحق ومَن المخطئ، الشيء الأكيد في المقابل هو أن الحرب تسفر دائما عن ضحايا ودمار وعن تبعات رهيبة على المدنيين، ولهذا فإن الكرسي الرسولي يحبذ التشديد على ضرورة ما تُوفر الدبلوماسية من أدوات من أجل حل الخلافات بين الدول. وتابع أمين السر أن التاريخ يُعَلمنا أن السياسة وحدها يمكنها، بمشقة التفاوض والتنبه إلى توازن المصالح، أن تُنمي الثقة بين الشعوب وأن تعزز التنمية وتحافظ على السلام.
وعقب تذكير تورنييلي بأن الهجوم على إيران قد بُرر بتفادي توصل هذا البلد إلى إنتاج صواريخ جديدة أي أننا نتحدث عن حرب وقائية، عاد الكاردينال بييترو بارولين إلى ميثاق الأمم المتحدة والذي يعتبر استخدام القوة الاختيار الأخير والأكثر خطورة، وذلك عقب استخدام كل أدوات الحوار السياسي والدبلوماسي، وبعد تقييم دقيق لمدى الضرورة ولبُعد التناسب، وفي إطار حوكمة متعددة الأطراف. وأضاف أمين السر أنه في حال الاعتراف للدول بالحق في شن حروب وقائية انطلاقا من معاييرها الخاصة بدون إطار شرعي يتخطى الحدود القومية، فإن العالم كله سيصبح مهدَّدا بالاشتعال. وأكد الكاردينال بارولين أنه من المقلق بالفعل غياب القانون الدولي، حيث حلت القوة محل العدل وتم استبدال قوة القانون بقانون القوة انطلاقا من القناعة بأن السلام يمكن أن ينشأ فقط عقب القضاء على العدو.
هذا ومن بين الأسئلة التي طُرحت على أمين السر سؤال حول أهمية التظاهرات التي شهدتها إيران قبل أسابيع والتي قُمعت من قِبل السلطة. وأجاب أمين السر أن هذا أيضا من الأمور المثيرة للقلق حيث يجب أخذ تطلعات الشعوب بعين الاعتبار، وهو ما يجب أن يضمنه الإطار القانوني للمجتمع أي أن يضمن للجميع التعبير بحرية عن أفكارهم ما ينطبق أيضا على الشعب الإيراني العزيز، قال الكاردينال بارولين موضحا أنه يمكن التساؤل في الوقت ذاته إن كان هناك مَن يعتقد بالفعل أن الحلول تأتي بإطلاق الصواريخ والقنابل.
ثم أجاب أمين سر دولة حاضرة الفاتيكان على سؤال حول سبب هذا المستوى من ضعف القانون الدولي والدبلوماسية، وتحدث هنا عن فقدان الوعي بأن الخير العام هو بالفعل منفعة للجميع، أي أن خير الآخر هو أيضا خير لي، وبالتالي فإن العدل والرخاء والأمن تتحقق كلها في حال تَمَكن الجميع من الاستفادة منها. وأضاف الكاردينال أن هذا المبدأ هو ركيزة تأسيس نظام متعدد الأطراف أو مشروع مثل الاتحاد الأوروبي. وكرر الإشارة إلى غياب هذا الوعي ما أدى إلى نمو اهتمام كل طرف بمصالحه الخاصة، مضيفا أن لهذا تبعية أخرى وهي عيش النظام الدبلوماسي متعدد الأطراف أزمة عميقة في العلاقات بين الدول بسبب عدم ثقة الدول في الإلزامات القانونية التي تضع حدودا لأفعالها. وهذا التصرف، حسبما واصل نيافته، يعكس الوجه الآخر للرغبة في الهيمنة والتطلع إلى العمل بحرية وفرض الأطراف نظامها الخاص على الآخرين متجنبة المشقة النبيلة للسياسة المتمثلة في المناقشات والمفاوضات، الحصول على مكاسب وتقديم تنازلات للآخرين. وتحدث أمين السر عن ترسخ خطير لتعددية أقطاب تتميز بأولوية القوة والمرجعية الذاتية، كما وتصبح محل نقاش مع الأسف مبادئ مثل تقرير الشعوب لمصيرها وسيادة الأراضي بل وحتى القواعد المنظِّمة للحرب ذاتها. وتابع الكاردينال بارولين أنه يتم الابتعاد تدريجيا عن المنظومة التي تأسست على القانون الدولي في مجالات مثل إعادة التسلح، التعاون من أجل التنمية، احترام الحقوق الأساسية، الملكية الفكرية والتبادلات التجارية.
