
عشتار تيفي كوم - اعلام البطريركية الكلدانية/
برعاية رئيس الجامعة المستنصرية، الأستاذ الدكتور صفاء تقي العيساوي، وبدعوة من مركز المستنصرية للدراسات العربية والدولية في الجامعة المستنصرية ببغداد، ألقى غبطة أبينا البطريرك مار بولس الثالث نونا الكلّي الطوبى، صباح يوم الاثنين الموافق 21 أيلول 2026، محاضرةً في قاعة المركز بعنوان: “التعايش السلمي في المجتمعات المتعددة: من إدارة الاختلاف إلى بناء المواطنة والثقة والخير المشترك”.
وتناول غبطته مفهوم التعايش السلمي، مبينًا أنه لا يعني مجرد غياب الحرب، بل هو بناء اجتماعي وأخلاقي وسياسي يحتاج إلى العدالة والمواطنة والثقة المتبادلة. وحذّر من أنماط الاتصال السطحية، ولا سيما تلك التي توفرها وسائل الاتصال الرقمية، إذ قد تضعنا أمام خطر الابتعاد العلائقي والوجداني، الأمر الذي يدعونا إلى الانتقال من مجرد الاتصال إلى بناء العلاقة.
وشرح غبطته التعايش السلمي من خلال خمسة أبعاد مترابطة: البعد المفاهيمي والفكري، والبعد الإنساني والأخلاقي، والبعد السياسي والقانوني، والبعد الديني والثقافي، والبعد التربوي والتطبيقي.
وفي البعد الفكري والمفاهيمي، بيّن غبطة البطريرك نونا أن مجرد التجاور لا يعني بالضرورة تحقق التعايش، بل إن هذا التعايش يتطلب الاعتراف بحقوق الإنسان وحرياته الأساسية، على الرغم من اختلاف الأفراد بعضهم عن بعض. وفي الأبعاد الأخرى، تطرق غبطته إلى مفردات أساسية للتعايش، منها: التعاون، واحترام المواهب، والسلام، والمساواة، والمواطنة، وغيرها.
كما أوضح غبطته دور الدين في تعزيز التعايش السلمي، بوصفه قوة فاعلة في بناء المصالحة داخل المجتمعات، بدلاً من أن يكون عاملاً في زرع الانقسام. واستشهد بوثائق المجمع الفاتيكاني الثاني المتعلقة بالعلاقات مع الديانات الأخرى، وبأهمية التفاهم المشترك حول القضايا الأخلاقية والسلام والحرية. وأكد أن هذا الأمر لا يتجسد في عقد المؤتمرات فحسب، بل في تحويل المبادئ الدينية إلى ثقافة حياة يومية.
وفرّق غبطته بين الذاكرة المسؤولة والذاكرة الانتقامية؛ فالأولى لا تنسى لكي لا تتكرر الجرائم، أما الثانية فلا تنسى لكي يبقى الآخر متهمًا إلى الأبد. واستشهد في هذا السياق ببابوي العصر، فرنسيس ولاون الرابع عشر، وما أكدا عليه من ضرورة الحفاظ على السلام بين الشعوب.
وفي الجانب التعليمي والتربوي، دعا غبطته إلى إصلاح المناهج الدراسية وتعليم الطلبة مهارات التحليل النقدي، بدلاً من الاكتفاء بتخزين المعلومات. كما حذّر من مخاطر الخوارزميات التي قد تسهم في ترويج أفكار تدعو إلى العنف أو في اجترار الخبرات السلبية السابقة.
وفي ختام محاضرته، قدّم غبطة البطريرك نونا ثلاثة ملاحق تناولت: التعايش في واقع العراق والشرق، والجامعة بوصفها مختبرًا للتعايش، ونحو نموذج عملي للتعايش.
وحضر الندوة العلمية من جانب غبطته كلٌّ من: سيادة المطران مار باسيليوس يلدو، المعاون البطريركي، والأب ديفيد ستيفن، سكرتير غبطته، والأب ألبير هشام، مدير المكتب الإعلامي البطريركي، والشماس بسّام صبري، مدير دار نجم المشرق الثقافية، والأم نعم كمورا، الرئيسة العامة لراهبات بنات مريم الكلدانيات، يرافقها أختان من الراهبات، إلى جانب عدد من الأساتذة في الجامعة ذاتها.