
رافق البابوات، عقودًا طويلة، مسيرة البشريّة داعين بشكل مستمرّ إلى إحلال السلام في الأرض | مصدر الصورة: فاتيكان ميديا
عشتارتيفي كوم- آسي مينا/
بقلم: إلياس الترك
روما, السبت 7 مارس، 2026
على مدى الأعوام المئة الماضية، عبّر بابوات الكنيسة الكاثوليكية باستمرار عن مسؤوليتهم الأخلاقية في الدعوة إلى السلام وتعزيزه بين الشعوب، بدءًا بالحرب العالمية الأولى إلى النزاعات المعاصرة، مستندين إلى تعاليم المسيح والتقليد اللاهوتي.
وفي أعقاب الحرب العالمية الأولى، سعى البابا بنديكتوس الخامس عشر إلى تعزيز المصالحة بين الأمم الممزّقة من الحرب. وبرز بعده صوت البابا بيوس الثاني عشر القائل عشيّة اندلاع الحرب العالمية الثانية عام 1939: «لا يُفقد شيءٌ في السلام، إنّما يمكن فقدان جميع الأشياء في الحرب»، داعيًا القادة العالميين إلى التراجع عن منطق السلاح.
وواصل رؤساء الكنيسة الكاثوليكية هذا الالتزام؛ ففي العام 1963، أصدر البابا يوحنا الثالث والعشرون الرسالة العامة «السلام في الأرض»، واضعًا السلام بين الدول والمواطنين في إطار الحقيقة والعدالة والمحبة والحرية. وتُعدّ الوثيقة علامة فارقة في التعليم الاجتماعي الحديث للكنيسة.
أمّا البابا بولس السادس، ومن خلال رسائله السنوية لليوم العالمي للسلام، فربط بين حقوق الإنسان والحوار وكرامة الشخص، معتبرًا السلام ثمرة أساسية للعلاقات الإنسانية. وطوّر البابا يوحنا بولس الثاني مفهوم «السلام كعمل العدالة»، مؤكِّدًا ضرورة ترسيخ الوئام في التضامن واحترام الكرامة الإنسانية.
ومن بعده، أتى البابا اللاهوتي بنديكتوس السادس عشر، وسار على النهج نفسه. وشدّد على أنّ السلام يُبنى في الحقيقة، لا عبر غياب النزاعات، بل من خلال نظام قائم على العدالة والحرية. وبعد بلوغ البابا فرنسيس السدة البطرسية، وجّه نداءات متكررة لتجاوُز الحروب والانقسامات، وربط السلام بالعناية بالخليقة واستقبال الأشد ضعفًا.
وتستمرّ الكنيسة اليوم في التزامها الدعوة إلى السلام وتعزيزه؛ إذ في أول خطاب له بعد انتخابه حبرًا أعظم، خرج البابا لاوون الرابع عشر إلى شرفة بازيليك القدّيس بطرس في الفاتيكان والدموع في عينيه، وخاطب نحو 150 ألف شخص قائلًا: «السلام معكم جميعًا». وأضاف: «هذا سلام المسيح القائم، الراعي الصالح. أرغب أن يصل السلام إلى عائلاتكم وإلى جميع الشعوب وإلى الأرض كلّها. السلام عليكم. سلامٌ غير مسلّح ونازع للسلاح، متواضع. الله يحبّنا جميعًا بلا شروط».
وبذلك تلتزم الكنيسة حتى اليوم الدعوة إلى السلام، ولا تركّز حصرًا على إنهاء الحروب بل أيضًا على بناء علاقات عادلة ومنزوعة السلاح. وفي كل مرحلة من الأعوام المئة الماضية، لم يكتفِ البابوات بخطابات عاطفية، بل طرحوا أفكارًا قويّة للأفراد والمجتمعات، وساندوا رؤيتهم بعمل دبلوماسي دولي دؤوب.