هذا وسلط الكاردينال بارولين الضوء على نقطة أخرى، ألا وهي الإشارة إلى القانون الدولي حسب الحاجة، حيث هناك حالات تستاء فيها الجماعة الدولية وتحتشد وحالات أخرى لا تفعل هذا أمامها أو تفعله بشكل أقل، ما يوحي بأن هناك انتهاكات للحقوق يجب معاقبتها وأخرى يمكن التساهل أمامها، ضحايا مدنيين يُشجَب موتهم وآخرين يمكن اعتبارهم أضرارا جانبية. وأكد أمين السر أن ليس هناك موتى من الدرجة الأولى وموتى من الدرجة الثانية، ولا أشخاصا يتمتعون بحق أكبر في العيش مقارنة بآخرين لمجرد أنهم وُلدوا في قارة بدلا من أخرى أو في بلد بعينه. وشدد نيافته هنا على أهمية القانون الإنساني الدولي الذي لا يمكن لاحترامه أن يتوقف على الظروف أو المصالح العسكرية أو الاستراتيجية. وأضاف أن الكرسي الرسولي يؤكد بقوة إدانته لشمل العمليات العسكرية بأي شكل للمدنيين والبنى المدنية، مثل المناطق السكنية والمدارس والمستشفيات وأماكن العبادة، كما ويطالب بأن يُحمى دائما مبدأ اللامساس بالكرامة البشرية وقدسية الحياة.
وفي إجابته على سؤال حول توقعاته على المدى القريب فيما يتعلق بالأزمة الجديدة قال الكاردينال بييترو بارولين إنه يرجو ويصلي كي تتم الاستجابة إلى الدعوة إلى المسؤولية التي وجهها الاحد الماضي البابا لاوُن الرابع عشر، وأن يلمس هذا النداء قلوب مَن يتخذون القرارات. وتابع معربا عن الرجاء أن يتوقف قريبا ضجيج السلاح وأن تتم العودة إلى التفاوض مشيرا إلى أن المفاوضات يجب أن تُمنح الوقت الضروري لبلوغ نتائج ملموسة. وأراد من جهة أخرى الإشارة إلى ضرورة إدراك أن النظام الدولي قد تَغير مقارنة بما تم وضعه ثمانين سنة مضت من خلال تأسيس الأمم المتحدة، وقال نيافته إنه من الضروري، لا انطلاقا من حنين إلى الماضي، مواجهة نزع الشرعية عن المؤسسات الدولية، ويجب أيضا تعزيز القواعد فوق القومية التي تساعد الدول على حل الخلافات سلميا من خلال الدبلوماسية والسياسة.
وختم أمين سر دولة حاضرة الفاتيكان المقابلة التي أجراها معه مدير التحرير في دائرة الاتصالات الفاتيكانية أندريا تورنييلي مجيبا على سؤال حول الرجاء أمام كل ما يحدث، فقال إن المسيحيين يرجون لأنهم يثقون في إله صار بشرا، دعا بطرس إلى أن يغمد السيف وعاش على الصليب بشكل شخصي أهوال العنف الأعمى والذي لا معنى له. وواصل الكاردينال بارولين أن المسيحيين يرجون أيضا لأن في مناطق عديدة من العالم يتواصل، رغم الحروب والدمار وعدم اليقين والشعور المنتشر بالضياع، ارتفاع أصوات تطالب بالسلام والعدالة. إن شعوبنا تطلب السلام، قال نيافته، وعلى هذا النداء أن يهز الحكام ومَن يعملون في العلاقات الدولية دافعا إياهم إلى مضاعفة الجهود من أجل السلام.