
اللوح رقم 26 من دليل التشخيص الطبي البابلي القديم "ساكيكو" (القرن السادس قبل الميلاد)، والذي يُعد أقدم وثيقة تاريخية تصف أعراض مرض الصرع بدقة. (الصورة: © مجلس أمناء المتحف البريطاني The Trustees of the British Museum / مُتاحة للاستخدام الإخباري والتعليمي).
عشتارتيفي كوم
لم يكن الطبيب في بلاد الرافدين القديمة يكتفي بملاحظة الألم أو وصف العلاج، بل كان يحاول فهم العلامات التي تظهر على المريض، وربطها بمسار المرض، والتنبؤ بما قد يحدث لاحقاً. وتكشف النصوص الطبية المسمارية أن سكان بلاد الرافدين طوّروا تقاليد منظمة لمراقبة الأعراض وتفسيرها، دوّنوا تفاصيلها على ألواح طينية قبل آلاف السنين.
وتقدم النصوص البابلية والآشورية نافذة مهمة على تاريخ التشخيص الطبي، وعلى الطريقة التي امتزجت بها الملاحظة العملية بالمعتقدات الدينية والتصورات السائدة آنذاك عن المرض.
من ملاحظة الأعراض إلى التنبؤ بمآل المرض
لم يكن التشخيص في بلاد الرافدين القديمة مطابقاً للطب الحديث، لكنه تجاوز في بعض النصوص مجرد تسجيل الشكوى. فقد اهتم المعالجون بعلامات متعددة، من بينها:
وكانت هذه العلامات تُفسَّر ضمن منظومة طبية وثقافية مختلفة عن مفاهيم الطب المعاصر. فإلى جانب الملاحظة والخبرة العلاجية، اعتمد بعض الممارسين على التفسيرات الدينية والطقوس المرتبطة بفهم أسباب المرض.
ومن المهم عدم اعتبار كل وصف للأعراض دليلاً على تشخيص علمي بالمعنى الحديث؛ إذ تجمع النصوص القديمة بين ملاحظات جسدية دقيقة أحياناً، وتفسيرات رمزية أو غيبية في أحيان أخرى.
«ساكيكّو».. موسوعة لتشخيص الأمراض والتنبؤ بمسارها
من أبرز النصوص التي وصلتنا في هذا المجال مجموعة طبية تُعرف باسم «ساكيكّو» (Sakikkû)، وهي سلسلة من النصوص البابلية والآشورية المتخصصة في تشخيص الأمراض والتنبؤ بمآلاتها. وتُعد من أهم الشواهد على تنظيم المعرفة الطبية في بلاد الرافدين.
وبحسب الدراسة الأكاديمية المنشورة في Journal of the Royal Society of Medicine، تضم مكتبة الملك الآشوري آشوربانيبال في نينوى نحو ألف لوح ذي صلة بالطب، تتناول التشخيص والعلاجات ومكوناتها. أما سلسلة «ساكيكّو» فتضم نحو 40 لوحاً وما يقارب 3000 مدخل تشخيصي وتنبؤي، وفق ما يورده البحث عن تاريخ الطب في بلاد الرافدين.
ولم تكن هذه النصوص مجرد قوائم عشوائية للأعراض، بل رتبت العلامات المرضية في صيغ متكررة تساعد المتخصص على مقارنة حالة المريض بما هو مدوّن في النصوص. وكانت بعض المداخل تربط بين ظهور علامة معينة والنتيجة المتوقعة للمرض، سواء أكانت الشفاء أم استمرار الحالة أم الوفاة.
ويوضح مشروع «طب نينوى» الأكاديمي، الذي يقدمه مشروع النصوص الآشورية والبابلية في جامعة بنسلفانيا، أن النصوص الطبية الرافدينية تنقسم، من بين أنواعها، إلى نصوص تشخيصية وتنبؤية تعرض الأمراض وأبرز أعراضها والنتائج المحتملة، ونصوص علاجية تتناول وسائل المعالجة.
كيف كان الطبيب البابلي يتنبأ بمستقبل المريض؟
كان التنبؤ بمآل المرض جزءاً مهماً من الممارسة الطبية في بلاد الرافدين. فالمعالج لم يكن يسأل فقط: ما الذي يعاني منه المريض؟ بل كان يسعى أيضاً إلى معرفة ما إذا كانت حالته ستتحسن أم ستتدهور.
وقد أشار الباحث نيلس هيسل (Nils P. Heeßel)، في مدخل «التشخيص في بلاد الرافدين» المنشور ضمن موسوعة التاريخ القديم، إلى أن التشخيص الرافديني كان يهدف إلى تحديد المرض والتنبؤ بمساره ومدته ونتيجته.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة؛ لأن التنبؤ بالمرض كان يؤثر في القرار العلاجي نفسه. فإذا اعتُبرت حالة المريض ميؤوساً منها وفق التصورات الطبية والدينية السائدة، فقد تتغير طريقة التعامل معه، وهو ما تناقشه دراسة جوآن سكرلوك وبيرتون أندرسن Diagnoses in Assyrian and Babylonian Medicine الصادرة عام 2005 عن مطبعة جامعة إلينوي.
