
في كاتدرائية القديسة مريم العذراء «مريمانا» التاريخية في مدينة ماردين التركية. مصدر الصورة: بطريركية السريان الكاثوليك
غبطة البطريرك مار اغناطيوس يوسف الثالث يونان يمنح سرّ المناولة الأولى لثمانية أطفال في احتفال كنسي يجمع السريان الكاثوليك والأرثوذكس في تركيا
ماردين – عشتارتيفي كوم
في مناسبة كنسية تاريخية، احتفل غبطة البطريرك مار اغناطيوس يوسف الثالث يونان، بطريرك السريان الكاثوليك الأنطاكي، صباح الأحد 25 تشرين الأول 2026، بالقداس الإلهي في كاتدرائية القديسة مريم العذراء «مريمانا» التاريخية في مدينة ماردين التركية، ومنح خلاله سرّ المناولة الأولى لثمانية أطفال من أبناء الرعية، في أول احتفال من نوعه في الرعية منذ أكثر من سبعين عاماً.
وذكرت البطريركية السريانية الكاثوليكية، في خبر نشرته عبر صفحتها الرسمية على فيسبوك، أن المناسبة شهدت مشاركة رجال دين من الكنيستين السريانية الكاثوليكية والسريانية الأرثوذكسية، إلى جانب جموع من المؤمنين من ماردين والقادمين من إسطنبول، في احتفال جمع بين الفرح الروحي والاعتزاز بالتراث الكنسي العريق للمدينة.
قداس حبري في كاتدرائية مريمانا
ترأس غبطة البطريرك القداس الإلهي على مذبح كاتدرائية القديسة مريم العذراء «مريمانا»، بمشاركة الخوراسقف أورهان شانلي، النائب البطريركي في تركيا، والخوراسقف حبيب مراد، فيما أشرف المونسنيور بولس قسّ داود، كاهن رعية ماردين، بالتعاون مع معلّمات التعليم المسيحي، على إعداد الأطفال الثمانية وتهيئتهم لنيل المناولة الأولى.
وشارك في القداس صاحب النيافة مار فيلكسينوس صليبا أوزمان، مطران أبرشية ماردين وديار بكر وتوابعها للسريان الأرثوذكس ورئيس دير الزعفران، إلى جانب الخوري كبريال أقيوز والأب عيسى أقيوز، وسط حضور واسع من المؤمنين.
واستُهل الاحتفال بدخول غبطة البطريرك إلى الكاتدرائية في زياح حبري مهيب، تقدّمه الآباء الخوارنة والكهنة والشمامسة والأطفال المتقدمون للمناولة الأولى، قبل إقامة القداس الإلهي في أجواء من الصلاة والخشوع والفرح.
«ربي، أنا ورقة بيضاء، ارسم عليها ما تشاء»
وفي موعظته بعد الإنجيل المقدس، التي حملت عنوان «ربي، أنا ورقة بيضاء، ارسم عليها ما تشاء»، عبّر غبطة البطريرك عن فرحته بمشاركة الأطفال الثمانية في سرّ المناولة الأولى، موجهاً الشكر إلى المطران مار فيلكسينوس صليبا أوزمان لمشاركته في القداس ومرافقته الزيارة الراعوية، كما شكر الخوراسقف أورهان شانلي والمونسنيور بولس قسّ داود وجميع معاونيهم على جهودهم في الإعداد للزيارة والاحتفال.
وخاطب الأطفال قائلاً إنهم يشبهون الورقة البيضاء التي يستطيع يسوع أن يرسم عليها ما يشاء، مؤكداً أن الرب يريد أن يسكن في قلوبهم ويقودهم في حياتهم، وأن يوم المناولة الأولى يشكل محطة مهمة في مسيرتهم الإيمانية.
وتناول غبطته سرّ الإفخارستيا، موضحاً أن يسوع المسيح أعطى ذاته لتلاميذه تحت شكلي الخبز والخمر المباركين، داعياً المؤمنين إلى شكر الله على هذه العطية المقدسة والتمسك بالإيمان وتعاليم المسيح.
كما وجّه رسالة إلى الأهالي، مشدداً على أن الأطفال كنز موهوب من الله، وأن مسؤولية الوالدين تتمثل في مرافقتهم وتربيتهم على الإيمان والمحبة، وبذل الجهود اللازمة لمساعدتهم على النمو الروحي والإنساني.
