
عشتار تيفي كوم - سيرياك برس/
─ لا يزال وضع الأقليات في سوريا غير مستقر ومثيراً للقلق، ولا يزال مستقبلها ووجودها مجهول المعالم، فبعد مرور ما يقارب 15 شهرًا على تشكيل الحكومة السورية الجديدة، وفي ظل استمرار المرحلة الانتقالية في البلاد، وما رافقها من تغييرات إدارية وأمنية، ومن ضمنها استعادة الحكومة سيطرتها على أجزاء واسعة من شرق وجنوب سوريا، أي إقليم شمال شرق سوريا والسويداء، تبقى التساؤلات قائمة حول كيفية تمكّن الأقليات من الحفاظ على هوياتها الثقافية واللغوية والدينية، وضمان تمثيلها وحمايتها والاندماج في المؤسسات الوطنية السورية.
تلك التساؤلات كانت المحاور الرئيسية لفعالية نظمتها مؤسسة “نيكست سينتشري” في جنيف بسويسرا، وذلك لتوفير لمحة أو نظرة عامة عن التطورات الأخيرة في سوريا، وإبراز وجهات نظر المجتمعات المتضررة من التحول السياسي في سوريا، واستكشاف مناهج عملية لحماية حقوق الأقليات وتعزيز التماسك الاجتماعي في البلاد.
وشهدت الفعالية التي أُقيمت في 13 آذار 2026، حضور عدد من النشطاء السياسيين وفي مجال حقوق الإنسان من مختلف الشعوب، كالسريان الكلدان الآشوريين الآراميين والدروز والعلويين، ومن بينهم متين رهاوي، مسؤول العلاقات الخارجية في الاتحاد السرياني الأوروبي والبروفيسور نيكولاس ليفرات، المقرر الأممي الخاص المعني بقضايا الأقليات وجعفر الأحمر، مدير مؤسسة “نيكست سينتشري” وعمار وقاف، مدير مؤسسة “غنوسوس” المحدودة وأيسر الولي، مسؤول المنظمة الدرزية الدولية ومحمد سركال، مدير مجموعة العمل للمناصرة والتضامن وينس كرينات، مدير معهد توثيق انتهاكات حقوق الإنسان IDHRV-ARMIL.
خلال الفعالية، ألقى المشاركون كلمات طرحوا من خلالها رؤيتهم لواقع الأقليات في سوريا، ومستقبلهم في حال بقاء الوضع على ما هو عليه، ورؤيتهم لسبل الحفاظ على الأقليات وحريتها الدينية والثقافية واللغوية، وتمثيلها بشكل عادل ضمن الدولة السورية ومؤسساتها، حيث قال رهاوي في كلمته، إنه “مع دخول سوريا مرحلة جديدة مليئة بالغموض، يبرز سؤال هام: ما معنى حماية الأقليات في بلدٍ انهار فيه الحكم وظلت مؤسساته هشة؟ في ظل هذه الظروف، لا يمكن أن تبقى حماية الأقليات مجرد مبدأ نظري، بل يجب أن تُترجم إلى ضمانات ملموسة تُمكّن المجتمعات من البقاء والعودة وإعادة البناء في أوطانها التاريخية”
وتطرق رهاوي لتعريف الشعب السرياني “سورويو/سورايا” وتاريخه وثقافته وأصالته والتحديات التي واجهته والمجازر والانتهاكات التي تعرض لها على مر التاريخ، وخاصةً خلال الحرب السورية، قائلاً إن هذا الشعب معروف دولياً بالسريان الكلدان الآشوريين الآراميين، وهو “من أقدم الشعوب الأصلية في سوريا. فعلى مرّ القرون، عاشت مجتمعاتنا في قرى وبلدات وكنائس وأديرة في جميع أنحاء المنطقة، ومع ذلك، وبعد أكثر من عقد من الحرب، أصبح الوضع الديموغرافي لشعبنا في سوريا هشًا للغاية. فقد تراجعت أعداد المجتمعات التي كانت منتشرة في أجزاء واسعة من البلاد بشكلٍ كبير. لقد نزح شعبنا من أماكن مثل رأس العين والرقة ودير الزور والعديد من القرى في منطقة الخابور”
وتساءئل رهاوي بالقول: “كيف ينبغي للإطار الدولي لحقوق الأقليات أن يستجيب عندما لا يقتصر التحدي على التمييز فحسب، بل يشمل أيضاً الاختفاء التدريجي لشعب أصيل من موطنه التاريخي؟”، مضيفاً أنه “عندما يصل التدهور الديموغرافي إلى حد معين، يصبح التعافي أمراً في غاية الصعوبة”
وأكد رهاوي أنه “بالنسبة للمجتمعات الأصلية، تمثل الأرض استمرارية وهوية وإمكانية العودة، فكيف يمكن لشعبنا أن يعود فعلياً إلى رأس العين أو الرقة أو دير الزور، إذا لم تكن منازلهم وأراضيهم ومؤسساتهم المحلية محمية؟ لذا، يجب أن تشمل حماية الأقليات ضمانات قابلة للتنفيذ لحقوق الأرض، واستعادة الممتلكات، والعودة الآمنة”
وشدد رهاوي على أن ما سبق مشروط بمبدأ آخر، ألا إعادة بناء الثقة بين المجتمعات، قائلاً: “يجب أن تتمكن مجتمعات الأقليات من المشاركة في المؤسسات المسؤولة عن الحكم المحلي والأمن. في المجتمعات المتنوعة، يمكن أن يُسهم تطبيق اللامركزية والمشاركة المحلية في تعزيز الاستقرار والتعايش”
واعتبر رهاوي أنه “لا يمكن أن تكون حماية الأقليات ذات مصداقية، ما لم يتم إشراك الأقليات نفسها بشكل فعّال في تشكيل مؤسسات سوريا المستقبلية. لذا، يجب أن تكون المشاركة والضمانات المؤسسية جزءًا لا يتجزأ من الإطار الدستوري السوري المستقبلي”
وحول مخاوف الشعب السرياني الكلداني الآشوري الآرامي إزاء مستقبلهم في سوريا، قال رهاوي إنه هذا الخوف والقلق ليس نظرياً، “إذ لا تزال ذاكرتنا الجماعية تحمل في طياتها صدمة مجازر عام 1915، المعروفة باسم سيفو”
وذكّر رهاوي بتجربة الشعب الكلداني السرياني الآشوري في العراق، وما عاناه من مجازر وتهجير وانتهاكات على يد تنظيم داعش الإرهابي، قائلاً: “اليوم، تقع على عاتقنا أيضًا مسؤولية ضمان ألا تسلك سوريا المسار نفسه الذي شهدناه في العراق، حيث دُفعت مجتمعات أصلية عريقة إلى حافة الاندثار، يجب ألا نسمح لسوريا بأن تصبح مكانًا آخر تُصبح فيه أقدم شعوبها أكبر ضحايا عدم الاستقرار”، مؤكداً في ذات الوقت أن الشعب السرياني الكلداني الآشوري الآرامي ورغم ما عاناه، لم يتخلَّ عن أرضه، قائلاً: “لقد عاش الشعب السورويو/السورايا في هذه المنطقة لآلاف السنين، وما زلنا ملتزمين ببقاء شعبنا ومستقبله في وطنه”
واختتم رهاوي كلمته بالقول: “إذا أرادت سوريا أن تبقى دولة متعددة الثقافات، فلا بد لشعوبها الأصلية أن يكون لها مستقبل في وطنها”