لكن هذه التنبؤات لم تكن جميعها قائمة على ملاحظة جسدية وحدها؛ فقد تداخلت معها المعتقدات المتعلقة بالآلهة والقوى غير المرئية، وهو ما يجعل قراءة النصوص القديمة تحتاج إلى التمييز بين الملاحظة الطبية والتفسير الديني.
إساجيل-كين-أبلي.. العالم الذي ارتبط اسمه بتدوين المعرفة التشخيصية
يرتبط تاريخ سلسلة «ساكيكّو» باسم العالم البابلي إساجيل-كين-أبلي (Esagil-kīn-apli)، الذي تنسب إليه التقاليد العلمية البابلية تحرير هذه المجموعة التشخيصية وتنظيمها في صورتها المعروفة.
وتشير الدراسات المتخصصة في فهارس النصوص العلمية البابلية إلى أن السلسلة كانت جزءاً من تقليد علمي متوارث، نُقلت نصوصه ودرّسه الكتبة والمتخصصون على مدى أجيال. كما ارتبط اسم إساجيل-كين-أبلي بنصوص تصنيف العلامات التشخيصية والتنبؤية.
وتدل هذه التقاليد على أن المعرفة الطبية لم تكن تعتمد على خبرة المعالج الفردية وحدها، بل كانت هناك نصوص مرجعية يجري نسخها وحفظها وتداولها بين المتعلمين والمتخصصين.
ومع ذلك، ينبغي عدم تصور هذه السلسلة بوصفها كتاباً حديثاً في الطب السريري؛ فهي تعكس طريقة تفكير مجتمع قديم جمع بين ملاحظة الجسم البشري، والخبرة المتراكمة، والتفسيرات الدينية للعالم.
هل عرف سكان بلاد الرافدين أمراضاً يمكن التعرف إليها اليوم؟
تحتوي النصوص الطبية المسمارية على أوصاف لأعراض واضطرابات قد يجد الباحثون المعاصرون أوجه شبه بينها وبين أمراض معروفة اليوم، بما في ذلك حالات تتعلق بالجهاز العصبي، والاضطرابات الحسية والحركية، وفقدان الوعي، والتشنجات.
وتوضح مراجعة الطبيب والباحث فريدريك فاليس المنشورة في Handbook of Clinical Neurology أن سلسلة «ساكيكّو» تتضمن مجموعة واسعة من الأعراض والمتلازمات التي ترتبط، في التصنيفات الحديثة، بمجالات طب الأعصاب.
لكن تحديد المرض الحديث الذي يقابل وصفاً قديماً ليس أمراً سهلاً دائماً؛ فبعض الألواح متضرر أو ناقص، كما أن المصطلحات الطبية القديمة لا تتطابق بالضرورة مع المفاهيم العلمية الحالية. لذلك يدرس الباحثون الأوصاف ضمن سياقها التاريخي واللغوي، ويتجنبون الجزم بتشخيصات حديثة عندما لا تسمح الأدلة بذلك.
من ألواح نينوى إلى تاريخ الطب العالمي
تكمن أهمية النصوص التشخيصية الرافدينية في أنها تحفظ سجلاً مبكراً لمحاولات الإنسان فهم المرض وتصنيف علاماته وتوقع تطوره. وهي تكشف عن تقاليد علمية لم تكن منفصلة تماماً عن الدين، لكنها امتلكت أيضاً لغة متخصصة وطرائق منظمة في تسجيل المعرفة.
وقد أتاح العثور على الألواح المسمارية في نينوى وغيرها من المواقع الأثرية للباحثين دراسة هذه التقاليد من خلال نصوص أصلية، بدلاً من الاعتماد على روايات متأخرة وحدها. ويعرض مشروع «طب نينوى» هذه النصوص بوصفها مصدراً أساسياً لفهم تصورات سكان بلاد الرافدين عن الجسم والمرض والعلاج.
وهكذا، لم تقتصر مساهمة بلاد الرافدين في تاريخ الطب على استخدام النباتات والزيوت والمراهم، بل شملت أيضاً محاولة تنظيم الملاحظات السريرية، وتصنيف الأعراض، والتفكير في احتمالات تطور المرض.
خلاصة
تكشف سلسلة «ساكيكّو» أن الطبيب في بلاد الرافدين كان يعمل ضمن تقليد معرفي أوسع من مجرد وصف العلاج؛ فقد كانت هناك نصوص تساعد على تفسير الأعراض وتقدير مآلات المرض، وتُنقل المعرفة فيها من جيل إلى آخر.
وبينما لا يمكن مساواة هذا النظام بالطب الحديث، فإنه يمثل شاهداً تاريخياً مهماً على سعي الإنسان المبكر إلى فهم المرض من خلال الملاحظة والتدوين والتجربة، في مجتمع كانت فيه الممارسات الطبية متشابكة مع المعتقدات الدينية.
يتبع في الجزء الرابع: الأدوية في بلاد الرافدين.. كيف استخدم العراقيون القدماء النباتات والزيوت والمعادن في علاج الأمراض؟
المصادر والمراجع