تأكيد وحدة الكنيسة السريانية وروابط الأخوة
وأكد غبطة البطريرك في موعظته الاعتزاز بوحدة الكنيسة السريانية، مشيراً إلى أن الكنائس والأديرة التاريخية تمثل كنوزاً روحية وتراثية محفوظة للكنيسة، ومشدداً على أن السريان ينتمون إلى كنيسة واحدة رسولية.
كما استذكر علاقات الصداقة والأخوة مع قداسة مار اغناطيوس أفرام الثاني، بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للكنيسة السريانية الأرثوذكسية، معرباً عن تقديره لمشاركة المطران مار فيلكسينوس صليبا أوزمان، التي عكست روح التقارب والتعاون بين الكنيستين الشقيقتين.
وتوجّه غبطته بالشكر إلى الحاضرين، ملتمساً شفاعة أمنا السماوية مريمانا لحماية المؤمنين ومرافقتهم في حياتهم، في ماردين وفي مختلف أنحاء العالم.
كاهن الرعية: فرحتنا كبيرة بعودة المناولة الأولى
من جانبه، رحّب المونسنيور بولس قسّ داود، كاهن رعية ماردين، بزيارة غبطة البطريرك وترؤسه الاحتفال، مؤكداً أن المناسبة تمثل يوماً تاريخياً في حياة الكنيسة السريانية الكاثوليكية في المدينة.
وأشار إلى أن الكاتدرائية التي خدمها بطاركة وأساقفة وكهنة وأجيال من المؤمنين، عادت لتشهد فرحة المناولة الأولى بعد أكثر من سبعين عاماً، معرباً عن اعتزازه بمشاركة إخوتهم في الكنيسة السريانية الأرثوذكسية، واصفاً ذلك بأنه علامة على الأخوة والتقارب بين الكنيستين.
وأكد أن أبناء الكنيسة، رغم قلة عددهم، قادرون على الحفاظ على حضورهم وشهادتهم للإيمان، داعياً إلى الأمانة للكنيسة وتعاليمها ومواصلة نقل الإيمان إلى الأجيال الجديدة.
كما وجّه الشكر إلى المسؤولين المحليين والأهالي ولجنتي ماردين وإسطنبول ومعلّمات التعليم المسيحي، ولا سيما إنجي ولورا وتينا، تقديراً لجهودهن في إعداد الأطفال وتهيئتهم لسرّي الاعتراف والمناولة.
المناولة الأولى وهدايا تذكارية للأطفال
وخلال رتبة المناولة، منح غبطة البطريرك الأطفال الثمانية سرّ القربان المقدس، جسد الرب يسوع المسيح ودمه الأقدسين، وسط أجواء من الخشوع والفرح الروحي.
وقبيل اختتام القداس، قدّم غبطته هدايا تذكارية إلى الأطفال المتناولين للمرة الأولى وإلى معلّمي التعليم المسيحي، ثم منح البركة الختامية وغادر الكاتدرائية وسط التصفيق والهتافات والزغاريد التي عبّرت عن فرحة المؤمنين بهذه المناسبة.
وعقب القداس، قطع غبطة البطريرك مع المطران مار فيلكسينوس والآباء والأطفال قالب الحلوى الذي أعدّته الرعية للاحتفال، ثم استقبل جموع المؤمنين في صالون الكاتدرائية ومنحهم بركته الرسولية.
مريمانا.. ذاكرة الكنيسة السريانية في ماردين
تكتسب المناسبة أهمية خاصة لارتباطها بكاتدرائية القديسة مريم العذراء «مريمانا»، التي تمثل جزءاً من الذاكرة الدينية والتاريخية للكنيسة السريانية الكاثوليكية في ماردين، المدينة التي احتضنت عبر قرون كنائس وأديرة وشواهد على الحضور المسيحي في المنطقة.
ويعيد الاحتفال بالمناولة الأولى بعد أكثر من سبعين عاماً تسليط الضوء على أهمية استمرار الحياة الرعوية وتعليم الأجيال الجديدة الإيمان، والحفاظ على التراث الروحي والكنسي، وتعزيز علاقات الأخوة بين الكنائس السريانية.
وبهذه المناسبة، تجددت مشاعر الفرح والأمل لدى أبناء الرعية، الذين يواصلون ارتباطهم بأرض الآباء والأجداد، متطلعين إلى بقاء كنيستهم حية بحجرها ومؤمنيها، وإلى استمرار حضورها الروحي والاجتماعي في مدينة ماردين التاريخية.